لم يكن لانغستون هيوز (1902–1967) شاعرًا يبحث عن لغة بليغة بعيدة عن الناس، زكز اهتمامه وأراد أن تكون قصيدته قريبة من حياة أهله الأفارقة السود والناس البسطاء، وأن يسمعها العامل والمغني والفقير والمرأة التي تكافح لتربية أطفالها. وقد وجد في الموسيقى الشعبية السوداء، خصوصًا البلوز والجاز منبعًا نهل منها لتطوير لغة شعرية تتصل بالكلام اليومي، وفي الوقت نفسه احتفظت نصوصه بإيقاعها وجمالها وبصمته الخاصة. ومن هنا يمكنا أن نقترب من تجربته، التي أثارت إعجابًا واسعًا وخلافات نقدية عاصفة، حول بساطتها وقيمتها الفنية وعلاقتها بالسياسة والعدالة الاجتماعية.
وُلد هيوز سنة 1902 في جوبلن بولاية ميزوري، ونشأ في ظروف عائلية مضطربة، وقضى جانبًا من طفولته مع جدته في لورنس بولاية كانساس. وجد في القراءة عالمًا يعوض وحدته، كما أنه تأثر بالشاعر ين والت ويتمان وكارل ساندبرغ، وتابع أفكار المفكر الأسود وليام إدوارد بورغاردت دو بوا.
وفي سنة 1921 نشرت مجلة «الأزمة» قصيدته «الزنجي يتحدث عن الأنهار»، التي أعلنت مبكرًا اهتمامه بالتاريخ الإفريقي والذاكرة الإنسانية. ثم أصدر مجموعته الأولى «البلوز المتعب» سنة 1926، ليصبح من أبرز الأصوات المرتبطة بنهضة هارلم الأدبية.
البساطة كاختيار شعري
تكشف مقدمة أرنولد رامبرساد وديفيد روسيل للأعمال الشعرية الكاملة لهيوز جانبًا مهمًا من تجربته. فقد أراد الشاعر أن تصل كتاباته إلى جمهور واسع، ولم يكن يسعى لجعل القصيدة حكرًا على المتعلمين أو النقاد ولذلك كتب نصوصًا قصيرة، مباشرة وسهلة جدًا، وبعضها قريب من الأغنية والحكاية الشفهية، كما كتب قصائد أُعدّت للإلقاء أمام الجمهور.
لكن هذه البساطة لم تكن دائمًا دليلًا على النجاح الفني. يشير المحرران إلى أن هيوز نشر قصائد ضعيفة الصنعة، وأن رغبته في الوصول إلى عامة السود دفعته أحيانًا إلى تخفيض مستوى التعقيد الفني. وهذه ملاحظة ضرورية لفهم تجربته بعيدًا عن المديح المطلق. فليس كل ما كتبه هيوز يتميز بالجودة، ولا يكفي أن تتناول القصيدة قضية عادلة حتى تصبح قصيدة عظيمة.
يمكننا اليوم رؤية أن بساطته كانت مرتبطة أيضًا بظروف جمهوره البسيط، حيث تفاوتت مستويات التعليم، وعانى السود من الفقر والتمييز في المدارس والعمل والحياة العامة. لقد أراد أن يُسمع صوته وأن يسمع الناس أصواتهم في قصائده. غير أن هذا الاختيار التاريخي لا ينبغي تحويله إلى نموذج إلزامي للشعر المعاصر؛ فالص الذي كان يحقق أثرًا فنيًا واجتماعيًا في عشرينيات القرن الماضي قد لا يحقق هذا الأثر في كل الأزمنة ويصعب جدًا القول بوجود نص كامل الإبداع يصلح لكل زمان ومكان.

عندما تتحول الموسيقى إلى كتابة
من أهم إنجازات هيوز أنه لم يكتف باستعارة موضوعات الموسيقى السوداء، لكنه حاول نقل إيقاعاتها إلى بناء القصيدة. وإذا تأملنا ديوانه «البلوز المتعب» سوف نلمس ونسمع التكرار والتنهد وتبدل النبرات، ونقترب من العالم الموسيقي الذي يحكي آلامه وأحزانه بالغناء. لم تشرح قصائده الحزن طويلًا، وأبدع لانغستون هيوز في جعل الإيقاع يحمل جانبًا منه.
