في هذه القراءة، أتوقف عند قصيدة «قهوة لا تُسكب تُشبه الصمت» للشاعر اليمني أحمد الفلاحي. سوف أحاول الاقتراب من عالمها الداخلي وتأمل حضور الذات فيها، وما تثيره من أسئلة حول الوجود والصمت والحياة والموت، لنبحث عما تقوله القصيدة وما تتركه مفتوحًا أمام التأويل. ولكن قبل ذلك، لنتوقف سريعًا عند قضايا مهمة قد تساعدنا على فهم هذه النوعية من الكتابات.
في قصيدة النثر وما بعدها والكتابات الجديدة، يظهر نداء الذات كتعبير عن التأمل الذاتي الواعي في القضايا الوجودية الشائكة، والهوية، والزمن، والمصير، والشعر، والنهايات. وهنا تتجاوز الكتابة الأطر القديمة والأشكال التقليدية للتعبير، لتصور أعماق النفس البشرية بما فيها من عواصف الشك والحيرة والحلم، وتعمل كذلك على استكشاف الوجود من منظور ذاتي شخصي، دون التأثر بنصوص ومفاهيم دينية.
في مسارات قصيدة النثر وما بعدها، ظهرت وتطورت هذه النزعة الذاتية بقوة في النصوص التي تعبر عن مظاهر القلق الإنساني، ورغبات الإنسان ومخاوفه وتأملاته في معاني الحياة والموت وتفسيراته الخاصة للمفاهيم، وكذلك التحرر من أي رقيب وتخطي الحدود.

توجد علاقة جدلية بين الذات الشاعرة والذات الشعرية في سياق شعر الحداثة العربي، توجد دراسات كثيرة جدًا حول هذا الموضوع وسوف نأخذ ونستفيد من دراسة كتبها الباحث اليمني عبد الواسع أحمد الحميري وهي دراسة منشورة في مجلة «نزوى» العُمانية، بعنوان «الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية»، وركز على تحول الذات الشاعرة إلى أداة للحوار مع العالم والواقع، وأنها تمثل بوابة انفتاح على الداخل والخارج، وتثير الكثير من الجدل المستمر مع التحولات التاريخية ومتغيرات العصر والإشكاليات الوجودية. وبالتأكيد، فإن كل هذا قد أسهم في تشكيل القصيدة الحديثة كمنتج إبداعي يتفاعل مع الواقع، بحسب رأي الباحث. كما بيّن الاختلاف بين الذات المنفتحة التي تندمج مع العالم، والذات المنغلقة التي تنحصر في محاكاة الآخر، وأشار إلى عدد من التأثيرات في طبيعة التجربة الشعرية. ومن خلال تحليل إنتاج مجموعة من شعراء الحداثة العرب، يصل الحميري إلى أن الذات الشاعرة المبدعة تستطيع أن تتجاوز الواقع لتصور رغبتها الدائمة والنشطة، كما يمكنها أن تسهم في تفجير اللغة وتحفيز الجماليات الشعرية.
قبل الدخول إلى نص «قهوة لا تُسكب تُشبه الصمت» للشاعر اليمني أحمد الفلاحي وتأمله كنموذج، أود أن نذهب سريعًا إلى صوت شعري عالمي. سنأخذ مقطعًا قصيرًا جدًا للشاعر السويدي توماس ترانسترومر، من قصيدته «جسر الأحلام»، حيث تفنن في تصوير صراع الذات مع الزمن والوجود:
«أنا الجسر الذي يعبره صمتك،
أتأرجح بين الماضي والحاضر،
أبحث عن شيء لم يُسمّ بعد.»
ستدهشنا هنا استعارة الجسر كرمز للتواصل والتوازن بين الماضي والحاضر والمجهول. فهو يصور الذات بكونها حلقة وصل مهتزة قد تنهار، يعبر من خلالها الصمت بين ما كان وما سيكون. هذا المشهد يمثل حالة من القلق الوجودي المتأزم. والبحث عن «شيء لم يُسمّ بعد» ربما يمكن فهمه بوصفه إشارة إلى تطلع دائم نحو الخلق والتجدد؛ فالذات هنا لا تجد استقرارها إلا في استمرارية التفاعل مع العالم والزمن. تسلط القصيدة الضوء على العلاقة الجدلية المعقدة بين الذات والواقع، مع مزيج من التأمل والاغتراب الإبداعي ورفض الكليشيهات والأشكال الهشة. وكما نعلم، كتب ترانسترومر شعرًا اتسم بالحميمية الذاتية والكونية معًا، حيث الذات مرآة للمطلق، وبحث دائم عن اللامسمى ومحاورة للميتافيزيقي.
