انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.

الحسن التزكيني
الحسن التزكيني

ناقد وأديب مغربي

4 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.
مشاركة:

إن المتمعن في ديوان الشاعر لحسن أيت بها يجد نفسه أمام مقطوعة موسيقية تتداخل ألحانها بين نغمة الألم ونغمة الأمل، فلم يكن الشاعر ليرسم ملامح لوحاته الشعرية هاته،  ويسلك فيها مسلك كبار الشعراء، ويختار لها الأسلوب واللغة المثاليين لولا تشربه من معين الشعر عموده ومكسوره، لأن الشعر سحر مهجته وسلب عقله. لقد دأب الشاعر على تضمين شعره معانٍ شكلت حلقة وصل مع شعراء آخرين، خاصة وأنه رشف من مرجعيات مختلفة( دينية، فلسفية، اجتماعية..) وعليه فقد شكلت قصائده مزيجا من الشعور ذي المزاج المتقلب بين اليأس والأمل، متوسلا بلغة انسيابية يرتفع منسوبها تارة، وينخفض تارة أخرى، حسب وجيب قلبه وحسب خفقاته الشعورية التي تحرك وجدانه وتعبث به.  واللافت للنظر أن هموم الشاعر الفردية لا تكاد تطفو على سطح القصيدة إلا وقد ذابت وانصهرت مع هموم الجماعة.

      إن حضور الألم والأمل، ليسا موضوعين دخيلين على الشاعر، بل شكلا عنصرا هاما في قصائد مضت خاصة ديوانه "جداريات على مرافئ الزمن".

    إن شاعرنا أيت بها استطاع بفضل تجربته التي راكمها قراءة وكتابة أن يرسم خطين الألم والأمل متوازيين، إنهما وترا آلة موسيقية، لا يلتقيان لكنمها يتحدان ليخلقا معا نغمة منسجمة تطرب لها الآذان،  وتهتز لها القلوب، إننا لنلمس ذينك الخطين في أول قصيدة يستهل بها الشاعر أيت باها ديوانه، إنها قصيدة "احترق الشعر في الفؤاد"، فمنذ الأسطر الأولى للقصيدة نشم رائحة احتراق الشعر في فؤاد الشاعر، بل يشمل الاحتراق  روحه بالكامل لتتعدى تلك النار جسده إلى العباد:

      "احترق الشعر

      في الفؤاد.."

ثيمة الألم والأمل في ديوان "نزيف اللحن" للشاعر لحسن أيت بها

 "احترق الشعر في الفؤاد" نموذجا.

لكن نزيف الألم ينتهي في السطر السابع عشر،  وتحل محله نغمة الأمل، حينما رغب الشاعر أن تتحول تلك الحروف التي حرقت فؤاده إلى حروف ينثرها وردا طورا، وينثرها سحابا ورعدا وبرقا طورا آخر، كأنه يبتغي تحويل الوضع من خراب  وموت إلى خصب وحياة، يريد أن يصل البلاد العربية بعضها ببعض كبنيان مرصوص يشد بعضه بعضا، إنها تصل الماضي/الذاكرة،  بالحاضر/ الذات :

      " ..هل أمسك زمام الحروف؟

       فأنثرها وردا

       أكتبها مهاد.

       فتتحول سحابا ورعدا، وبرقا

       من المغرب إلى بغداد

       فارسمي طريق الأوطان

       وأجدادنا الأفداد"

ولكي ينتشل الحروف من وحل التخلف والانحدار، ومن وخز الألم الذي يعتصره توسل أيت بها بالرمز الديني، فلقد آثر أن يصور حالة الحروف الضائعة بحالة مريم العذراء زمن المخاض، بجامع اليأس، فتكونت بذلك صورة بارزة الملامح:

                    _صورة الحروف/ صورة العذراء.

                    _صورة المحبرة/ صورة النخلة.

                    _صورة الكتب/ صورة الرطب.

كأنه يرغب في ترميم القصائد البالية ونفخ الروح فيها:

       "وهزي إليك  بجذع محبرة

       تسقط في وديانك الكتب.. "

    لكن سرعان ما يعود الألم بدءا على عود، فيتلاشى الأمل في عتمة الألم، كأن قلب الشاعر يعيش في مخاض متدبدب حاد، وإلا لم يستفهم عمن عاود احتراق قلبه ومزق الأوراق؟:

     "  ..من أضرم النار في قلبي..

       وفرق الستائر والأوراق.."

