انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

جورج حبيب الخوري.. باحث الاديان

محمد علي محيي الدين
محمد علي محيي الدين

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
جورج حبيب الخوري.. باحث الاديان
مشاركة:

جورج حبيب الخوري باحث عراقي انشغل بتاريخ الأديان والمعتقدات القديمة، ولا سيما ما يتصل منها بالتراث الرافديني وبقايا الديانات التي ظلت حاضرة، بصورة أو بأخرى، في معتقدات جماعات العراق الدينية والاجتماعية. وعلى الرغم من أن اسمه ارتبط بكتاب مهم هو «اليزيدية: بقايا دين قديم»، الصادر في بغداد سنة 1978، فإن سيرته الشخصية والعلمية بقيت شحيحة في المصادر المتاحة، حتى غدا من الباحثين الذين حفظت مؤلفاتهم جانباً من حضورهم أكثر مما حفظت المصادر تفاصيل حياتهم.

ولد جورج حبيب الخوري في مدينة القوش التابعة للموصل، ثم انتقل إلى بغداد، حيث أكمل دراسته الجامعية، قبل أن يوفد إلى مصر لدراسة الماجستير. وتشير المعلومات المتاحة عنه إلى أنه كان باحثاً جاداً في دراسة الأديان، وله عناية خاصة بالتاريخ القديم والأساطير والمعتقدات التي تعاقبت على بلاد الرافدين. كما نشر عدداً من المقالات والبحوث في الصحف والمجلات العراقية، إلا أن المصادر التي ترجمت للكتاب والمؤلفين العراقيين لم تفرد له مساحة توازي أهمية الموضوع الذي اشتغل عليه، ولذلك يصعب تحديد تاريخ ميلاده أو وفاته، أو استكمال قائمة مؤلفاته على نحو موثق.

وفي بغداد، خلال سبعينيات القرن العشرين، برز اهتمامه بصورة خاصة باليزيدية، محاولاً أن يقرأ معتقداتها من زاوية تاريخية وأنثروبولوجية تتجاوز التفسيرات السائدة في ذلك الوقت. وقد تبلورت هذه الرؤية في كتابه «اليزيدية: بقايا دين قديم (بحث تاريخي)»، الذي صدرت طبعته الأولى عن مطبعة المعارف في بغداد سنة 1978. وكان الكتاب، في سياق الدراسات العراقية في تلك المرحلة، محاولة لإعادة وضع الديانة اليزيدية ضمن سياق أوسع من تاريخ الأديان في العراق والشرق الأدنى، بدلاً من النظر إليها من خلال تأويلات دينية أو سياسية ضيقة.

وتكمن أهمية الكتاب في أن جورج حبيب لم يتعامل مع اليزيدية باعتبارها ظاهرة منعزلة عن محيطها التاريخي، بل حاول البحث عن جذورها في طبقات الحضارات التي قامت في بلاد الرافدين وما جاورها. ومن هنا أقام مقارنات بين بعض الرموز والطقوس اليزيدية وبين ما عرفته الحضارات السومرية والبابلية والآشورية، كما توقف عند التأثيرات الإيرانية القديمة، ومنها المثرائية والزرادشتية. وكان هدفه، في جوهره، البحث عن العناصر القديمة التي يمكن أن تكون قد بقيت حية داخل منظومة دينية واجتماعية تغيرت مظاهرها عبر الزمن.

ويذهب الخوري إلى أن اليزيدية ليست، في أصلها، ديناً نشأ في العصور الوسطى، ولا مجرد انشقاق ديني حديث، وإنما تمثل، في تصوره، استمراراً لطبقات أقدم من المعتقدات الرافدينية. وقد عبّر عن هذه الفكرة بقوله: «إن الدين هو نفس الدين مع حصول بعض التغييرات»، ثم ربط ذلك بالهوية الآشورية القديمة، في محاولة منه للتأكيد على عمق الجذور التاريخية للمعتقد اليزيدي. وهذه الفرضية، بصرف النظر عن مقدار الاتفاق أو الاختلاف معها في الدراسات اللاحقة، تكشف طبيعة المنهج الذي اتبعه: البحث عن الاستمرارية الثقافية والدينية، لا الاكتفاء بالتسميات التي أطلقتها المصادر المتأخرة.