أحمد الفلاحي شاعر يمني يتسم شعره بالعمق الفلسفي والجرأة في استكشاف الذات والوجود. الكثير من نصوصه تتدفق بالتأملات والمقاربات الحسية والجمالية، حيث يتخذ من ذاته نقطة انطلاق للغوص في أسئلة الوجود والزمن والمصير، ويبتكر أساليبه ومفرداته الخاصة. وفي قصائده خلال السنوات الأخيرة تظهر صور اليمن والحرب والحبيبة والفقد والغربة.
في نصه «قهوة لا تُسكب تُشبه الصمت»، يخلق الفلاحي نصًا يمكن القول إنه يمتلك قدرة شعرية على إعادة تشكيل الواقع من منظوره الشخصي كشاعر يمني مغترب، يمزج فيه الحلم بالخوف ووليس لديه يقين ثابت. هنا تصبح الكلمة أشبه بنافذة إلى حوار مفتوح مع العالم ومع الذات، ويحاول الشاعر أن يرمم خراب الحياة من خلال الشعر واللغة.
نص أحمد الفلاحي: "قهوة لا تُسكب تُشبه الصمت"
قهوة لا تُسكب تُشبه الصمت
الصمت:
أن تُحاصر نفسك بارتباك الأشياء.
كل شيء في هذا العالم يُزهر مرتين،
مرة في رحم الغياب،
ومرة حين يموت الظل على يد الضوء.
العالم كذبة تتنفس
والكذبة ليست إلا ذاكرة قديمة
كل وهمٍ يحمل حقيقة صامتة،
والحقيقة ليست إلا انعكاساً مشوهاً للرغبة
عباد الشمس تموت واقفة،
تعاند الجاذبية في رقصة أخيرة،
لكنها لا تعلم أن الحياة ليست سوى طريق
يشق ذاته نحو العدم.
كل تدوير خيانة للأصل،
كل حركة اغترابٌ عن ذاتها.
الماء لا يهمس للتراب، بل يبتلعه برغبة عطشى
كأن الموت هو الذي يرشد العطشى إلى فم الأرض.
أيها الغارق في الوهم،
احمل حقيبتك واصعد على ظهر الغيم،
لا وجهة للرياح سوى أن تُعلِّمنا الفقد،
ولا مرافئ سوى صدورنا .
الموت ليس النهاية،
إنه مجرد نقطة تتوقف لتعيد رسم خطوط الحياة،
وكل شروق ليس إلا شهادة ميلادٍ جديدة للظلام.
بداية النص ونداء الذات
يبدأ النص بصورة استعارية مربكة، كأن الشاعر يعمل منذ البداية على تعطيل رموزه أو منعها من الظهور. هذه البداية تستوقفنا كقراء: «قهوة لا تُسكب تُشبه الصمت». القهوة، في صورها المألوفة والمستخدمة، تمثل لحظة تأمل أو انغماس في الذات وتحقق لذة لشاربها، لكنها هنا استعارة لمعاناة داخلية مكبوتة، فلا تُسكب ولا تنطلق أو تفور وتتدفق كما ينبغي.
تشبيهها بالصمت يعمق فينا هذا الإحساس بالتيه، حيث يتحول الصمت إلى كيان يوازي هذه الذات المرتبكة التي تتأمل التفاصيل الصغيرة والصغيرة جدًا. هذه الصورة ترسم وتجذر حالة وجدانية متأزمة ذات تعقيدات متعددة، كما أنها تكشف عن الذات الضعيفة والخائفة والمنطوية على قلقها الداخلي.
نفهم هنا أن الصمت في النص لا يُقصد به غياب الصوت، لكننا يمكن أن نتأمله ونتذوقه كفعل نفسي معقد، ربما يكون فقدان القدرة على الفعل. فقد نصاب بالخرس والعجز عن الكلام في زمن الفجائع، ونفقد الشجاعة والصوت والقدرة على الكتابة. تأتي عبارة: «أن تُحاصر نفسك بارتباك الأشياء». هنا يظهر نداء الذات واضحًا، فالذات محاصرة بأسئلتها وارتباكها أمام العالم الموحش.
