انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

بين استعادة الماضي وتوثيق التجربة الإنسانية بشرى عبد الأمير في «من الجدير ذكره».. سرديات الذاكرة ووجع الوطن ودهشة المكان

حمدي العطار
حمدي العطار

ناقد وأديب عراقي

11 دقائق للقراءة
12 مشاهدة
بين استعادة الماضي وتوثيق التجربة الإنسانية بشرى عبد الأمير في «من الجدير ذكره».. سرديات الذاكرة ووجع الوطن ودهشة المكان
مشاركة:

بين السيرة الذاتية وأدب المذكرات

لا يقتصر أدب المذكرات على استعادة أحداث الماضي بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل التجربة الشخصية، واستحضار الأمكنة والشخصيات والمواقف التي تركت أثرها في ذاكرة الكاتب. وإذا كانت السيرة الذاتية تميل إلى تقديم مسار الحياة في امتداده الزمني، فإن المذكرات تنتقي محطات بعينها وتضيء أحداثاً أو تجارب يراها صاحبها جديرة بالتسجيل، لما تنطوي عليه من دلالات إنسانية أو اجتماعية أو ثقافية.

من هذا المنطلق يمكن قراءة كتاب الكاتبة بشرى عبد الأمير "من الجدير ذكره: سرديات ويوميات من واقع الحال"، الذي لا تسعى فيه إلى تقديم سيرة ذاتية متكاملة بقدر ما تجمع نصوصاً متفرقة من تجربتها في الحياة، وتعيد نشر ما سبق أن كتبته عن أحداث وشخصيات ومشاهدات في العراق وخارجه. وهكذا تتحول الذاكرة إلى مساحة للانتقاء، ويصبح التدوين وسيلة للاحتفاظ بما يستحق ألا يطويه النسيان.

يقع الكتاب في 317 صفحة من القطع المتوسط، أصدار دار غولدن للنشر  - لندن- ويضم مئة مقال تتنوع بين السرديات والخواطر واليوميات والمشاهدات. وتوضح الكاتبة في مقدمتها الظروف التي قادتها إلى جمع هذه النصوص في كتاب، فتقول:

"لأضع بين يدي القارئ شطراً من السرديات والخواطر واليوميات والمشاهدات سطرتها بدمع الكلمات على ورق الأيام» (ص 9).

تكشف هذه العبارة عن طبيعة المشروع الكتابي فالنصوص ليست وليدة لحظة واحدة، ولا تنتمي بالضرورة إلى جنس أدبي واحد، وإنما هي حصيلة تجارب متراكمة اختارت الكاتبة استعادتها ونشرها. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الكتاب بوصفه مجموعة من المذكرات والنصوص الشخصية، وبين السيرة الذاتية التي تقوم عادة على تصور أشمل لمسار الحياة.

إن بشرى عبد الأمير تكتب من خارج النص حين تستعيد تجاربها وتقدم خلفياتها، لكنها تكتب من داخل التجربة أيضاً حين تحول الذاكرة إلى مشاهد سردية، وتمنح الشخصيات والأمكنة والأحداث حضوراً يتجاوز مجرد الإخبار عنها. وللوقوف على ملامح أسلوبها، سنختار نموذجين من الكتاب، هما "حنين متى تعودين" و"متنفس معرفي"، للكشف عن طرائقها في استثمار الذاكرة وبناء المشهد والتعبير عن رؤيتها الإنسانية.

أولاً: "حنين متى تعودين؟".. حين تتحول الذاكرة إلى وجع عراقي

ينتمي نص "حنين متى تعودين؟" إلى الكتابة التي تستعيد الماضي من خلال شخصية طفلة و ذاكرة مكان، لكنه لا يقف عند حدود الحنين إلى الطفولة، بل يتخذ من العلاقة الإنسانية بين طفلتين مدخلاً للكشف عن مأساة التهجير القسري، وما يتركه من جروح في الذاكرة الفردية والجماعية.

