كسر المنطق الواقعي وخلق صور سريالية (المفارقة والغرائبية)
لا يتقيد التجريب الشعري بقوانين الفيزياء أو المنطق المادي المألوف، بل يلجأ إلى تفكيك العناصر الطبيعية وإعادة تركيبها لإنتاج دهشة وجودية فالقارب في العادة يُصنع من الخشب ويسير في الماء، لكن الشاعر يكسر هذه البداهة ليجعل "قارب من غبار" و"النهر رماد"، وهما مادتان تنعدم فيهما تماماً القدرة على الطفو أو الحمل، مما يعكس ذروة العزلة الوجودية والهشاشة. ويمتد هذا الخرق المنطقي إلى تشكيل كائنات متخيلة ومتباينة عبر ثنائية "كن نسرا وأنت تمشي / ونملا يطير"، ليعبر عن عمق التمرد التجريبي على القوالب التعبيرية الجاهزة.
انزياح اللغة وتوظيف الرمز الوجودي
تتحرر اللغة في النص من الأداء التقريري المباشر لتصبح لغة إيحائية عميقة الأغوار. يظهر ذلك جلياً في استدعاء رموز صراعية كبرى مثل "حفلة الثور، قتل الثور، أو ولادته موت"، وهي إحالات تحيل إلى العنف الجمعي، والنزوات الاستعراضية، والمصاغد الدموية التي يرفضها الشاعر، داعياً إلى الانعتاق منها نحو الوحدة النبيلة. كما يبرز التناقض الجمالي في قوله "خيط من العتمة لم يطفئ الضياء في قلوبهم"، ليؤكد أن الذات المبدعة والمنعزلة تستطيع استنباط النور من قلب العتمة والعدم.
التحرر العروضي والإيقاع الداخلي (البنية الإيقاعية)
تتخلى القصيدة عن الأوزان الخليلية التقليدية وشطرين القصيدة الكلاسيكية، وتعتمد على التدفق الشعري الحر والإيقاع الداخلي المعتمد على التكثيف، والتقطيع النغمي للجمل القصيرة المباغتة، فضلاً عن الآليات التكرارية مثل التوسل بفعل الأمر والأداء المنساب لـ (كن...) والتناوب الندائي ("وانادي وينادي، الوحيدين"). هذا التكرار يشبه التعويذة الصوفية الحديثة التي تتردد بانتظام لتأكيد الثبات في وجه العالم المضطرب.
الغموض الخلّاق وتعدد التأويلات
تميل التجريبية إلى الابتعاد عن المعنى الجاهز والمستهلك، تاركةً للقارئ مساحة واسعة للاشتباك مع النص وإنتاج دلالاته. وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في صورة "كن سهوا مشدودا الى قوس ولا تنطلق ابدا / حتى لو انهم يرسمونك على هيئة مرمى رصاصة / كنها تخطئ الهدف" وهي دعوة للبقاء في حالة من الوجود المعلق، والرفض المطلق للانخراط في الأهداف المعلنة والحروب أو الأجندات التي يرسمها الآخرون للذات البشرية.
إضاءة نقدية: الفرق بين التجريب وقصيدة النثر
على الرغم من التقاء نص "قارب الوحيدين" مع فضاء الكتابة الحرة المعاصرة، إلا أن هناك خيطاً رفيعاً وحاسماً يفرق بين قصيدة النثر والتجريب الشعري الصريح:
قصيدة النثر: غالباً ما تنحو نحو السردية، واستثمار التفاصيل اليومية المعيشة، وتعتمد على إيقاع داخلي ذكي وتماسك تصويري دون اشتراط مغامرة شكلية أو راديكالية كبرى في البنية الكلية.
التجريب (كما يتجسد في هذا النص): يمثل مغامرة مختبرية واعية لذاتها. فهو لا يكتفي بالتحرر من الوزن، بل يغامر بخلخلة البنية الدلالية، والجرأة على الجمع بين متناقضات لا منطقية (كنملة تطير، ونسر يمشي، وغبار ورماد)، ليتحول النص بأكمله إلى "بيان جمالي وفلسفي" يسعى لتأسيس رؤيا جديدة للكون والكتابة، متجاوزاً المألوف في قصيدة النثر التقليدية.
خلاصة القول: يُمثل نص "قارب الوحيدين" لوسام هاشم لوحة سريالية متكاملة، تتلاحم فيها الرؤية الوجودية القلقة مع المغامرة التجريبية الصارمة، لتعيد صياغة مفهوم العزلة باعتبارها خلاصاً ومقاومة للخراب المحيط.
***
"قارب الوحيدين"
وسام هاشم
قارب من غبار
لا يقلني،
أجره خلفي
ليس في النهر،
النهر رماد
قارب الوحيدين
الذين خيط من العتمة لم يطفئ الضياء في قلوبهم
وانادي :
كن وحيدا ولا تذهب الى حفلة الثور ، قتل الثور، او ولادته موت
كن وحيدا في قارب الوحيدين
كن في الغبار ولا تكن في غيره
ولا تترك خلفك اثرا
ولا أمامك
كن نسرا وانت تمشي
ونملا يطير
كن سهوا مشدودا الى قوس ولا تنطلق ابدا
حتى لو انهم يرسمونك على هيئة مرمى رصاصة
كنها تخطئ الهدف
وانادي وينادي، الوحيدين،
نحن قارب من غبار.







التعليقات