وفي قصيدة «فتاة الجاز» سوف نجد لغة شديدة القرب من المحادثة اليومية.فالصوت الشعري يخاطب الموسيقيين، ويتذكر أغنية عن الريح والأشجار، ثم يطلب استمرار العزف. هذه الموسيقى تتجاور مع التعب والرغبة في الشراب في مشهد صغير، دون بناء بلاغي معقد. هذه الطريقة تكشف اهتمام هيوز كونه برع في التقاط كلام الشارع العابر وتحويله إلى لحظة شعرية.
تطورت تجربته الموسيقية بعد ذلك، خصوصًا في «مونتاج حلم مؤجل» سنة 1951 و«اسأل أمك» سنة 1961. هنا لم يعد الأمر يتعلق بمحاكاة أغنية بلوز منفردة، وإذا تأملنا أكثر في هذه الكلمات، سنجد بناء شعري تتداخل فيه أصوات المدينة وإعلاناتها وأحاديث سكانها وإيقاعات الجاز الحديثة.
وفي مقاطع «اسأل أمك» تتمازج أسماء أحياء السود مع لوي أرمسترونغ وباتريس لومومبا والمشروبات والإعلانات والسينما. هذا التزاحم أشبه بمحاولة لالتقاط عالم تتداخل فيه الثقافة الشعبية والسياسة والاستهلاك. وهو شعر سماعي لكنه لا يخلو من جمال صوري بديع.
العدالة والحرية خلف هذه اللغة الهادئة
قد يبدو هيوز شاعرًا ناعم العبارة، لكن بعض قصائده حملت نقدًا سياسيًا شديدًا. فمثلاً، في نصه «أغنية بعد الإعدام شنقًا» يسخر من الكلمات الأمريكية الكبرى مثل الديمقراطية والحرية والعدالة، عندما يتم تُردَّيدها في الخطب بينما يتعرض السود للفصل العنصري والقتل.
لا تحتاج هذه النصوص إلى صور غامضة؛ فعندما يضع كلمة «العدالة» أمام شجرة الإعدام شنقًا، هنا تنكشف الفاجعة المرعبة والمسافة بين المبادئ المعلنة والواقع.
وفي قصيدة بعنوان «أعتقد» ينتقد التسلح والإمبراطوريات والاستعمار، ويدافع عن حق الشعوب في الحرية. وفي نصوص أخرى يذهب إلى أبعد من الانتماء العرقي؛ فالحرب تزج بالجميع في الكارثة، والموت لا يميز بين الأسود والأبيض والبني. هنا تتجاوز القصيدة التجربة الأمريكية السوداء تقف وتسأل عن مسؤولية الإنسان في قتل الإنسان.
هذه الأمثلة تكشف أن هدوء لغة هيوز لم تكن تعني غياب المواجهة، بعض جملة البسيطة كانت أكثر إزعاجًا للسلطة من الخطابات الغاضبة المطولة والبليغة.
السياسة والخوف وحدود المقاومة
شهدت الثلاثينيات تحولًا واضحًا في شعر هيوز، فمع الأزمة الاقتصادية الكبرى وتصاعد اهتمامه بالاشتراكية والنضال العمالي ومناهضة العنصرية. كتب قصائد سياسية حادة، منها «وداعًا أيها المسيح»، التي أثارت خصومة الجماعات الدينية والمحافظة.
ثم زادت وتصاعدت الضغوط السياسية وتم اتهامه بالشيوعية، في تلك المحنة اضطر أن يتراجع عن بعض كتاباته، وتوقف عن إعادة نشر عدد من قصائده الراديكالية.
وهنا نصل إلى جانب إنساني معقد في سيرته. فالشاعر الذي دافع عن الحرية اضطر إلى حساب عواقب كلماته، وإلى التراجع عن نصوص سبق أن كتبها. وقد أدرك أن السياسة قد تتحول إلى مقبرة للشاعر، وأن عليه أحيانًا إخفاء موقفه داخل الشعر.
ويرى بعض النقاد إنه لا يصح اختزال هذا التحول في الجبن أو الانتهازية ولا يمكن أن نتجاهل ما أحدثه هذا الموقف من تناقض في مسيرته. لقد عاش هيوز داخل مجتمع متشددًا وعاقب أصحاب المواقف اليسارية، ومن المهم قراءة تنازلاته ضمن تلك الظروف، دون إعفائها من النقد.
