تقدم مجموعة "عرس زنقة القاهرة" للكاتب المغربي عبد الحق السلموتي عالما قصصيا تتداخل فيه تفاصيل الحياة اليومية مع أسئلة الإنسان الكبرى، من خلال أقاصيص تستمد مضامينها من العلاقات الإنسانية والأسرة والحب والغربة والذاكرة والتعليم والموت وتحولات المدينة والمجتمع. ولا تبدو هذه النصوص، على اختلاف موضوعاتها وشخصياتها، مجرد وحدات سردية مستقلة، إذ تكشف القراءة الكلية عن مجموعة من الروابط الدلالية التي تمنحها قدرا من الانسجام الداخلي، ويبرز في مقدمة هذه الروابط حضور الغياب بأشكاله المختلفة، وما يخلفه من حنين وانتظار واستعادة للذاكرة.
ومن ثم، فإن البحث عن تيمة جامعة للمجموعة التي بين أيدينا يقود إلى افتراض أن الإنسان في مواجهة الغياب والزمن يشكل أحد أهم محاورها الدلالية، وأن الذاكرة والحب والحكي والفن تمثل، بدرجات مختلفة، وسائل لمقاومة الفقد والنسيان.
ويقتضي الحديث عن التيمة التمييز بينها وبين الموضوع؛ فالموضوع قد يكون الغربة أو الحب أو الأسرة أو الموت، بينما تتجاوز التيمة مجرد تحديد الموضوع إلى الكشف عن الدلالة العميقة التي تنتظم مجموعة من النصوص. فإذا تكررت الغربة في عدد من القصص، لا يعني ذلك بالضرورة أن الغربة هي التيمة المركزية، بل ينبغي النظر في الوظيفة التي تؤديها داخل التجربة السردية. وهنا نجد أن الغربة في المجموعة ترتبط غالبا بالانتظار والحنين واستعادة العلاقة بالمكان والأهل، كما أن الموت لا يظهر باعتباره حدثا نهائيا فقط، وإنما يرتبط بالذاكرة واستمرار الغائب في وجدان من تركهم وراءه. لذلك يمكن النظر إلى الغياب على أنه بؤرة تتجمع حولها مجموعة من التيمات الفرعية.
تحتل الغربة موقعا بارزا في العالم القصصي للمجموعة، إذ تتحول من مسافة جغرافية إلى حالة وجدانية. ففي "تشابك وانصهار"، يتحول انتظار الابن العائد من الغربة إلى لحظة لاستعادة دفء العلاقة العائلية. فسنوات البعد لم تكن مجرد سنوات غياب جسدي، وإنما فترة زمنية أعادت تشكيل الأشخاص والمشاعر، ولذلك يصبح اللقاء فعلا لاستعادة ما كاد الزمن أن يطمسه.

وتأخذ الغربة منحى أكثر مأساوية في "انتظار"؛ إذ يعود الرجل بعد سنوات ليكتشف أن المرأة التي انتظرته لم تعد كما كانت. وهنا يصبح الزمن طرفا خفيا في الصراع، لأن الإنسان قد يعود إلى المكان نفسه، لكنه لا يعود بالضرورة إلى الأشخاص أنفسهم. ومن ثم فإن الغربة في هذه النصوص لا تعني فقط الابتعاد عن المكان، وإنما تعني أيضا الابتعاد عن زمن سابق لم يعد ممكنا استعادته.
وتتخذ تيمة الغياب بعدا أكثر حساسية حين تنتقل إلى المجال الأسري. ففي الأقصوصة "سوسن"، يصبح انفصال الأبوين تجربة مؤلمة لطفلة تجد نفسها في مواجهة وضع لم تختره. ولا يعود الانفصال شأنا يخص الزوجين، وإنما يتحول إلى تجربة نفسية يعيشها الطفل في تفاصيله اليومية. وتتأكد هذه الرؤية في "صبيحة كل اثنين"، حيث يظهر أثر الانفصال من خلال عالم الطفولة. فالأطفال لا يدركون الانفصال بمفاهيمه القانونية أو الاجتماعية، وإنما يعيشونه في صورة انتظار وغياب ومواعيد وزيارات ومقارنات مع أقرانهم. وفي "اشتياق وحب" يصبح غياب الأب أكثر حضورا من خلال انتظار ابنته له، فتتحول لحظة بسيطة إلى مشهد يكشف الحاجة العاطفية للطفل إلى حضور الأب.