تبدأ الكاتبة بوصف البيئة التي عاشت فيها حنين مع جدتها في أحد بيوت البصرة القديمة، فتقول:

"البيوت فيه متلاصقة وكأنها تحتضن بعضها البعض، شبابيكها متشابكة كتشابك أهل الزقاق الشعبي العريق الذي يضم في ثناياه أطيافاً ومذاهب عدة، شكلوا منذ القدم توليفة اجتماعية قل نظيرها".

لا يؤدي المكان هنا وظيفة وصفية فحسب بل يهيئ القارئ للدخول إلى عالم اجتماعي تتداخل فيه العلاقات الإنسانية، وتتعايش فيه الجماعات الدينية والمذهبية ضمن نسيج واحد. وتبدو صورة البيوت المتلاصقة والشبابيك المتشابكة معادلاً بصرياً للتآلف الاجتماعي، وكأن العمارة الشعبية نفسها تجسد طبيعة العلاقات بين سكان الزقاق.

وتنتقل الكاتبة إلى علاقة حنين بصديقتها ليلى، التي تنتمي إلى الديانة الصابئية المندائية، بينما تنتمي حنين إلى أسرة مسلمة من أتباع مذهب أهل البيت. ويبرز الموقف الإنساني الذي يجمع الطفلتين حين تلاحظ حنين ارتجاف صديقتها من البرد فتعرض عليها سترتها الصوفية التي حاكتها لها جدتها.

تبدو الحادثة بسيطة في ظاهرها لكنها تؤدي وظيفة دلالية مهمة في بناء النص؛ إذ تجعل فعل العطاء الطفولي تجسيداً للتضامن الإنساني العفوي الذي لا يحتاج إلى تنظير أو شعارات. وحين تتخلى حنين عن شيء تحبه من أجل حماية صديقتها من البرد، فإنها تقدم سلوكاً أخلاقياً يتجاوز الانتماء الديني، ويؤكد أن العلاقة الإنسانية تسبق التصنيفات التي قد تفرق بين البشر.

وتعزز الكاتبة هذه الدلالة من خلال استعادة مجالس العزاء الحسيني التي كانت تقيمها الجدة في بيتها حيث يجتمع الجيران ومن بينهم ليلى وأمها للمشاركة في إحياء المناسبة وإعداد الطعام مع تخصيص نصيب للفقراء والمحتاجين. وتظهر الجدة بوصفها شخصية محورية في الحياة الاجتماعية للزقاق فهي لا تسأل القادمين عن هوياتهم ومذاهبهم بل تستقبلهم بالمحبة والمودة.

ومن الناحية السردية يتدرج النص من التفاصيل اليومية الصغيرة إلى الحدث الكبير الذي يقلب حياة الشخصيات. فبعد أن يؤسس لعالم يسوده التآلف، ينتقل فجأة إلى مشهد التهجير حين تجبر الجدة وحفيدتها على مغادرة منزلهما والرحيل إلى إيران.

وهنا يتغير إيقاع الكتابة إذ تحل أفعال القسر والخوف محل صور الألفة والطمأنينة. وتقول الكاتبة في وصف لحظة الاقتلاع:

"سحلوا الجدة والصبية حنين إلى خارج البيت دون رحمة".

إن قوة هذا المشهد لا تأتي من طول الوصف بل من التناقض الحاد بين البيت بوصفه فضاءً للأمان والانتماء، وبين السلطة التي تنتزع الإنسان منه بالقوة. فالبيت ليس جدراناً وأثاثاً فقط وإنما هو ذاكرة الطفولة، وعلاقات الجوار، وتاريخ العائلة، والشعور بالانتماء إلى الوطن.

وتبلغ المأساة ذروتها عندما تتساءل حنين عما إذا كانت سترى صديقتها ليلى مرة أخرى. هذا السؤال هو المفتاح العاطفي للنص كله، لأنه يختصر ما فقدته الطفلة في لحظة واحدة: بيتها، وجدارتها في اختيار مصيرها، وصديقتها، وعالمها الصغير الذي كان يبدو آمناً ومستقراً.

أما العنوان "حنين متى تعودين؟" فيحمل أكثر من دلالة. فالحنين اسم الشخصية، لكنه في الوقت نفسه إحالة إلى الشعور الذي يهيمن على النص؛ أي التوق إلى العودة واستعادة ما سلب. وهكذا تتداخل دلالة الاسم مع دلالة الشعور، ليصبح العنوان عتبة نصية تفتح باب التأويل.

