لا تستحضر الراحلة رضوى عاشور روايتَهَا "ثلاثية غرناطة" كعمل أدبي عابر، بل كملحمة تاريخية كبرى تجسد من خلالها تراجيديا سقوط غرناطة، وأفول الحضارة الإسلامية في الأندلس، وضياع آخر معقل للمسلمين هناك.
من خلال حقبة زمنية مليئة بالاضطرابات، غنية بالتحولات الاجتماعية والسياسية والإسلامية، تروي لنا الكاتبة حكايات أناسٍ عاشوا ازدهار وسقوط غرناطة والإسلام على يد القشتاليين، الذين كانوا قد فرضوا عليها الحصار، ما أدى في النهاية إلى تسليمها عبر معاهدة مزيفة قائمة على أساس ضمان حقوق المسلمين سرعان ما تنصل القشتاليون منها فيما بعد.
الثلاثية لا تؤرخ لحياة أفراد فحسب، بل لقصة سقوط حضارة بأكملها؛ حضارة كانت، يوماً ما، تتربع على قمة الهرم، سرعان ما هبت عليها رياح الشيخوخة العاتية؛ لتحيل ربيعها إلى شتاء طويل قارس، وتنتهي بذلك الانهيار المدوي ليقف التاريخ شاهداً على ذلك السقوط.
تنتقل رضوى عاشور بالقارئ إلى حيث الناس، والبيوت، والأحياء البسيطة، والمكتبات وصناعة الكتب، والأسواق، لا حيث القصور والمؤامرات فكتب التاريخ مليئة بها؛ تنتقل إلى أناس عاشوا وماتوا في ظل سياسة قمعية، قسرية، يراد بها محاربتهم في دينهم ودنياهم، وإخضاعهم في ظل دواوين ومحاكم التحقيق.

الثلاثية تقع في ثلاثة أجزاء: "غرناطة"، "مريمة"، "الرحيل"؛ تبدأ بشخصية أبي جعفر الوراق وتنتهي بشخصية علي أحد أحفاد العائلة.
تصوّر من خلال عائلة غرناطية مسلمة، الأزمات المتلاحقة الناتجة عن سقوط المدينة وتسليمها للغزاة. العائلة هنا هي تصوير كامل ومجهري للمجتمع الغرناطى المسلم؛ إذ لا تقدم الكاتبّة أفراد هذه العائلة بوصفهم شخوصاً روائيين بمعزل عن محيطهم فحسب، بل تجعل من تحولات مصائرهم (من التماسك والازدهار إلى التشتت، القسوة، وفقدان الهوية) مرآة دقيقة تعكس التآكل البطيء والعميق للبنية النفسية والاجتماعية والحضارية لأمة بأسرها، متلقيةً بصبر وثبات ثقيل صدمات احتلال يصرّ على محو ذاكرة وتغيير ملامح المجتمع عبر فرض ثقافة المنتصر على المهزوم وتحريم العادات الاجتماعية والدين ومصادرة الأملاك والأقنان، وصولاً إلى حرق الكتب العربية، وتحريم التحدث والتعامل باللغة، وفرض التعامل بلغة المحتل والترحيل القسري عن المدينة وقصباتها وقراها النائية.
لا تكتفي ثلاثية غرناطة بتصوير سقوط غرناطة وتسليمها للغزاة، بل هي انعكاس تاريخي لأي مدينة تقع بيد المحتل؛ فالسائد قبل دخول الغزاة من دين وقيم وحياة اجتماعية سرعان ما يتم تغييره عبر أدوات وسياسات يتبعها المحتل تنصب في مصلحته ويراد منها بث حالة الرعب والخوف والتشتت والخذلان.
من حيث البناء السردي فقد تتجاوز حدود السرد من حيث الأحداث، والشخصيات، والخيال، و الواقع ولا تخلوا من بعض الملاحظات التي واجهتني أثناء القراءة؛ منها: الفجوات الزمنية والانتقالات السريعة بين الأحداث والشخصيات؛ فما أن أمسك بحدث معين وأتتبع خطواته بهدوء، حتى أرى الكاتبة تنتقل بالأحداث سريعاً، وهو ما قد يربك القارىء ويشتت مساره في القراءة.
ويشير بعض النقاد إلى أن سبب حالة القفز عبر السنوات في الثلاثية يعود إلى محاولة الكاتبة تغطية حقبة زمنية ضخمة عبر ثلاثة أجزاء؛ حقبة تمثل ملحمة كبرى لسقوط التاريخ، بالإضافة إلى محاولة الكاتبة مباغتة القارئ بصدمة الفقد، وتعاقب الأجيال كأداة مستمرة على الحركة؛ حيث تلجأ الكاتبة، بحسب النقاد، إلى إسقاط فترات الاستقرار النسبي، والتركيز على اللحظات التي يواجه فيها كل جيل جديد تحدي الحفاظ على هويته أمام محاولات المحو.
أما اللغة، فقد جاءت سلسة تتخللها جمل قصيرة وأخرى طويلة لا تخلو من الصعوبة كذلك، ويعود السبب إلى ذلك هو ما فرضته الرواية من أجواء تاريخية طويلة، أجواء ملبدة بالفقدان والخسران معا، وضياع الهوية وسط الفوضى.
الرواية تقع في 538 صفحة القطع المتوسط وطبعت في دار الشروق المصرية.







التعليقات