عد النص المسرحي اللبنة الأساس التي يشيد عليها العرض المسرحي ، وبرغم ان مرحلة ما بعد الحداثة قد استغنت عن النص وتم الاعتماد على الارتجال ، أو ترك الحرية للمخرج المسرحي ان يؤلف العرض ، عندها راح المخرجين يتبارون في تأسيس اساليبهم الاخراجية وفق رؤاهم ، فمنهم من اخذ فكرة او جملة من نص عالمي كأن يكون ( لشكسبير او ابسن او تشيخوف ، ... إلخ .) وراح يؤسس عليها عرضاً بأكمله ، لكن يبقى ان هناك حواراً مسموعاً وما دام هناك ذلك الحوار المسموع على خشبة المسرح ، فهذا يدلل على ان هناك نصاً مسرحياً ، فالنص المسرح هو روح العرض وحامل لرسالة المؤلف والتي سيتوائم ويتفاعل معها بعلاقة كيميائية ذلك المخرج دون غيره ، لينتج حياة مسرحية هادفة .
ان مجموعة النصوص المسرحية ( مطر يابس ) للكاتب المسرحي ( جاسم المنصوري ) هي المجموعة الثانية بعد مجوعته الأولى ( بزازين ) ، وقد احتوت على ثمانية نصوص مسرحية .
اذ يتمحور النص الاول والذي حمل عنوان ( قربان ) الظلم بأبعاده الروحية والبايلوجية ، أذ يتجسّد حواراً فلسفيا ً بين ( قابيل وهابيل ) يناقش عدداً من القيم منها الحسد الذي يعد مأساة العصر فهو اساس كل ما يمر به العالم من وضاعة وتراجع على كافة الأصعدة ، ورمزية هذا النص تكمن في اختيار رمزا الظلم منذ فجر التاريخ ( قابيل وهابيل ) وقصتهما المعروفة ، إلا ان تلك القصة ما زالت تتكرر بصور متعددة ، فالقتل المجاني مستمر بصور واشكال متعددة واصناف متطورة ايضاً ، فتارةً ( وباء ) وتارةً اخرى هجوم كوني على دول ، او ارهاب ، او تجويع ... إلخ . من فنون الموت .
ان نص ( قربان ) يعد صرخة ضد الواقع المريض والمجتمع اليائس البائس ، ومن خلال تلك الصرخة يدعو كاتبنا ( جاسم المنصوري ) الضمير الإنساني عله ينهض من سباته .
استخدم ( المنصوري ) صوتاً ورجل طاعن في السن ، يائس ليضبط ايقاع العرض وكأنه ( جوكر ) ( اوجست بوال ) فوجود الصوت في العرض يشّد انتباه الجمهور ويحافظ على يقظته ، من اجل التركيز على مسار الحدث والذروات .
اما في النص الثاني ( مطر يابس ) وهي ( مونودراما ) ناقش بها كاتبنا ( المنصوري ) عدداً من المفردات مثل ( مطر يابس ، مانيكان ، ابن افتراضي ، السياسيين ، السجن ، الموت المجاني ، العفة ، الشرف ) تضمن النص حواراً بين الصوت ، والفتاة ، حيث ان الصوت بخطابه العقلاني والمحرض والمستفز لوعي الفتاة والمتلقي ، اذا ان اجوبته تثير تساؤلات ، المتلقي ، وبنفس الوقت ان خطابه مغلف باليأس والتشاؤم ، اما خطاب الفتاة فكان يمثل الوعي النقدي للواقع عبر امتلاكها حجة المنطق والإرادة ، وبهذا شكلا معاً صراعاً فكرياً متوازناً .
الفكرة العامة : فتاة تناقش الواقع بكافة ارهاصاته ومتغيراته الناتجة بفعل السياسات الجائرة ، فتناقش الافعال الاجتماعية وظلم المرأة والنظرة الدونية لها ، وتنتقد ذلك المجتمع الذي لا يرى في المرأة سوى جثة جميلة لتفريغ شهوته ليس إلا .
ان جميع المؤشرات الواردة في النص لخصت بمطر يابس ، ذلك المطر الذي يفترض ان يكون رمزاً للنقاء وغسل الذنوب كما كانت تحكي الجدات ، وتعبير عن الخير ، إلا انه وبفعل الظلم بات يابساً يبلل الاجساد ليس إلا ، وانه بات تعبيراً على توقف الخير في المجتمع بسبب طغيان الانانية والكراهية وسيادتها فتيبست المشاعر وتيبس معها كل شيء .
النص الثالث ( الناجي ) وهو مونودراما ، يناقش القضية الحسينية والتضحية الكبرى وربطها مع الواقع الآني ، اذ تبرز الدعوة والتحريض للتحرك ضد الفساد والظلم وتدعيم ذلك التحرك بوقوف الإمام ( الحسين ) ضد الظلم والطغيان .