ومع ذلك فإن النص يطرح ملاحظة نقدية تتص

بالبناء الفني: فالمادة الإنسانية غنية ومؤثرة، لكن بعض المواضع تميل إلى الشرح المباشر وتأكيد الموقف الأخلاقي، بينما كان يمكن ترك مساحة أكبر للحوار والتفاصيل الحسية كي تكشف الشخصيات عن نفسها من خلال أفعالها. كما أن الانتقال من الحياة اليومية إلى التهجير كان سيزداد تأثيراً لو أُحكم إيقاعه السردي مع منح لحظة الفراق بين حنين وليلى حضوراً مشهدياً أوسع.

هذه ملاحظات لا تنتقص من القيمة الإنسانية للنص بل تشير إلى إمكانات فنية يمكن تطويرها، بحيث تتولى التفاصيل السردية نقل المأساة بدلاً من الاعتماد المتكرر على التفسير والتأكيد.

في المحصلة، تقدم "حنين متى تعودين؟" نموذجاً للكتابة التي تستعيد تجربة شخصية لتكشف عن جرح اجتماعي وتاريخي أوسع. فالذاكرة الفردية تتحول هنا إلى شهادة على مجتمع كان قادراً على احتضان اختلافاته، وعلى مأساة التهجير التي قطعت الروابط الإنسانية وأجبرت الناس على مغادرة أماكنهم وذكرياتهم.

بين استعادة الماضي وتوثيق التجربة الإنسانية

بشرى عبد الأمير في «من الجدير ذكره».. سرديات الذاكرة ووجع الوطن ودهشة المكان

ثانياً: "متنفس معرفي".. من دهشة المكان إلى مساءلة التاريخ

إذا كان النموذج الأول يستعيد مكاناً عراقياً من خلال ذاكرة الطفولة، فإن "متنفس معرفي" ينطلق من تجربة السفر، ويتخذ من زيارة الأماكن التاريخية والمتاحف في إنجلترا وسيلة للتأمل في العلاقة بين المكان والذاكرة والتاريخ.

تبدأ الكاتبة بإعلان ميلها إلى زيارة المدن القديمة، فتقول:

"تستهويـني زيارة الأماكن والمدن القديمة ذات الطابع التاريخي الضاربة في القدم.. أعشق رائحة العراقة، فزيارة تلك البلدان سياحة ومتعة معرفية".

تكشف هذه العبارة عن موقف يتجاوز السياحة بمعناها الاستهلاكي؛ فالمكان بالنسبة إليها ليس مشهداً يمر أمام العين، بل مصدر للمعرفة، ونافذة تطل منها على حضارات وثقافات وتجارب إنسانية متعاقبة.

غير أن هذه المتعة المعرفية تستدعي في ذاكرتها صورة العراق، وما تعرض له من نهب وتخريب وإهمال طال آثاره وتراثه. وهنا تنتقل الكاتبة من وصف تجربتها في الخارج إلى عقد مقارنة بين الاهتمام بالموروث التاريخي في بعض البلدان الأوروبية وبين ما آل إليه التراث العراقي من ضياع وإهمال.

تؤدي هذه المقارنة وظيفة وجدانية ونقدية في آن واحد؛ فمشاهدة آثار الآخرين لا تنفصل عن استحضار ما يملكه العراق من إرث حضاري وما تعرض له هذا الإرث من أضرار. وبذلك يصبح السفر وسيلة لإعادة اكتشاف الوطن من خارجه وتتحول المسافة الجغرافية إلى فرصة لمساءلة الواقع العراقي.

لكن أهم ما في النص هو انتقاله من التأمل العام إلى الحكاية المباشرة. ففي أحد أزقة لندن القديمة، تتيه الكاتبة ومرافقوها أثناء بحثهم عن محطة القطار ويقودهم الفضول إلى متحف لأدوات التعذيب التي استُخدمت في العصور الوسطى.

