انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بين جراح الوطن وندوب العشق قراءة في ديوان "شعركِ على بقاع الطين" لأحمد الخطاط

نبيل قديش
نبيل قديش

ناقد وأديب تونسي

6 دقائق للقراءة
5 مشاهدة
بين جراح الوطن وندوب العشق قراءة في ديوان "شعركِ على بقاع الطين" لأحمد الخطاط
مشاركة:

يطالعنا مشهد الطين والشعر الأنثوي المنسدل فوقه في غلاف المجموعة الشعريّة الصادرة حديثا عن منشورات أوروا وهي صورة توحي إلى مشهد الخلق الأوّل حين خلق الله آدم من الطين.  وبهذا المعنى يحيلنا الشاعر العراقي المقيم بالمهجر الكندي أحمد الخطاط منذ العتبة الأولى لنصّه الشعري إلى رمزيّة تتجاوز حدود الكتابة!

أوليس الشعر هو عمليّة خلق بالأساس!؟

ليس الطين في ديوان "شعركِ على بقاع الطين" للشاعر أحمد الخطاط مجرّد مادة تستدعي صورة الأرض أو قسوة العيش، كما أن الشعر الذي يطلّ من العنوان لا ينحصر في جمال المرأة وتفاصيل الجسد. نحن أمام عنوان يضع الحميمي في مواجهة الأرضي، ويجمع بين رهافة العشق وثقل الذاكرة، كأن الشاعر يريد أن يفتّش عن أثر الجمال في عالمٍ تتنازعه الخسارات، وأن يستعيد عبر الكتابة ما تعذّر عليه الاحتفاظ به في الحياة. ومن هذه العتبة تحديدًا يمكن الدخول إلى عالم الديوان، حيث تتجاور قصائد الحب والغربة والحرب والموت، وتتقاطع التجربة الفردية مع إحساس أوسع بالخذلان والاقتلاع.

منذ قصائد الديوان الأولى، يبدو الصوت الشعري مأخوذًا بهاجس الفقد. إنه صوت لا يتعامل مع الحزن بوصفه انفعالًا عابرًا، بل باعتباره مناخًا تتشكّل داخله الرؤية إلى الذات والعالم. لذلك تتكرر في العناوين والصور مفردات الموت والعزلة والغياب، وتظهر الكتابة نفسها أحيانًا كأنها محاولة للنجاة من وطأة التجربة، أو وسيلة لإبقاء ما يتداعى حاضرًا في الذاكرة. وفي قصائد مثل «مداواة الموت» و«رنين العزلة» و«كفن من الأوهام»، تتبدّى ملامح عالم داخلي مأزوم، تتراجع فيه الطمأنينة ويغدو الصمت امتدادًا للوجع، فيما تحاول اللغة أن تمنح هذا الوجع شكلًا يمكن تأمله ومواجهته.

غير أن الحزن في هذا الديوان لا يبقى حبيس الغرفة أو التجربة العاطفية. إنه يتّسع ليشمل الوطن، بما يحمله من جراح وانكسارات، ويستحيل شعورًا بالاغتراب حتى حين يكون الشاعر داخل المكان الذي ينتمي إليه. وفي قصيدة «أنا ابن الحرب الخريفية»، كما في «مخاطبة عقولهم»، يبرز وجه آخر للصوت الشعري؛ وجه ينظر إلى التاريخ بوصفه عبئًا يتراكم على الأكتاف، وإلى الوطن بوصفه مساحةً للانتماء والضياع في آن واحد. ولعل العبارة التي تجمع بين الشهادة «في بقاع الوطن» والشهادة «في ضياع الوطن» تلخّص هذا التناقض بوضوح: فالمأساة ليست في خسارة المكان وحده، بل في أن يصبح الانتماء ذاته مصدرًا للألم.