الإنسان والطبيعة والحلم
لم تنحصر قصائد هيوز في الاحتجاج السياسي. ففي قصيدته «المدينة» صور المدينة صباحًا وهي تفرد جناحيها، ثم تعود مساءً إلى فراشها وتعلق الأضواء حول رأسها. وظل محافظًا على الصور البسيطة، القريبة من المخيلة الشعبية. كما أنه كتب نصوصًا عن البيت والسفر والطبيعة٠
ونصوص تدعو الآخرين إلى المشاركة في بناء عالم جديد مسالم وعادل، وكان يرى أن الحلم فعلًا جماعيًا وليس رغبة فردية معزولة أو سعي لتحقيق بطولة وشهرة.
وله قصيدة بعنوان«ليلة عيد الميلاد» نرى جانبًا دينيًا مختلفًا في كتابته؛ كونه حاول أن يستعيد ميلاد المسيح بلغة بسيطة قريبة من الترانيم. وهذا التنوع يوسع فهمنا لعلاقته بالدين.
النقد الأسود ومشكلة القيمة الأدبية
لم يكن هيوز محل اتفاق بين النقاد والكتّاب السود. فقد رأى بعضهم أن اعتماده على العامية والبلوز والحياة الشعبية رسخ الصور التي يريد المجتمع الأبيض إلصاقها بالسود وبأنهم أقل إبداعًا، بينما اعتبر آخرون أن هذه العناصر نفسها شكلت مصدر أصالته.
و هذا الخلاف يكشف سؤالًا أكبر: فهل ينبغي للأدب الأسود أن يقدم صورة راقية ومتعالية عن جماعته، أم أن من حقه تصوير الناس بكل تناقضاتهم وفقرهم وتعبهم وأغانيهم ويكتب بلغتهم البسيطة؟
اختار هيوز غالبًا الطريق الثاني. ولذلك لم تكن شخصياته دائمًا بطولية أو مثالية ولا خارقة؛ فقد كتب عن أناس يخطئون ويضحكون ويتعبون ويحلمون ويشربون، يتعاركون ثم يتصالحون.لذلك كانت شعبيته جزءًا من مشروعه الأدبي، لكنها لم تمنع وجود تفاوت واضح في القيمة الفنية بين نصوصه.
ماهو الشعر عند لانغستون هيوز؟
قرب نهاية حياته، وصف هيوز الشعر بأنه الروح الإنسانية كاملة، تُعصر قطرة بعد قطرة في كلمات صغيرة. وكان يرى أن الشاعر إنسان يعيش في زمنه، وبين أبناء شعبه ويجب أن يتكلم بلسانهم، وأكد بأنه لا يمكن فصل الكتابة عن شروط الحياة.
هذه الرؤية تفسر اهتمامه بالناس العاديين، كما تفسر إصراره ومواصلته الكتابة بهذه الطريقة رغم الانتقادات. كما أننا لا ننسى وننوه بأنه كتب الرواية والقصة والمسرحية والمقالة والسيرة الذاتية، لكنه ظل يعد نفسه شاعرًا قبل كل شيء.
نصل لبعص الاستنتاجات ولعل أهمها إن جمالية الصوت الشعبي عند لانغستون هيوز لم تنشأ من البساطة وحدها، الأكثر أهمية إيمانه بمبادئ إنسانية كالعدالة والحرية، وامتلاكه قدرة إبداعية في تحويل الكلام المألوف والشعبي إلى تجارب أدبية مسموعة، حيث جعل التكرار والإيقاع والسخرية أدوات للكشف عن التناقض الاجتماعي.
لهذا تستحق تجربته قراءة نقدية متوازنة، تعترف بأثره في تحرير اللغة الشعرية الأمريكية من بعض قيودها الطبقية والعرقية واللغة المتكلفة، لقد كان شاعرًا وأراد أن تصل قصيدته إلى من لا يجدون أنفسهم في الكتب ولا الأفلام ولا المسرح، أحب البسطاء قصائده لأنهم سمعوا فيها شيئًا من أصواتهم وحياتهم ورسمت لهم بعض الأحلام الصغيرة.







التعليقات