وهكذا لا يقدم الكاتب الأسرة باعتبارها فضاء مستقرا دائما، بل يكشف هشاشتها أمام الانفصال والغياب، مع تركيز واضح على الأثر الإنساني الذي تخلفه هذه التحولات في الأبناء.
أما الحب في المجموعة فلا يظهر كمجرد حالة عاطفية مكتملة، بل هو في كثير من الأحيان علاقة مهددة بالزمن أو العناد أو الخيانة أو اختلاف المواقف. ففي "عناد"، يتحول خلاف بسيط إلى قطيعة، ويصبح اتجاه كل شخصية بعيدا عن الأخرى تعبيرا بصريا عن انهيار العلاقة.
وفي "ذات صباح خريفي"، تنتهي علاقة طويلة بسبب غياب القدرة على التنازل، فيتحول ما كان يمثل قوة في الشخصية إلى عامل من عوامل انهيار العلاقة. أما في "ربع قرن"، فتتخذ الخيانة بعدا أكثر تعقيدا، لأن العلاقة الطويلة لا تنهار بسبب انطفاء الحب وحده، وإنما بسبب التناقض بين المبادئ التي يؤمن بها الإنسان والصورة التي يقدمها عن نفسه وبين ممارسته الفعلية. ومن هنا يغدو الحب في المجموعة مجالا لاختبار صدق الإنسان وقدرته على الوفاء والاختيار وتحمل مسؤولية العلاقة.
وإذا كان الغياب هو أحد أبرز مكونات التجربة في المجموعة، فإن الذاكرة تمثل نقيضه الدلالي. فالإنسان يغيب، والمكان يتغير، والعلاقات تنقطع، لكن الذاكرة تحتفظ ببقايا التجربة. في "بريد طريق مديونة"، تتحول ذكريات الطفولة إلى قوة دافعة لاستمرار مشروع فني، فيغدو الماضي حاضرا داخل الحاضر.
وفي "رفاق الأمس"، تستعيد الشخصيات صداقاتها القديمة، وكأن التواصل الدوري محاولة لإنقاذ الماضي من التلاشي. لكن النص في الوقت نفسه يلمح إلى هشاشة هذه الاستعادة أمام سلطة الزمن. وهكذا لا تصبح الذاكرة فقط تقنية لاسترجاع الماضي، وإنما تتحول إلى قيمة ذات بعد إنساني وجمالي؛ فهي تمنح الغائب إمكانية الاستمرار، وتمنح المكان القديم حياة جديدة داخل الوعي .
وتحضر المدينة في المجموعة باعتبارها فضاء اجتماعيا وثقافيا، وليس فقط خلفية للأحداث. فالأحياء والشوارع والأمكنة تستعيد أسماءها ووظائفها وذاكرتها، وتصبح المدينة في بعض النصوص أشبه بشخصية صامتة تشهد التحولات التي تطرأ على سكانها. وفي "عرس زنقة القاهرة"، يتحول العرس إلى مناسبة لاستعادة روح الحي؛ إذ تتداخل الموسيقى والأطفال والنساء والسكان والفرقة الموسيقية، ويصبح الحدث احتفالا جماعيا يتجاوز العروسين. ومن هذه الزاوية، فإن الزنقة ليست مكان فحسب ، بل هي مستودع للذاكرة الجماعية، والحاضنة الأساسية لعلاقات الجيرة والانتماء والتواصل. ولذلك فإن اختيار "عرس زنقة القاهرة" عنوانا للمجموعة دالا؛ فالعرس يحيل إلى الحياة والاحتفال، بينما تحيل الزنقة إلى المكان والذاكرة والجماعة.
ولا تقف المجموعة عند تصوير الواقع، وإنما تجعل الكتابة والفن موضوعا داخل عدد من الأقاصيص.
ففي "رفيق اليوم"، يصبح الطفل الداخلي مصدرا للحكاية والإبداع، وكأن الكتابة محاولة للعودة إلى الذات الأولى واستعادة الجزء الطفولي الذي يظل حيا في داخل الكاتب. وفي "اغتيال"، يدخل الشاعر في علاقة ساخرة مع قصيدته، فتتحول القصيدة إلى كيان له إرادة وموقف، وهنا يصبح فعل الكتابة نفسه موضوعا سرديا. أما في "اختيار"، فإن الكتابة تتقاطع مع الواقع بصورة أكثر مباشرة، حين يجد المتلقي نفسه داخل النص، فينشأ سؤال حول العلاقة بين التجربة الحياتية وتحويلها إلى مادة إبداعية. وهكذا تصبح الكتابة نفسها إحدى وسائل مقاومة النسيان؛ فما يعجز الواقع عن الاحتفاظ به، يستطيع النص أن يحفظه.