بين جراح الوطن وندوب العشق

قراءة في ديوان "شعركِ على بقاع الطين" لأحمد الخطاط

بهذا المعنى، لا تنفصل الغربة عن الذاكرة، ولا تبدو الحرب حدثًا خارجيًا ينتهي بانتهاء وقائعه. فآثارها تستمر في البيوت والأجساد واللغة، وتعود في هيئة صور متفرقة وذكريات لا تستقر على حال. وفي قصيدة «بيت مهجور» وما يجاورها من استدعاءات للماضي العائلي، تظهر الذاكرة بوصفها مكانًا هشًّا، تتراكم فيه بقايا الحياة القديمة مثلما يتراكم الغبار في زوايا البيوت. وتكتسب صور الجدة والجد والبيت والطين دلالة تتجاوز الحنين الشخصي؛ إذ تلمّح إلى عالم تتبدل ملامحه، بينما يظل الماضي حاضرًا، لا باعتباره ملاذًا نقيًا، بل باعتباره أثرًا يصعب محوه أو استعادته كاملًا.

وفي مقابل هذا العالم المثقل بالحرب والغياب، يحتل الحب مساحة واسعة من الديوان، لكنه لا يأتي نقيضًا بسيطًا للألم. فالمرأة هنا مصدر للفتنة والطمأنينة المحتملة، لكنها أيضًا مرآة تكشف هشاشة المتكلم وخوفه من الفقد. ويظهر ذلك بوضوح في القصائد التي تخاطب المحبوبة مباشرة، وفيها تتداخل تفاصيل الجسد مع الرغبة في استعادة الذات، ويغدو العشق محاولة لإيقاف الزمن أو ترميم ما خلّفته التجربة من شقوق. أما قصيدة العنوان، «شعركِ على بقاع الطين»، فتقيم صلة لافتة بين الشعر والجسد والأرض؛ فالشاعر لا يكتفي بالتغني بجمال المحبوبة، بل يجعل من هذا الجمال نقطة تماس بين الحميمي والترابي، وبين الرغبة في الذوبان والبحث عن يقين مفقود.

ولعل أبرز ما يلفت في هذه القصائد أن الحب لا يقدّم خلاصًا نهائيًا. إنه يخفف وطأة العزلة أحيانًا، لكنه لا يمحوها، ويمنح الذات فرصة للتشبث بالحياة، لكنه لا يبدّد حضور الموت. من هنا تتكرر المفارقة بين الجسد الذي يرغب في الاقتراب والروح التي تستشعر الفقد قبل وقوعه، وبين الأمل الذي تَعِد به المحبوبة والذاكرة التي تعيد المتكلم إلى خيباته. وتمنح هذه المفارقة الديوان جانبًا من توتره الداخلي؛ إذ لا يتقدم الشعور في خط مستقيم من الألم إلى الشفاء، بل يتردد بين الرغبة في الانعتاق والاستسلام لما يثقل الذاكرة.

على مستوى اللغة، يعتمد أحمد الخطاط على صور وجدانية مباشرة، وعلى شبكة من المفردات المتصلة بالجرح والغياب والليل والذاكرة. ويمنح هذا المعجم الديوان قدرًا من التماسك، لأن القصائد، على اختلاف موضوعاتها، تبدو كأنها تنتمي إلى مناخ نفسي واحد. كما أن حضور الخطاب المباشر، ولا سيما في مخاطبة المرأة، يضفي على بعض النصوص نبرة اعترافية، تجعل المتكلم قريبًا من القارئ، وتكشف عن حاجته إلى البوح بقدر ما تكشف عن عجزه عن التخلص مما يبوح به.

لكن هذا الخيار التعبيري يضع الشاعر أمام تحدٍّ فني لا يمكن تجاهله. فحين تتكرر مفردات الحزن والموت والعزلة من دون أن تتحول في كل مرة إلى صورة جديدة أو اكتشاف دلالي مغاير، قد تتقارب نبرات القصائد، ويصبح الانفعال المعلن أقوى من الأثر الذي تصنعه اللغة. وفي بعض المواضع، تميل الصور إلى توكيد الألم وتسميته بدل تركه يتكشف عبر مشهد أو تفصيل محسوس. لذلك تبدو أكثر لحظات الديوان تأثيرًا حين يتجسد الشعور في صورة ملموسة، كما في استعادة البيت القديم أو استحضار الطين والحجر، لا حين تكتفي القصيدة بتعداد وجوه المعاناة. فالصورة الناجحة لا تخبرنا أن الشاعر حزين فحسب؛ إنها تجعلنا نرى الحزن في شيء من العالم.

