انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حسين علي محفوظ.. سادن التراث العربي

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

6 دقائق للقراءة
18 مشاهدة
حسين علي محفوظ.. سادن التراث العربي
مشاركة:

حين يُذكر اسم الدكتور حسين علي محفوظ، لا يُستحضر رجلٌ فحسب، بل تستيقظ معه صورة بغداد وهي تمشي على قدمين، حاملةً تاريخها، وعلومها، وذاكرتها، ودموعها، وشغفها بالحياة والمعرفة. كان حسين علي محفوظ واحداً من أولئك القلائل الذين لا تفيهم الألقاب مهما عظمت، ولا تحيط بهم الكلمات مهما اتسعت، فهو العالِم والمحقق والموسوعي، وهو العاشق الذي وهب عمره لبغداد، حتى استحق بجدارة أن يُلقّب بـ«شيخ بغداد» و«عاشقها».

وُلد في مدينة الكاظمية سنة 1926، في بيتٍ علمي عريق من بيوتات آل محفوظ، المنتمية إلى قبيلة بني أسد العربية، ونشأ في بيئةٍ تمزج بين العلم والدين والأدب، فكان منذ صباه مشدوداً إلى الكتاب كما يُشدّ العاشق إلى معشوقه. أكمل دراسته الأولى في مدارس الكاظمية، ثم تخرّج في دار المعلمين ببغداد، وعمل في التدريس ردحاً من الزمن، قبل أن ينطلق في رحلة علمية طويلة إلى آفاق أوسع، فدرس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، ثم في إيران، ثم في الاتحاد السوفيتي السابق، حيث حصل على الدكتوراه في الدراسات الشرقية والأدب المقارن عام 1955، جامعاً بين الدراستين القديمة والحديثة، ومؤسساً لنموذج نادر للعالِم الذي يمسك بجذور التراث بيد، ويصافح مناهج العصر الحديث باليد الأخرى.

لم يكن حسين علي محفوظ عالِماً تقليدياً، بل كان عالماً موسوعياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتقن اللغات الشرقية، ويغوص في الأدب، والتاريخ، والفقه، والحديث، والتصوف، والبلاغة، والعروض، والمخطوطات، والوثائق، وعلم التحقيق، والموسيقى، والفن، والفولكلور، حتى بدا وكأنه مكتبة كاملة تمشي على الأرض. لذلك لم يكن غريباً أن يلقبه بعض علماء أوروبا بـ«الموسوعة المتحركة»، وأن يصفه آخرون بأنه «إنشتاين العرب»، وأن تقول عنه الأوساط الأكاديمية إنه «رجل في مكتبة ومكتبة في رجل».

شغل كرسي الأستاذية في كلية الآداب بجامعة بغداد، ودرّس في كلية اللغات، وكان أستاذاً للغة الفارسية، وخرّج على يديه أجيالاً من الباحثين والأدباء والمثقفين في العراق والعالم العربي. لم يكن التعليم عنده وظيفة، بل رسالة أخلاقية وعلمية، وكان طلابه يشعرون أنهم أمام أبٍ روحي لا أمام أستاذ جامعي فحسب. وقد عُرف بسعة أفقه، وتواضعه، ونقائه الإنساني، وابتعاده عن كل ضيق فكري أو تعصب أيديولوجي.

بلغت مؤلفاته وأعماله أكثر من ألف وخمسمائة كتاب ورسالة وبحث ودراسة، كثير منها لم يُطبع بعد، وكان يقول بحسٍ أخلاقي نادر: «مؤلفاتي غير جاهزة للطباعة، وأنا لا أقدمها حرصاً على الناشر، لأنها كتبٌ للخاصة، وقد لا تُباع، ولا أريد أن أخسره». هكذا كان يرى العلم أمانةً لا سلعة، ومسؤوليةً لا باباً للربح.