ومن الأدوات التي يعتمدها السلموتي في عدد من أقاصيصه المفارقة، حيث يبدأ النص من موقف يبدو عاديا ثم تأتي النهاية لتعيد تشكيل فهم القارئ لما سبق. يتجلى ذلك في الأقصوصة "سيارة"، حيث ينقلب الموقف الذي يبدأ بمساعدة رجل إلى مفارقة تغير معنى المشهد كله. كما تظهر المفارقة في الأقصوصة "احتضار"، حيث تتقاطع ثروة الشركات مع احتضار صاحبها، فينشأ تناقض بين استمرار المؤسسة وفناء الإنسان. وتمنح هذه التقنية القصص قدرا من التكثيف، وهو ما يتلاءم مع طبيعة الأقصوصة التي تحتاج إلى الاقتصاد في الحدث واللغة، وإلى نهاية قادرة على إعادة ترتيب الدلالة.
ولا تنفصل الأقاصيص عن الواقع الاجتماعي، فالكاتب يستثمر تفاصيل الحياة اليومية للكشف عن قضايا أوسع: الطلاق، والغربة، والخيانة، والشيخوخة، والتعليم، والفقر العاطفي، وتبدل القيم، وتغير العلاقات. غير أن القيمة الأساسية في هذه المعالجة تكمن في أن القضايا الاجتماعية تمر غالبا عبر موقف إنساني صغير. فمشهد انتظار طفلة لأبيها يمكن أن يتحول إلى سؤال عن الأسرة، ومشهد لقاء صديقين قديما يتحول إلى سؤال عن الزمن، وعرس في حي شعبي يتحول إلى سؤال عن الذاكرة الجماعية.
وبعد استقراء هذه المستويات، يبدو من الصعب اختزال المجموعة في موضوع واحد بالمعنى الضيق، لأن تعدد الموضوعات جزء من طبيعتها. غير أن هناك مركزا دلاليا تتقاطع عنده أغلب هذه الموضوعات، هو الغياب. فالغربة غياب عن المكان، والانفصال غياب عن الأسرة، والفراق غياب عن الحبيب، والموت غياب نهائي، وتغير المدينة غياب للمكان القديم، والنسيان غياب للذاكرة. وفي مقابل هذا الغياب نجد اللقاء والحنين والذاكرة والحب والفن والحكي.
ومن هنا يمكن صياغة المعادلة الدلالية للمجموعة في صورة واضحة: الغياب يقود إلى الفقد، والفقد يستدعي الحنين، والحنين يستنفر الذاكرة، والذاكرة تجد في الحكي وسيلة لاستعادة ما فقده الإنسان. وبهذا المعنى يصبح الحكي نفسه فعل مقاومة؛ فالكاتب يستعيد الأشخاص والأمكنة والعلاقات من خلال تحويلها إلى مادة سردية.
تكشف القراءة التيمية لأقاصيص "عرس زنقة القاهرة"، إذن، عن مجموعة تنطلق من التفاصيل اليومية لتلامس أسئلة إنسانية أوسع. فالشخصيات، مهما اختلفت أوضاعها، تبدو في لحظات كثيرة وكأنها تبحث عن شيء فقدته: شخص، أو مكان، أو زمن، أو علاقة، أو صورة قديمة للذات. ومن هنا يمكن القول إن المجموعة تكتب الغياب من أجل استعادة الحضور، وتكتب الذاكرة في مواجهة النسيان، وتستثمر الحكاية في مقاومة زوال التفاصيل.
وإذا كان عنوان المجموعة يحيل إلى عرس في زنقة من أزقة المدينة، فإن هذا العرس يمكن أن يُقرأ رمزيا ، احتفاء بالحياة نفسها؛ حياة تتعرض للتغير والفقد، لكنها تستعيد بعضا من دفئها عبر الذاكرة والجماعة والحكي. وعليه، فإن القيمة الدلالية الأبرز في أقاصيص "عرس زنقة القاهرة" لا تكمن فقط في تعدد موضوعاتها، وإنما في قدرتها على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مرايا للإنسان، وعلى جعل القصة القصيرة مساحة لاستعادة ما يهدده الزمن بالنسيان.
إنها، في جوهرها، كتابة عن الإنسان حين يفقد، وعن الإنسان حين يتذكر، وعن الحكاية حين تصبح وسيلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الزمن.







التعليقات