تصف المكان بعبارات تنقل شعورها بالنفور والخوف، وتشير إلى المجسمات المرعبة والسجون القديمة وطرق التعذيب المعروضة أمام الزوار. ثم تعلق بعبارة ساخرة:

"بفلوسك تقهر نفسك!"

هذه العبارة القصيرة تختصر مفارقة المشهد؛ فالزائر يدفع المال ليدخل مكاناً يستحضر العنف والألم ثم يتحول التعذيب التاريخي إلى مادة للفرجة والاستثمار السياحي. وتستثمر الكاتبة المفارقة لتكشف اختلاف الاستجابات تجاه الماضي: فهي تنفر من الأصوات والروائح والمشاهد، بينما يبدو بعض الزوار مستمتعين بما يرونه.

من الناحية الأسلوبية، يعتمد هذا المقطع على السرد المشهدي والمفارقة الساخرة. فبدلاً من تقديم رأي نظري في استثمار التاريخ تنقل الكاتبة تجربة عايشتها وتترك للمشهد أن يثير السؤال: هل يكفي عرض الماضي في المتاحف كي نفهم مآسيه أم أن تحويل العنف إلى مادة للترفيه قد يفرغه من دلالته الإنسانية؟

ومع ذلك، لا ينبغي التعميم في الحكم على زوار المتحف؛ فمشاهدة هذه المعروضات قد تكون بدافع التعلم وفهم تاريخ التعذيب، لا الاستمتاع به بالضرورة. وهنا كان يمكن للنص أن يميز بوضوح أكبر بين الغرض التوثيقي للمتحف وبين تحويل المعاناة إلى فرجة تجارية لكي تصبح المفارقة النقدية أكثر دقة.

بعد هذه التجربة، تنتقل الكاتبة إلى زيارة مدينة بورتسموث الإنجليزية حيث تتوقف عند متحف يضم مقتنيات مرتبطة بالكاتب تشارلز ديكنز، صاحب رواية «أوليفر تويست». وتستعيد معرفتها المبكرة بهذه الرواية من خلال الفيلم والرسوم المتحركة، فتتداخل الذاكرة الشخصية مع الذاكرة الأدبية.

إن حضور ديكنز ليس مجرد معلومة ثقافية عابرة؛ فالكاتبة تربط المقتنيات المادية بعالم الرواية، وتستحضر من خلالها صورة المجتمع الذي عاش فيه الكاتب، وما عرفه من تفاوت طبقي ومعاناة اجتماعية. ومن هنا يكتسب المتحف دلالته إذ لا تتحدد قيمته بحجم مقتنياته أو فخامتها بل بما تتيحه من اتصال بين الأشياء والتاريخ والأدب.

وتتسع المشاهد لتشمل صوراً من الحرب العالمية الثانية ويوميات سكان المدينة الساحلية والصيادين والأطفال الذين يلعبون على الشاطئ، والأم التي تعتني بطفلها بعد انتهاء اللعب. ويبدو أن الكاتبة معنية هنا بالتفاصيل الصغيرة التي تحفظ حياة الناس العاديين لا بالوقائع العسكرية والسياسية الكبرى وحدها.

فصورة الأم وهي تبدل ملابس طفلها المبللة تنقل التاريخ من مستوى الأحداث العامة إلى مستوى الحياة اليومية. والحرب التي يمكن أن تُروى بالأرقام والمعارك تظهر في المقابل من خلال تفاصيل الحياة التي تستمر أو تتعرض للتهديد.

وهذه إحدى النقاط التي تمنح النص قيمة إنسانية إذ لا ترى الكاتبة التاريخ في الآثار والمتاحف وحدها بل في الصور والملابس والأشياء الصغيرة التي احتفظت بآثار أصحابها. فالموروث ليس أبنية صامتة وإنما حياة بشرية تركت شواهدها في المكان.

أما الملاحظة النقدية الأساسية على "متنفس معرفي" فتتعلق بتعدد مساراته. فهو يجمع بين وصف الرحلة والتأمل في التراث العراقي ومتحف التعذيب ومقتنيات ديكنز وصور الحرب والحياة اليومية. وهذا التنوع يثري المادة، لكنه يجعل النص أقرب إلى سلسلة من المشاهد والانطباعات المتجاورة أحياناً بدلاً من انتظامها جميعاً حول فكرة مركزية واضحة.