حسين علي محفوظ.. سادن التراث العربي

كان يحمل في قلبه حساسية إنسانية شفيفة، يقول: «إن عيني مخزن عجيب للبكاء، وأشد ما يؤلمني بكاء الطفل والمرأة»، ويقول أيضاً: «نحن تعودنا الاكتفاء بالقليل، ولكن حولنا أرامل وأيتام وضعفاء يحتاجون كل شيء، فمن يستطيع أن يفي بحاجاتهم؟». كان علمه عظيماً، لكن إنسانيته كانت أعظم.

عرف عن حسين علي محفوظ عشقه اللامحدود لبغداد، دافع عنها في كتبه، ومحاضراته، وبحوثه، ورأى فيها خلاصة الحضارة، وموطن الأصالة، ومركز التوازن بين الماضي والحاضر. كان يؤمن بأن «الأصالة العراقية تبقى، وفيها المتانة والقوة والخير والجمال»، وأن ما يعصف بالبلاد من أزمات لا يمكن أن يمحو جوهرها الحضاري. وكتب عن الكاظمية، مدينة طفولته وصباه، بوصفها مهداً لتكوينه الروحي والعلمي، حتى صار اسمه مرتبطاً باسمها كما يرتبط العطر بالورد.

لم يكن بعيداً عن المجالس الثقافية البغدادية، بل كان عموداً من أعمدتها، في الخاقاني، والشعرباف، ومحيي الدين ومنتدى بغداد الثقافي، ومجالس آل الشهرستاني، والربيعي، والصفار، وغيرها. وكانت هذه المجالس بالنسبة له امتداداً للجامعة، ومختبراً حيّاً للأفكار، ومنبراً للحوار الحر.

وكان مرجعاً في علم الأنساب، وحافظاً نادراً للوثائق، وخبيراً بالمخطوطات وتحقيقها، وعاشقاً للتراث العربي والإسلامي، لا بوصفه ماضياً منتهياً، بل بوصفه طاقةً حيّة قابلة للتجدد. وقد عاصر كبار علماء عصره، وكان من أقربهم إلى قلبه صديقه ورفيق دربه عالم الاجتماع علي الوردي، الذي وصفه محفوظ بصدق وعمق قائلاً إنه كان مؤمناً بالله، واسع الأفق، يتجاوز الهويات الضيقة، ويحب النقد، ويقرأ القرآن بطريقته الروحية الخاصة، مستشهداً بقراءته الدائمة لقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ كأنها آية تعكس سكينته الداخلية وعلاقته الصامتة بالله.

عرف حسين علي محفوظ بالروح الساخرة اللطيفة، وبقدرته على تفكيك الخوف بالمزاح، وبالوقوف أمام السلطة السياسية بمسافة أخلاقية صلبة، لا تقترب من الإغراء ولا تنزلق إلى التملق. كان يرى أن الحصانة الأخلاقية تُصنع في البيت، وفي البيئة الأولى، وفي التربية القائمة على الضبط والحياء والمسؤولية.

  أما في المجال العلمي، فقد ترك نظريات أصيلة في الأدب واللغة والتاريخ والفن والفولكلور، وروى الحديث عن تسعين شيخاً وعالماً، وتلقى القراءات عن أحد عشر عالماً، وكان عضواً في الجمعية الآسيوية الملكية في لندن، وعضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة، ومستشاراً في مراكز بحثية عالمية، وضيفاً على جامعة هارفرد، ومكرماً من كبريات الجامعات والمعاهد. ومنحته جامعة لينين غراد لقب «أستاذ المستشرقين»، واحتفت به الجمعية الآسيوية الملكية في لندن بمناسبة مرور نصف قرن على عضويته فيها، وكرمته مؤسسات علمية عربية ودولية عديدة.

وفي سنة 1999 بلغ عدد أعماله ألف عمل، فحيته صحيفة الأهرام المصرية تحية خاصة، ثم تزايدت أعماله حتى تجاوزت الألف وخمسمائة. ومع ذلك، عاش في سنواته الأخيرة وحيداً في بيته بالكاظمية، بعد أن فقد زوجته في لندن، وكان ابنه الوحيد مقيماً في المملكة المتحدة، فاجتمع عليه مجد العلم ووحدة الشيخوخة، في صورة موجعة لا يعرفها إلا العظماء.