النص الرابع حمل عنوان ( تراب مر ) بالغ به كاتبنا ( المنصوري ) في السرد في حين ان النص المسرحي يجب ان يعتمد لغة الافعال لا السرد ، حيث يدور حواراً بين الفلاح والممثلة غير مترابط يحيلنا إلى حوارات ( هارود بنتر ) في مسرحيته ( اللوحة ) فهي توصل الفكرة إلى المتلقي بطريقة الإشارات في الحوارات المتقطعة والمتقاطعة فيما بينها ، اذ ان الفلاح يتحدث مع نفسه والممثلة تتحدث مع نفسها ليشتركان في توجيه فكر المتلقي إلى مكان ما ، يرومه الكاتب ، كما ان المحور الرئيسي في النص كان ( الخاتم ) وقد يكون تجسيد للثقة والتي ارادها السياسي والمخلص بالنسبة للمرأة وإلى الشهيد .
ام النص الخامس فقد حمل عنوان ( العطش بتوقيت الكوفة ) ، حيث استخدم كاتبنا تداخلاً بين الحدث التاريخي والواقع الحالي ، فرمزية العطش امتدت منذ واقعة ( الطف ) إلى يومنا هذا ، وهنا العطش ليس بمعناه المباشر بل بمعناه الرمزي ، فالواقع الحالي يعيش ازمات العطش الروحي على جميع الأصعدة والحاجة ، فالواقع يعاكس أي حالة من حالات للرخاء للغالبية .
النص السادس ( طاعون ) نصاً تاريخياً حقق ( المنصوري ) من خلاله حركة فكرية ممكن ان تنعش وعي القارئ والمتلقي للعرض المسرحي ، فقد اثار ذاكرته ويقظته ودعاه للترقب من خلال التداخل الزمني الذي زج به ( عبد الرحمن بن ملجم ) و( الراوي ) حيث جاء ( عبدالرحمن بن ملجم) من الماضي إلى الحاضر في المشهد الأول ، ثم عاد به إلى الماضي ومعه الراوي في المشهد الثاني ، ان مثل تلك التقنيات تحقق انتقالة على مستوى التفكير ووعي التلقي عبر الخروج عن المألوف على مستوى مسار الحدث وتقنية المعالجة ، لكنها تنتج اقناع بمكنون البذرة المسرحية .
النص السابع ( دفن ) تتلخص فكرته حول شخصية رجلان يعملان على دفن الموتى ، وبسبب الملل يقترح احدهما ان يلعبان لعبة ، وهي حفر قبر ليدفنا فيه السلبيات التي اثرت وتؤثر على حياتهما ، وايضاً يرميان جميع الامراض الاجتماعية والسياسية والنفسية ...إلخ . لتدفن دون عودة ، قد يصنف هذا النص ضمن مسرح ( اللامعقول ) فهو لا معقول ومعقوليته تكمن برمزية القبر ، أي انه يمثل التجاهل لكل الأفكار الذكريات السلبية والتي بوجودها في الفكر والوعي تؤثر سلباً على استمرار الحياة ، ليحل محلها الفعل الإيجابي والذي من شأنه الدفع باتجاه السمو والرفعة .

اما النص الثامن والأخير ( فجر هذه الليلة ) وهو ( مونودراما ) وهو يدرج ضمن النصوص التاريخية فمحوره هو شخصية ( ابو عبدالملك مروان الثاني بن محمد ) ذلك الملك الظالم الطاغي الذي يهرب من الجميع لكن يدرك مصيره المحتوم الا وهو القتل .
عادةً في النصوص التاريخية عند مناقشتها على خشبة المسرح يفترض ان تكون هناك ضرورة قصوى ، وهذه الضرورة تفرض على الكاتب تحديثاً لذلك النص ليكون لساناً معبراً على المرحلة الآنية وبيئة الكاتب على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ... إلخ . وهذا الربط لا يعني الانسلاخ من التاريخانية للنص بل زج الومضات بين مسار حوارات بمسحات محدثة ليحقق النص المسرحي صوتاً موحداً بين الماضي والحاضر ، من خلال اثارة وعي المتلقي ودعوته للمقارنة بين الزمنين ، وفي هذا النص تحقق مقطعاً قصيراً ضمن الحوار كنت اتمنى ان يتكرر هذا الاشتغال بأكثر من مكان ، وهو الصوت رقم ( 3 ) مع مروان عندما يقول له الصوت ( ابحث في تاريخك يا هذا ، ..... ، فتش عن لحظة صدق ، ابحث في داخلك عن موقف ازالة لكرب ، اغاثة مظلوم ، ابحث عن نقطة ضوء انرت بها ليل المساكين والفقراء ) صفحة ( 154155 ) .
الا اني ارى في هذا النص كثافة في حركة الافعال الافتراضية ، والتي تعطي مساحة واسعة ومطلقة للمخرج للعمل والابتكار ، وقد يكون هذا النص الاوفر حظاً بين نصوص هذه المجموعة من ناحية كثافة الافعال والمتغيرات .