المشهد التالي، «كل شيء في هذا العالم يُزهر مرتين»، يشير إلى مدارات أبدية بين الحياة والموت، وجمال الحياة وقبح الحرب، والغياب يتحول إلى ولادة أولى، والموت إلى ولادة ثانية.
نحن هنا مع تأملات في ازدواجية الوجود ومحاولات لتصوير الذات، لعل الشاعر يفهم الزمن والتغير من منظور ذاتي محض، دون الاستعانة بأدوات فهم مساعدة خارجية.
ثم يصف العالم بأنه «كذبة تتنفس»، وهذا التصريح يعبر بوضوح عن فشل الذات في إدراك العالم وقناعتها بزيفه. هذه اللقطة تحمل نزعة تُظهر الذات ككيان واعٍ بحقيقة زائفة، لكنها تظل جزءًا من هذا الوجود.
هذا التداخل بين الذات والعالم يُظهر نداء الذات، فالشاعر يحاول أن يعيد تشكيل هذا الواقع وفق إدراكه الخاص، وكمن يثق بقدراته رغم الصدمات العامة والخاصة. هذه الصدمات البشعة تعمل على تدمير الذات الإبداعية أو تشويهها وخلط المفاهيم، كأن أحمد الفلاحي يقول إن الكذب في كل شيء، حتى الإبداع والشعر والمظاهر الروحية قد يتسلل إليها الكذب ويتغلغل فيها، وإن حافظت على مظاهرها الخارجية الجميلة.
في القسم المتبقي من النص، نجد أن أحمد الفلاحي يواصل تعبيره العميق عن الاضطراب الداخلي في مواجهة قبح العالم، ويستعين بتقنيات شعرية متقنة تمزج بين البوح الذاتي ورؤيته الفلسفية الخاصة لمعنى الحياة والحب والحرب والموت. النص يتفنن في تصوير الصراع بين الرغبة في الانتصار للحياة والسلام وبين عبثية الواقع الذي يخنق الذات بحمولات ثقيلة.
التقنيات الشعرية في التعبير عن الذات
سنلاحظ أن نصوص الفلاحي ليست ذات تعقيدات في الصياغة، وبعيدة جدًا عن الزخارف البلاغية المتداولة والمستهلكة، وهو لا يميل إلى بهرجة الدلالة، وقد يستخدم كلمات سهلة وأحيانًا سنجد أنه يتلاعب عمدًا بالكلمات في التراكيب. هذه الفنون تجعل النص مثيرًا للخيال. بعض نصوصه، كهذا النص مثلًا، تتسم بمهارة سردية ذات عناصر تقترب من الحكاية وتمنحنا تجربة تذوق.
قد نجد بعض التكرارات في استخدام كلمة أو فعل، لكن صوره ليست مملة، مثلًا:
«العالم كذبة تتنفس
والكذبة ليست إلا ذاكرة قديمة»
يعيد الشاعر التأكيد على ثقل المعاناة التي يعيشها الإنسان. هنا تفنن الفلاحي في خلق إيقاعات داخلية متعددة، لعكس الاستمرارية والتكرار المرهق للحياة في زمن الحروب وعدم فهمنا لهذا العالم المضطرب.
يستخدم الفلاحي التشابكات الدلالية، حيث سنجد الكثير من الدلالات المكثفة، ليخلق صورًا تصور الشعور بالهزيمة، رغم أن الشاعر ليس طرفًا في الحرب، لكنه من ضحاياها. ومع ذلك، توجد رغبة صارخة من أجل التحليق في الحلم والحياة من جهة أخرى. هذه الصور تفتح أمامنا كقراء أبوابًا واسعة للتأويل، وربما تثير خيالنا أكثر. هكذا ينجح الشاعر ويضيف طبقات متعددة من العمق للنص.
هذا النص المشبع بأسئلة متعددة عن العشق والحرب، وهي تحيلنا إلى الحرب اليمنية خاصة، وإلى الحروب المدمرة من حولنا عامة، دون تباكٍ مصطنع. وبعض هذه الأسئلة تأتي في صور خفية وغير واضحة، تساعد في دفع المتلقي إلى التأمل والسؤال: ماذا يعني أن تكون إنسانًا وسط هذا الخراب؟ هل يمكن للحلم أن يصمد في مواجهة الواقع القاسي؟
رؤية الفلاحي للآخر والكون
النص يظهر بوضوح أن الآخر ليس الإنسان وحده، لكنه قد يمتد ليشمل الطبيعة والكون. هذا المشهد بحد ذاته قصيدة متكاملة:
«عباد الشمس تموت واقفة،
تعاند الجاذبية في رقصة أخيرة،
لكنها لا تعلم أن الحياة ليست سوى طريق
يشق ذاته نحو العدم.»