وتبرز هنا أهمية الاقتصاد اللغوي وتفاوت الإيقاع بين القصائد. فالمعجم الوجداني المشترك يمنح المجموعة وحدتها، لكنه يحتاج، في المقابل، إلى تنويع أكبر في طرائق التعبير، وإلى فسح المجال للصمت والإيحاء والتفاصيل الصغيرة كي تؤدي بعض ما تحمله اللغة من عبء. فليس كل وجع بحاجة إلى أن يُعلن عن نفسه، وليس كل صورة مطالبة بأن تشرح معناها. أحيانًا تكون الإشارة المقتصدة أقدر على ترك الأثر من العبارة التي تستنفد انفعالها في اللحظة نفسها.

ومع ذلك، فإن ما يمنح الديوان خصوصيته هو إصراره على إبقاء التجربة الذاتية مفتوحة على أسئلة تتجاوز حدودها. فالحبيبة ليست مجرد موضوع للغزل، والوطن ليس خلفية للألم، والذاكرة ليست حنينًا إلى ماضٍ مفقود فحسب. تتداخل هذه العناصر لتصوغ رؤية إلى الإنسان بوصفه كائنًا يحمل جراحه معه، ويبحث، رغم ذلك، عن منفذ إلى المحبة والمعنى. ومن هذه الزاوية، تبدو الكتابة نفسها فعل مقاومة للنسيان؛ محاولةً لإنقاذ شيء من الحياة من بين ما تتركه الحرب والغياب والتجارب العاطفية من خراب.

إن «شعركِ على بقاع الطين» ديوان تتحرك قصائده بين جرح الوطن وجرح الذات، وبين فتنة الحب وثقل الذاكرة، ويستمد صوته من هذا التوتر المستمر. وقد لا تتساوى القصائد في قدرتها على تحويل الانفعال إلى اكتشاف شعري، كما أن بعض الصور كان يمكن أن تبلغ أثرًا أعمق لو أُتيح لها مزيد من التكثيف والإيحاء.

غير أن المجموعة تظل جديرة بالقراءة لما تجمعه من هواجس شخصية ووطنية، ولما تكشفه من رغبة في مواجهة الخسارة بالكلمة. ففي هذا العالم، لا ينتصر الشعر على الطين ولا يمحو آثار الجراح، لكنه يحاول أن يمنح ما انكسر اسمًا وصورة، وأن يترك، وسط الخراب، أثرًا صغيرًا يدل على أن الحياة مرّت من هنا.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٨ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟
قراءات

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟ بغداد- حمدي العطار ليس الشعر مجرد كلمات موزونة أو قوافٍ متناسقة، بل هو أحد أعمق أشكال التعبير عن التجربة الإنسانية، بما تنطوي عليه من أحلام ومخاوف وتناقضات وأسئلة وجودية، ومن هنا فإن الحكم على الشعراء لا يتوقف عند مضمون قصائدهم أو مدى توافقها مع…

· 9 د
بين رخام التمثال وخرير النهر: 

قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي
قراءات

بين رخام التمثال وخرير النهر: قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي

تقف الشاعرة علياء المالكي على منصة قاعة الجواهري في اتحاد الأدباء، لا لكي تسرد نصاً عابراً في مدونة الشعر المعاصر، بل لتمارس طقساً حوارياً يستحضر أرواح الرواد، معلنةً منذ اللحظة الأولى أنها جاءت لتحاور رائد الشعر الحر بدر شاكر السياب في زخات مطره، وتستأذن الحاضرين لتتلو «أنشودة الحجر». إنها ليست…

· 5 د
التاريخ والبيئة واللعبة التدوينية

في رواية "أشبال الأطلس البليدي" للجزائري صالح قريد
قراءات

التاريخ والبيئة واللعبة التدوينية في رواية "أشبال الأطلس البليدي" للجزائري صالح قريد

علي لفتة سعيد قد تُعدّ رواية "أشبال الأطلس البليدي" للجزائري صالح قريد روايةً تاريخية، كون أحداثها تدور في مدينة البليدة الجزائرية ومحيطها الجبلي أواخر القرن التاسع عشر، ابتداءً من عام 1887، متتبّعةً حياة مجموعة من الفتيان المهمّشين والبائسين الذين يرزحون تحت وطأة الاحتلال الفرنسي وتبعاته…

· 10 د