كان من الممكن تعزيز وحدته الفنية من خلال إبراز العلاقة التي تجمع هذه المشاهد: كيف تحفظ المجتمعات ذاكرتها؟ وكيف تتعامل مع ماضيها، سواء أكان مجيداً أم مؤلماً؟ وما الذي يجعل الأشياء والمقتنيات شواهد على حياة الإنسان؟

إن بناء رابط أوضح بين هذه الأسئلة كان سيمنح النص تماسكاً أكبر، ويحول الرحلة من تسجيل للمشاهدات إلى تجربة فكرية متكاملة.

مقارنة النموذجين: اختلاف المكان ووحدة الرؤية

يكشف النموذجان عن جانبين من تجربة بشرى عبد الأمير في الكتابة. ففي "حنين متى تعودين؟" تتجه الذاكرة إلى الداخل نحو الطفولة والبيت والصداقة والتهجير، بينما تنفتح في "متنفس معرفي" على الخارج من خلال السفر والمتاحف والآثار ومشاهد الحياة في المدن الأوروبية.

ومع اختلاف الموضوعين، تلتقي الكاتبة في كليهما عند الإنسان بوصفه محور التجربة. ففي النص الأول يظهر الإنسان من خلال العلاقات الاجتماعية التي مزقها التهجير، وفي الثاني يظهر من خلال ما تركه في المكان من آثار ومقتنيات وصور وما تكشفه تلك الشواهد عن تجاربه التاريخية.

ويختلف البناء السردي بينهما أيضاً؛ إذ يقوم النموذج الأول على شخصية مركزية هي حنين، وعلى حدث مفصلي يغير مسار حياتها، الأمر الذي يمنحه تماسكاً حكائياً واضحاً. أما النموذج الثاني فيعتمد على انتقالات متتابعة بين الأمكنة والمشاهد وتربط بينها شخصية الكاتبة وانطباعاتها وتأملاتها.

أما على مستوى اللغة، فتتجه الكاتبة في النموذج الأول إلى التعبير العاطفي واستثمار المفارقة بين الألفة والقسوة، بينما تميل في النموذج الثاني إلى الوصف المباشر والتعليق الثقافي والسخرية. وفي الحالتين تحضر الذات الكاتبة لكنها لا تظهر بالطريقة نفسها: ففي الأولى تتراجع نسبياً خلف الشخصية والحدث، وفي الثانية تتقدم لتكون شاهدة على المكان ومفسرة لما تراه.

ومن المهم هنا ألا نخلط بين حضور التجربة الشخصية وبين التطابق الكامل بين النص والواقع؛ فالمذكرات قد تنطلق من وقائع عاشها الكاتب لكنها تظل خاضعة للاختيار والتذكر وإعادة التشكيل. لذلك ينبغي قراءة هذه النصوص بوصفها كتابة أدبية تستثمر الذاكرة، لا بوصفها سجلاً توثيقياً محايداً لكل ما حدث.

*خاتمة: ما الذي يستحق أن نذكره؟

يقدم كتاب "من الجدير ذكره" تجربة كتابية تجمع بين المذكرات والسرديات واليوميات والمشاهدات وتكشف عن رغبة بشرى عبد الأمير في الاحتفاظ بما تركته الحياة في ذاكرتها من أحداث وانطباعات. وتكمن أهمية هذه التجربة في أن الكاتبة لا تحصر اهتمامها في سيرتها الخاصة، بل تجعل من تجاربها مدخلاً إلى قضايا أوسع تتصل بالوطن والهوية والتعايش والذاكرة والتراث.

ويبرز النموذجان المختاران قدرتها على التقاط التفاصيل الإنسانية، سواء أكانت سترة صوفية تتخلى عنها طفلة لمصلحة صديقتها، أم مقتنيات قديمة تستعيد حياة كاتب، أم صورة أم تعتني بطفلها على شاطئ البحر. فالتفاصيل الصغيرة قد تحمل أحياناً ما تعجز الأحداث الكبرى عن التعبير عنه.