التقنية الكتابية : عادة المنجز المسرحي او الشعري او القصصي ، لا يحتمل التكرار في الكيفية ، بل يعتمد ( الجدة ) في المعالجة ، لا سيما كتابة النص المسرحي ، فمثلاً في كتابنا هذا ( مطر يابس ) احتوى على ثمان نصوص ، ستة منها احتوت على تقنية متشابهة الا وهي وجود ( الصوت ) في حين ينبغي ان يكون استخدامه لمرة واحد وفي نص واحد فقط ، ويمكن الاستعاضة عنه بالفلاش باك ، الشبح ، ... إلخ . من التقنيات التي للكاتب مطلق الحرية بابتكارها مع النصوص الاخرى لتحقق تنوعاً جديداً في المعالجة .
ففي الكتاب المسرحي الواحد يفتض ان تكون المغايرة ليس على مستوى الفكرة فقد بل في المعالجة وهي الاهم ، لأن ان النص المسرحي يعتمد التكثيف ولغة الفعل لا السرد كما في الرواية او القصة ، فالكتابة المسرحية محكومة بضرورات الخشبة المسرحية وتقنياتها وعناصرها ، والاهم هو وضع المتلقي ، النص المسرحي المقل بالأفعال يعد نصاً مترهلاً وقد يدعو المخرج للحذف أو الإضافة واحياناً الأعداد أو رفض النص اذا شعر انه غير قادر على تحقيق فعل درامي .
كما ان مجموعة نصوص (مطر يابس) احتوت على نصوص منوعة على صعيد التوجه ، فهناك نصوص اجتماعية وهناك نصوص طغى عليها الطابع الديني وهي الاغلب ، كنت اتمنى ان تجمع النصوص الدينية بكتاب منفصل والنصوص الاجتماعية في كتاباً آخر ، لتأخذ حقها في الدراسة والبحث العلمي ، لا سيما وان ذلك التصنيف سيفرض على الكاتب لا ارادياً ان يراعي التنوع في المعالجة بصورة اكثر دقة ، من حيث استخدام تقنيات متعددة ، في الكتاب الواحد .
في جميع النصوص هناك كثرة في الاستشهادات سواءً لأقوال فلاسفة او أبيات شعرية لشعراء ، حتى انها تكررت لأكثر من مرة في النص الواحد ، وهذا يضعف من قيمة النص ، فكاتب النص يمتلك فلسفته الخاصة وحكمته التي يروم ايصالها ، بأدواته ، ولا داعي لتعزيزها بأقوال لآخرين ، لا سيما وان كاتبنا ( المنصوري ) هو شاعراً في الأصل ، فلو كان قد استشهد بأبيات شعرية من تأليفه لكانت ابلغ ، لأنها ستحقق خصوصيته ، فـ(شكسبير) لم يستشهد في نصوصه الا ما ندر ببعض الملاحم او ببيت شعري للضرورة القصوى وتعد على اصابع اليد الواحدة في جميع نصوصه التي وصلتنا .
اليأس : كان العنصر المهيمن على هذه النصوص بأجمعها ، وقد ووظفه الكاتب ( جاسم المنصوري ) بحرفية عالية ، من خلال ما يسمى بتحريض العكس ، أي ان طغيان صوت اليأس في المعالجات المسرحية لا يدعوا المتلقي إلى اليأس ، بل يكون خطابه عكسي ، أي انه سينفذ إلى نفس المتلقي ويدعوه للمقارنة واستنهاضه للتحرك ورفض المسبب الاساسي لليأس وعل كافة المستويات ، فاليأس يجسد الضعف ومن خلال التركيز عليه يعطي تأثيراً عكسياً مستفزاً لوعي المتلقي ، ومن خلال الاقناع والتأثير يتم التحريض وصولاً إلى التحرك الآني ام المستقبلي للتغير الواقع .
فعلى المستوى السايكولوجي يكون اليأس بمعنى رفض المقابل ، لأن الشخص قد وصل إلى حالة من فهم المقابل دعته إلى اتخاذ قراراته برفض جميع خطاباته لأنها باتت مكشوفة لذلك الشخص اليائس ، وفي المسرح عند تجسيد ذلك الخطاب اليائس ، فأنه يكون معبراً عن ذلك المتفرج الجالس في الصالة والذي جاء بحثاً للخلاص من هموم يومه ، وبالتالي عندما ترسل له رسالة بانه يائس ، فانه سيعيش حالة التحدي ، وهو ما اراده (المنصوري).
اللغة : استخدم كاتبنا اللغة الجزلة البسيطة البعيدة عن المصطلحات البلاغية والمبالغات الشعرية ، الا انه زج بعض الكلمات الشعبية في نصوصه لم تحقق شيئاً على المستوى الدرامي ، لان الكلمات الشعبية المستخدمة في النصوص المسرحية يفترض ان تكون ( غستوس ) متفق عليه على المستوى الجمعي للبيئة المستهدفة ، كما يفترض ان تكون داعمة للذروة الرئيسية للنص او الذروات الثانوية ، لكن اقحام تلك المصطلحات الشعبية بين الحين والآخر تؤثر على مستوى الخطاب وتؤثر على وحدته وتكامليته .







التعليقات