ومن أبرز ما يلفت في بحثه محاولته تفسير الرموز اليزيدية من خلال الميثولوجيا الرافدينية. فقد ربط شخصية «طاووس ملك» ببعض الرموز والمعتقدات البابلية القديمة، وتوقف عند الإله نابو، المرتبط بالحكمة والكتابة، كما رأى في تقديس الشمس وما يتصل بشخصية الشيخ شمس صلة بعيدة بميراث عبادة الإله شمش، إله النور والعدل في المعتقدين البابلي والآشوري. كذلك أولى رمز الأفعى، ولا سيما الأفعى السوداء المنحوتة عند مدخل معبد لالش، عناية خاصة، محاولاً تفسيرها في ضوء الدلالات القديمة للأفعى بوصفها رمزاً للتجدد والشفاء والحياة الخفية.

ولا يقف منهجه عند الرموز، بل يمتد إلى الطقوس. فقد تناول طقوس القرابين وذبح الثيران في بعض المناسبات اليزيدية، ولا سيما ما يرتبط بعيد الجماعية في لالش، وقارنها بطقوس القرابين التي عرفتها المجتمعات الرافدينية القديمة. ومن خلال هذه المقارنات كان يحاول إثبات أن المعتقدات لا تموت بالضرورة حين تختفي الحضارة التي أنشأتها، وإنما قد تتوارى في طقوس أو رموز أو حكايات شعبية، ثم تعاود الظهور في صيغ جديدة تفرضها الظروف التاريخية والاجتماعية.

ومن الأفكار اللافتة التي ناقشها الخوري أيضاً طبيعة العلاقة بين الخير والشر في التصور اليزيدي. فهو لا يرى هذه الثنائية بالضرورة على صورة صراع مطلق بين قوتين مستقلتين، بل يحاول تفسيرها ضمن تصور أكثر تعقيداً يجعل مصدر الوجود واحداً، ويربط ذلك ببعض الأفكار التي عرفتها الديانات الإيرانية القديمة والمعتقدات المثرائية والزرادشتية التي تفاعلت، على مدى قرون طويلة، مع البيئة الرافدينية. وهذا النوع من القراءة يدل على أن الباحث كان يحاول تجاوز الأحكام الجاهزة، والنظر إلى المعتقد بوصفه حصيلة تراكم تاريخي طويل.

وقد كان هذا المنهج مختلفاً عن بعض الكتابات التي تناولت اليزيدية في القرن العشرين من خلال صلتها بالإسلام وحده، أو حاولت تفسير اسمها ومعتقداتها انطلاقاً من شخصية يزيد بن معاوية، أو جعلت الشيخ عدي بن مسافر نقطة البداية الوحيدة لفهم تاريخها. أما جورج حبيب فاختار أن يرجع إلى ما هو أبعد من ذلك، باحثاً عن طبقات ثقافية ودينية أقدم، ورأى أن الجماعة اليزيدية استطاعت، بفضل طبيعة نظامها الاجتماعي وطقوسها المغلقة، أن تحفظ شيئاً من ذلك الميراث القديم عبر أزمنة طويلة.

ولم يكن الكتاب بعيداً عن النقاش الثقافي العراقي آنذاك؛ فقد حظي باهتمام بعض الباحثين في التراث والفولكلور. وتشير المادة المتاحة إلى أن الباحث طلال سالم الحديثي كتب عنه وعرضه في «مجلة التراث الشعبي»، في عددها السادس الصادر سنة 1978، وهو ما يدل على أن الكتاب دخل منذ صدوره في دائرة النقاش المعني بالموروث الشعبي والديني العراقي، ولم يكن مجرد إصدار عابر لمؤلف مغمور.