وحين رحل في 20 كانون الثاني 2009 إثر أزمة قلبية، خرجت بغداد كلها في وداعه، شيّعته الكاظمية كما تليق بالعلماء الكبار، وسارت بجثمانه من حسينية الصدر إلى الصحن الكاظمي، محمولاً على الأكتاف، كما يُحمل التراث نفسه في لحظة اعتراف أخيرة بفضله. ودُفن في الصحن الكاظمي، كأنما عاد إلى قلب المدينة التي عشقها.

قال عنه العلماء والأدباء كلمات تشبه المراثي الكبرى: مدرسة، وموسوعة، وركيزة ثقافية، ورمز من رموز العراق، وخسارة لا تعوض. وقال فيه إبراهيم العلاف: حسين محفوظ مكتبة في رجل، ورجل في مكتبة».

وقال عنه أحدهم: «موسوعة تمشي على رجلين، ودائرة معارف سيارة». وقال فيه عمر فروخ: «كان كلما ذُكر التراث ذُكر حسين علي محفوظ».

عرفته وجالسته في ثمانينيات القرن الماضي، فكان كما وُصف حقاً: دائرة معارف تمشي على قدمين. في كل موقف له رأي، وفي كل إشكال له حل، يقول كلمته واثقاً من صوابها، ويدلي برأيه مطمئناً إلى رسوخ حجته، كأنما الحقيقة تقيم في منطقه وتأنس بصوته. وكثيراً ما استمعت إلى محاضراته في مجلس العلامة الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، فكان قوي الحجة، رقيق العبارة، جزلاً في منطقه، لا ينطق إلا بالفصحى، وكأن العربية خُلقت على لسانه قبل أن تُكتب في الكتب.

وفي أواخر أيامه، حين أثقلته السنون وأحدودب ظهره، كان يرتدي دشداشته ويجلس في الصدارة، لا لأن المكان يفرض ذلك، بل لأن العلم يفرضه، ولأن الهيبة التي يمنحها الفكر لا تزول بذبول الجسد. وإذا أمسك بالقلم، ارتعشت يداه واضطرب خطه، غير أن ذلك الاضطراب لم يكن إلا شاهداً على صراع الجسد الواهن مع روح ما زالت فتية، وعلى جمالٍ خاص يفيض حتى من ارتجاف الحروف.

وكان يحيط به نفر من طلابه الأدباء النجباء، يبرّونه برّ الابن بأبيه، يحملونه إلى المجالس، ويصحبونه إلى منتديات العلم والأدب، ويحيطون به إحاطة السوار بالمعصم، لا تكلفاً ولا رياءً، بل وفاءً لعالمٍ أفنى عمره في خدمة المعرفة. كانوا يخدمونه بما يليق بمقام العلماء، وهو يقابل ذلك بتواضع العارف، ووداعة الحكيم، وسمت الأب الحاني.

فطوبى لهم من تلامذة أدركوا شرف صحبة الكبار، وطوبى له من عالمٍ احتل القلوب قبل العقول، بعلمه الغزير، وأدبه الجم، وخلقه الرفيع، فصار حضوره درساً قائماً بذاته، وذكراه مدرسة لا تنطفئ.

وحقاً، لم يكن حسين علي محفوظ شخصاً، بل كان مؤسسة، ولم يكن عالِماً فحسب، بل كان حضارة تمشي، وذاكرة تمسك بيد العراق كي لا يضيع في زحام النسيان. عاش مناراً للمعرفة، ورحل نجماً في سماء الخلود، وبقي أثره حياً في الكتب، وفي تلامذته، وفي بغداد التي أحبها حتى آخر نبضة في قلبه.    

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:١٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د
بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري

المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني
قراءات

بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني

/ المغرب مقدمة تشكل قصيدة الحداثة المغربية المعاصرة بنية دينامية، تسعى باستمرار إلى تكسير الأنماط اللغوية الجاهزة واستبدالها برؤى شعرية تتأرجح بين اليومي والكوني، والواقعي والصوفي. ويندرج ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني (الصادر عن دار الدراويش للنشر والترجمة) ضمن هذا الأفق…

· 12 د