لكن القيمة الإنسانية للمادة لا تعفيها من متطلبات البناء الفني؛ إذ يحتاج النص إلى إحكام الانتقالات، وتخفيف الشرح المباشر حين تكون الصورة قادرة على أداء المعنى، وربط المشاهد المتعددة بفكرة مركزية واضحة. فالمذكرات الناجحة لا تكتفي بأن تخبرنا بما عاشه الكاتب أو شاهده بل تمنح التجربة شكلاً أدبياً يجعلها جديرة بأن تقرأ من جديد.

ولعل السؤال الذي يطرحه عنوان الكتاب يتجاوز اختيار الكاتبة لما يستحق الذكر، ليصل إلى سؤال أوسع: ما الذي يبقى من حياة الإنسان بعد مرور الزمن؟ ربما تبقى صورة بيت غادرناه قسراً، أو صداقة لم يتمكن الفراق من محوها، أو أثر تاريخي حفظته الذاكرة، أو مشهد عابر أعاد إلينا معنى الوطن والإنسان.

هكذا تصبح الكتابة مقاومة للنسيان ويغدو التدوين محاولة لاستعادة ما تفرق من شظايا الحياة ومنحها معنى يتجاوز اللحظة التي وقعت فيها. وفي هذا تكمن قيمة "من الجدير ذكره": إنه لا يجمع أحداثاً ومشاهد فحسب، بل يحاول أن يحفظ ما يستحق البقاء من ذاكرة الإنسان والمكان.

مشاركة:

آخر تحديث: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٣:٠٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عندما تفتننا البلاغة بالقبح:

قراءة ثقافية في كتاب«جماليات القبح في الشعر العربي» للدكتورة سرى ظافر سلمان
قراءات

عندما تفتننا البلاغة بالقبح: قراءة ثقافية في كتاب«جماليات القبح في الشعر العربي» للدكتورة سرى ظافر سلمان

ليس كل ما يثير الإعجاب جميلاً في جوهره، وليس كل ما يستميل الذائقة يستحق الاحتفاء به أخلاقياً. فقد يحدث أن نقف أمام قصيدة تأسرنا بإيقاعها، وتدهشنا بصورها، وتستدرجنا بلاغتها إلى أقصى درجات الانفعال، بينما تختبئ بين أبياتها أفكار تحتفي بالعنف، أو تمجّد الاستعلاء، أو تنتقص من الآخر، أو تختزل المرأة في…

· 9 د
المأزق المعرفي وسقوط  الأقنعة الطبقية

قراءة نقدية في قصة "داخل بالون القلق" للكاتب محمد فيض خالد
قراءات

المأزق المعرفي وسقوط  الأقنعة الطبقية قراءة نقدية في قصة "داخل بالون القلق" للكاتب محمد فيض خالد

تشكل القصة القصيرة في متنها الحديث أداة تشريحية للمسكوت عنه اجتماعيًا ونفسيًا، حيث يتجاوز الحدث العابر حدوده السردية المباشرة ليتحول إلى مرآة كاشفة لتناقضات المجتمع. وفي قصة "داخل بالون القلق" للكاتب محمد فيض خالد، الصادرة في جريدة المصري اليوم، نجد أنفسنا أمام نص محكم البناء، يمزج ببراعة بين…

· 3 د
العراق بين الجهاد والتمذهب السياسي

قراءة نقدية في كتاب الدكتور نضير الخزرجي (المرجعية الدينية في نصف قرن)
قراءات

العراق بين الجهاد والتمذهب السياسي قراءة نقدية في كتاب الدكتور نضير الخزرجي (المرجعية الدينية في نصف قرن)

ما قبل النقد: التاريخ بين التوثيق والتأويل يقدّم الدكتور نضير الخزرجي في كتابه "المرجعية الدينية في نصف قرن: عراق حر بلا تمذهب سياسي"، الصادر عن دار لندن للطباعة والنشر عام 2026، محاولة لقراءة نشاط المرجعية الدينية ومواقفها في العراق خلال المدة الممتدة من عام 1920 إلى عام 1970. يقع الكتاب في 165…

· 4 د