الدكتور تقي الدين الدباغ (1925-2009) يُعد واحداً من أبرز أعلام الآثار في العراق خلال القرن العشرين، ومن الشخصيات التي أسهمت في بناء المدرسة الأثرية العراقية على أسس علمية رصينة، جامعاً بين البحث الأكاديمي، والعمل الجامعي، والإدارة العلمية، والتأليف الموسوعي. وقد ارتبط اسمه بتخريج أجيال من الباحثين، وبإثراء المكتبة العربية بدراسات تناولت نشأة الحضارة العراقية وتطورها، فضلاً عن مساهماته في الموسوعات العلمية التي أصبحت مراجع لا غنى عنها للدارسين.
وُلد الدباغ في مدينة العمارة عام 1925، ونشأ في بيئة عراقية كانت تحتضن تنوعاً حضارياً وثقافياً انعكس على اهتمامه المبكر بالتاريخ والإنسان. التحق بدار المعلمين العالية في بغداد، وتخرج فيها عام 1949، ليبدأ حياته المهنية مدرساً في عدد من المدارس المتوسطة والثانوية، قبل أن تتجه اهتماماته بصورة متزايدة نحو دراسة الحضارات القديمة، وهو ما دفع وزارة المعارف إلى ابتعاثه إلى الولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراساته العليا.
في جامعة هارفارد، إحدى أبرز الجامعات العالمية في الدراسات الإنسانية، حصل على درجة الماجستير عام 1956، ثم نال الدكتوراه عام 1958، ليعود إلى العراق مزوداً بمنهج علمي حديث أسهم في تطوير البحث الأثري والتاريخي. ولم تكن عودته مجرد انتقال من الدراسة إلى التدريس، بل كانت بداية مرحلة جديدة في ترسيخ تقاليد أكاديمية حديثة داخل الجامعات العراقية.
تولى الدباغ سلسلة من المناصب العلمية والإدارية المهمة، فشغل رئاسة قسم الآثار في كلية الآداب بجامعة بغداد لأكثر من عشر سنوات، وأسهم خلال هذه المدة في تحديث المناهج الدراسية وتطوير برامج الدراسات العليا، قبل أن يتولى عمادة كلية الآداب، ثم منصب نائب رئيس جامعة بغداد، وأميناً عاماً لمجلس الجامعة. وقد مكّنته هذه المسؤوليات من الإسهام في رسم السياسات العلمية التي دعمت مكانة الدراسات التاريخية والأثرية في العراق.
وكان عضواً فاعلاً في جمعية التاريخ والآثار العراقية، وشارك مع نخبة من العلماء العراقيين في ترسيخ دعائم المدرسة التاريخية والأثرية الوطنية، وهي المدرسة التي سعت إلى قراءة حضارة بلاد الرافدين برؤية علمية تنطلق من المصادر الأثرية والنصوص القديمة، مع الإفادة من المناهج الحديثة في علم الآثار والأنثروبولوجيا.
أما على صعيد التأليف، فقد ترك الدكتور الدباغ مجموعة من الكتب التي تُعد من المراجع الأساسية في الدراسات الأثرية العربية، من أبرزها «مقدمة في علم الآثار»، الذي قدّم فيه عرضاً منهجياً لمفاهيم هذا العلم وأدواته وطرائق البحث فيه، وكتاب «علم المتاحف» الذي تناول فيه فلسفة المتحف ووظيفته العلمية والثقافية، فضلاً عن كتاب «آلهة فوق الأرض»، وهو دراسة مقارنة تناولت المعتقدات الدينية في حضارات الشرق الأدنى القديم واليونان، مقدماً رؤية تربط بين الأسطورة والدين وتطور الفكر الإنساني.
وبرزت مساهماته بصورة أوضح في العمل الموسوعي، إذ شارك في تحرير «موسوعة العراق في التاريخ»، وأسهم في «موسوعة حضارة العراق» التي صدرت في ثلاثة عشر مجلداً عن دار الحرية في بغداد، حيث كتب بحوثاً تناولت موضوعات أساسية، منها «البيئة الطبيعية والإنسان»، و«الآلات الحجرية»، و«الثورة الزراعية والقرى الأولى»، و«الفخار في عصور ما قبل التاريخ»، وهي دراسات كشفت عن اهتمامه بتفسير نشوء الحضارة العراقية من خلال العلاقة بين الإنسان وبيئته، والتطور التقني والاقتصادي الذي مهّد لقيام المجتمعات الأولى.
كما أسهم في تحرير «موسوعة الموصل الحضارية» التي أصدرتها جامعة الموصل عام 1991 في خمسة مجلدات، وكتب فيها دراسات مهمة، منها «منطقة الموصل القديمة: من القرية إلى المدينة»، و«الزراعة في عصور ما قبل التاريخ»، حيث قدّم تحليلات علمية لمسيرة التحول الحضاري في شمال العراق، معتمداً على الأدلة الأثرية والنتائج الحديثة للتنقيبات.
وتتجلى أهمية الدباغ في أنه لم ينظر إلى الآثار بوصفها بقايا مادية صامتة، بل تعامل معها باعتبارها سجلاً حياً لتطور الإنسان والمجتمع والفكر. ولذلك جاءت كتاباته غنية بالتحليل والمقارنة، تجمع بين علم الآثار والتاريخ والأنثروبولوجيا، وتسعى إلى تفسير الظواهر الحضارية ضمن سياقاتها البيئية والاجتماعية، وهو منهج أسهم في تجديد الدراسات الأثرية العراقية وإثرائها.
كما كان أستاذاً مؤثراً خرّج أجيالاً من الباحثين والآثاريين الذين واصلوا العمل في الجامعات العراقية والمؤسسات العلمية، فامتد أثره إلى ما بعد مؤلفاته ومناصبه، ليبقى حاضراً في المدرسة الأكاديمية التي أسهم في تأسيسها وترسيخها.
توفي الدكتور تقي الدين الدباغ عام 2009، بعد مسيرة علمية امتدت أكثر من نصف قرن، ظل خلالها واحداً من أبرز الأصوات الأكاديمية المدافعة عن أهمية التراث العراقي وضرورة دراسته وفق مناهج علمية حديثة. وقد بقي اسمه مرتبطاً بمرحلة مهمة من تطور علم الآثار في العراق، وبالجهود التي جعلت من الجامعات العراقية مراكز فاعلة في دراسة حضارات بلاد الرافدين.
وقد استندت المعلومات الواردة في هذه السيرة إلى ما نشره الباحث سرور ميرزا في دراساته عن رواد علم الآثار العراقي، إلى جانب ما ورد في مؤلفات الدكتور تقي الدين الدباغ والموسوعات العلمية التي شارك في تحريرها، والتي تمثل اليوم ركائز أساسية في دراسة تاريخ وآثار العراق.







التعليقات