إنه يسترسل في سردية نزيف لحن الألم،  عندما تأسف على الشعر وتاريخه المجيد الذي نضبت معانيه بسبب توالي النكبات التي صيرته هباءً منثورا، وغدا في القلوب رمادا:

      " ..دم تطاير خطيئة

       كالرداد

       لفظته صروف الدهر

       في القلوب

       خطيئة ورماد.. "

ليعود حثيثا إلى معانقة ثيمة الأمل المتمثلة في كون الكلمة والشعر تحفظ المعاني والحكم العظيمة عظم البحر الذي يحوي الدر والصدفات:

      " وكل مما فيه من غزل

       ووداد

       تحصنه تلك المعاني

       وكل حكمة كالبحر.. "

في المقطع الأخير من القصيدة تطول وتمتد نغمة الألم بلا هوادة، حيث يستسلم الشاعر لوجع ملأ قلبه بآهات مريرة، فبعدما قطع أشواطا في مقاطع سابقة تأرجحت بين مد وزجر، بين حركات القلب وسكناته، هاهو يختتم قصيدته معلنا تشبثه بألم سرمدي لم يستطع الخلاص منه أو الانفكاك عنه، كظل يلازمه في محله وترحاله، ففي مسرح الحياة يئن الشاعر ويتوجع، وتعلو صيحاته بلا توقف، وبذلك تتوالى نغمات الكآبة والحزن تباعا،  إنه نزيف لا يتوقف؛ منبعه القلب، مصبه الروح التي استسلمت لمصيرها المحتوم:

     "  فوق هضاب هذه الحياة

       والقلب بحزنه ينتشي

       والروح خاشعة .. "

بل يمتد النزيف ليتسلل إلى الأطراف ويعيث فيها فسادا؛ ارتجاف سببه توالي الضربات، لتتحول الأطراف إلى جماد،  بل إلى صخرة صامتة تعاني السكون  والوحدة:

     " وارتجفت الأطراف

      كأنها حجر.. "

 يسدل الشاعر ستار قصيدته بتجدد احتراق الشعر في الفؤاد، وقد شُرِع لنا كقراء أن نتساءل؛ لم بالغ الشاعر من ترديد الاحتراق في قصيدته؟ ألأنه مؤمن بأن بعد الاحتراق رمادا، وأن بعد الرماد بعث وحياة فأمل؟ أم لأن الاحتراق إعلان لاستمرار الألم ؟

وكما لا يخفى على أحد أن "المعاني مطروحةٌ في الطريق، يعرفُها العجميُّ والعربيُّ، والبدويُّ والقرويُّ والمدنيُّ.." وإنما الحكمة في طريقة اختيار الكلمات بعناية ونظمها على هذا الكمال، حتى تُخرج صورة مكتملة، صورة عقد فريد يضارع كبار الشعراء. وحسبنا في النهاية أن نقر بأن شاعرنا لحسن أيت بها استطاع بفضل تجربته الشعرية التي راكمها، أن يعرض لنا في قصيدته "احترق الشعر في الفؤاد" سيمفونية شعرية لحنها نزيف تقاطر بين دفتي ديوانه، لتتشكل بذلك مرثية من مراثي الكلمة والشعر.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي
قراءات

الذاكرة والأسطورة ومقاومة القهر في "بنات الخائبات" لعلي السباعي

قد لا يكون من الدقّة إطلاق وصف المجموعة القصصية على كتاب علي السباعي "بنات الخائبات"، الذي يضم قصتين قصيرتين فقط، لكن قلّة النصوص لا تعني بالضرورة محدودية التجربة أو انغلاق دلالاتها. فالقصتان "فرائس بثياب الفرح" و"سيوف خشبية" تتجاوزان حدود الحكاية المنفردة، لتشكّلا معًا نسيجًا سرديًا متجانسًا،…

· 15 د
هادي مسير الربيعي..

 حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر
قراءات

هادي مسير الربيعي.. حين يموت العمُّ الذي كان أخًا، وينكسر في القلب شيءٌ لا يجبره العمر

إسماعيل نوري الربيعي يا هادي، أيها الراحل الذي لم أتعلم بعد كيف أناديه بصيغة الغائب، كيف أكتب عنك وقد اعتدت أن أراك جزءًا من الحكاية التي لا تنتهي؟ وكيف أصدق أن اسمك الذي كان يجيء محمولًا على الألفة والقرابة والمحبة صار اليوم محمولًا على خبر الموت؟ كنتَ عمي بحكم شجرة العائلة، وأخي بحكم العمر،…

· 6 د
رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد
قراءات

رواية «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود: حياة امرأة تحت سلطة جلعاد

تروي «حكاية الجارية» للكاتبة الكندية مارغريت أتوود،حياة وتجربة امرأة انتُزعت من حياتها السابقة، وأصبحت تُعرف باسم أوفريد في جمهورية جلعاد، الدولة الدينية الاستبدادية التي تأسست على أنقاض الولايات المتحدة الأمريكية. لم تبدأ هذه الحكاية بشرح الانقلاب ولا أسبابه ومنفذيه، لكنها انطلقت بذاكرة جماعية…

· 5 د