جورج حبيب الخوري.. باحث الاديان

ويكشف الجانب الشخصي المتصل بمسيرته عن صورة أخرى للباحث. فقد عُرف في الوسط الثقافي والعلمي البغدادي خلال السبعينيات، وكانت له صلة بالمجمع العلمي العراقي. وهناك التقى به كاتب السيرة في مكتب رئيس المجمع آنذاك الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، وكان الخوري يسعى إلى الحصول على تعضيد المجمع لطباعة كتابه أو مساعدته في إخراجه إلى القراء. وقد ارتبطت تلك المناسبة بعلاقة طيبة بينهما، وأهدى الخوري نسخة من كتابه «اليزيدية: بقايا دين قديم». ثم انقطعت الأخبار عنه في ثمانينيات القرن الماضي، وهي سنوات ازدحمت بالحروب والأحداث والتحولات التي قطعت صلات كثيرة بين المثقفين والباحثين العراقيين.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة لأن جورج حبيب الخوري كان شقيقاً للأستاذ لطفي الخوري، المعروف بوصفه رئيس تحرير «مجلة التراث الشعبي» والمترجم العراقي المعروف. ويكشف ذلك عن انتمائه إلى بيئة ثقافية عراقية كان البحث في التراث واللغة والتاريخ والترجمة جزءاً من اهتمامها العام. غير أن صلة القرابة هذه لم تكن كافية وحدها لإنقاذ سيرته من النسيان، إذ ظلت تفاصيل حياته ومصيره بعد ثمانينيات القرن العشرين مجهولة في المصادر التي أمكن الرجوع إليها.

ولعل المفارقة في حياة جورج حبيب الخوري أن كتابه ظل أكثر حضوراً من صاحبه. فقد بقي «اليزيدية: بقايا دين قديم» شاهداً على مرحلة من مراحل البحث العراقي في تاريخ الأديان والمعتقدات الشعبية، بينما غابت المعلومات الكافية عن الباحث نفسه. وهذه حال عدد غير قليل من المثقفين العراقيين الذين أنجزوا كتباً وبحوثاً ذات قيمة، لكن اضطراب الظروف السياسية والحروب وتشتت الأرشيف الثقافي أسهمت في ضياع أخبارهم الشخصية والعلمية.

ومهما يكن من أمر الفرضيات التي قدمها الخوري، فإن قيمة عمله لا تكمن فقط في النتائج التي انتهى إليها، بل في جرأته على طرح سؤال الاستمرارية بين الماضي الرافديني والحاضر العراقي، وفي محاولته قراءة المعتقدات اليزيدية ضمن شبكة واسعة من الأساطير والرموز والطقوس التي عرفتها المنطقة منذ أقدم العصور. ومن هذه الزاوية يبقى جورج حبيب الخوري واحداً من الباحثين العراقيين الذين حاولوا أن يفتحوا نافذة على طبقات عميقة من الذاكرة الدينية والثقافية للعراق، وأن يردوا بعض مظاهر الحاضر إلى جذور بعيدة في تربة بلاد الرافدين.

وتظل سيرته بحاجة إلى مزيد من البحث في فهارس المكتبات العراقية، وأعداد الصحف والمجلات التي صدرت في بغداد، وسجلات الجامعات والمجمع العلمي العراقي، فضلاً عن أرشيف «مجلة التراث الشعبي» ومصادر توثيق الكتاب العراقي في السبعينيات والثمانينيات. فربما تكشف هذه المواد عن تاريخ ميلاده ووفاته، ورسالة الماجستير التي أنجزها في مصر، والمقالات التي نشرها، وما إذا كان قد ترك مؤلفات أخرى لم تصل إلينا. وحتى ظهور مثل هذه الوثائق، يبقى جورج حبيب الخوري حاضراً من خلال أثره العلمي الأوضح: كتاب حاول، في وقت مبكر، أن ينظر إلى اليزيدية لا بوصفها ظاهرة هامشية، وإنما بوصفها صفحة من صفحات التاريخ الديني الطويل للعراق.

بقي لي أن أشير الى انه كتب حلقات متسلسلة في مجلة التراث الشعبي عام 1970 تحت عنوان "أيام مدرستي" وكان حينها رئيس تحريرها الاستاذ ابراهيم الداقوقي، تناول فيها مسيرته التعليمية ومن تأثر بهم من اساتذته. وتُعد هذه المقالة وثيقة اجتماعية وتاريخية هامة، حيث يستعرض فيها الكاتب ملامح من الحياة الدراسية والتعليمية القديمة، مسلطاً الضوء على العادات والتقاليد والمظاهر الشعبية التي كانت ترافق طلبة المدارس في تلك الحقبة الزمنية.

وفي هذه المقالات وضح أنه درس في مدرسة مدينة القوش التي ولد فيها، ولعدم وجود صف خامس في المدرسة نقله والده الى الموصل للدراسة هناك، وبعد اكماله الدراسة انتقل الى العاصمة بغداد للدراسة في جامعتها.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢١ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٤٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د