أي أننا مع رؤية شعرية منفتحة، تتأمل ثم تصور، وفي النهاية تقدم رؤيتها وكذلك تجادل. الآخر هنا والكون جزء لا يتجزأ من الصراع الإنساني الكبير، القديم الجديد، حيث تحدث تشابكات متعددة بين الطبيعة والذات، في مشهد درامي يصور، بتقنيات صادمة، عبثية الحياة وأشكال الموت.
في هذا المقطع، تتحول زهرة عباد الشمس إلى رمز للصمود والجمال، فهي تعاند وترقص، لكنها لا تعرف ماهية الحياة وعلاقتها بالعدم. المشهد يحمل في طياته مأساة الوعي بالزوال.
الرقصة الأخيرة التي تعاند الجاذبية يمكننا أن نفهمها بأنها استعارة للحظة ذروة المقاومة أمام حتمية نهايتنا والفناء المرعب.
الحياة، كما يصفها الفلاحي، طريق يمضي نحو الزوال، لكن الصمود ممكن في وجه هذا المصير، ولو كان لوقت قصير أو للحظة، وهنا فالقداسة للحياة وحدها مهما زاد قبح الحرب والخراب.
الكلمة في نص الفلاحي أداة لغوية خلاقة وطاقة تنبعث منها صور مشهدية حية. على سبيل المثال:
«الماء لا يهمس للتراب، بل يبتلعه برغبة عطشى»
فهنا كأن الشاعر يجمع بين الحركة المادية والمعنى المجازي للضياع والدمار. كما أن الشاعر يصور بعض العناصر المساعدة للحياة، ولكن بعضها قد يتحول إلى قوى متصارعة ومدمرة للحياة والإنسان.
ولكننا سنجد أن النص ليس انهزاميًا ولا مكتئبًا؛ فهناك تحدٍّ للقبح ونضال من أجل الانتصار للحياة، وهذه تمثل صورة للشعب اليمني، فهو ليس كما تصوره وسائل إعلام تجار الحرب، بأن كل يمني مشروع شهيد، وأن الموت أحب لنا من الحياة. جميع الناس والشعوب تتمنى حياة بلا حرب.
النص لم يكتفِ إذن برسم ملامح العالم القبيح بجمل مغرية أو بليغة، لكنه يقدم أيضًا ملامح المقاومة والأمل:
«أيها الغارق في الوهم،
احمل حقيبتك واصعد على ظهر الغيم،»
فالشاعر يعيد التأكيد على صلابة الإنسان وقدرته على التغيير والتحدي رغم كل الصعوبات.
في نهاية هذا النص، يفتح أحمد الفلاحي آفاقًا تأملية تتجاوز الإحباط، إذ يعمل على إعادة صياغة مفهوم الموت كجزء من دورة الحياة: «مجرد نقطة تتوقف لتعيد رسم خطوط الحياة». الموت هنا ليس النهاية المطلقة ولا العالم المظلم، وكأنه يراه مساحة لخلق التجدد.
والشروق، الذي يُفترض أن يحمل الحلم والأمل، يصبح هنا «شهادة ميلادٍ جديدة للظلام». هذا يدخلنا في جدلية معقدة عن الحياة والموت في ظل الضياع والقبح الكوني.
هذه النهاية تُظهر رؤية الفلاحي للذات وما يحيط بها وللكون، حيث يتعذر وجود مكان للثبات والديمومة أو الخلود، وحقيقة واقعنا تختلف عن التنظيرات الرومانسية، وما نعيشه اليوم أشبه بمعركة مستمرة مليئة بالتحديات والأسئلة.
النص أشبه بدعوة للاستمرار في مقاومة القبح والإيمان بقوة الشعر في إضاءة عتمة الحياة مهما تضخمت الظلمات.
في الأخير، نحن مع نص نجتهد ونقول إنه نجح في تصوير عمق نداء الذات في مواجهة قبح العالم، فقد سعت الذات الشاعرة إلى تأمل واقعها، واستندت إلى الحلم وتحدت الدمار. حاول أحمد الفلاحي خلق فضاء شعري يحتضن الألم والقسوة، لكنه لم يستسلم لهما، وظل يجادل من أجل حياة يسودها السلام.







التعليقات