تقوم قصة "غَزلُ الجُوع" للكاتب كرم الصباغ على مفارقة سردية شديدة الكثافة، تتجاور فيها مظاهر الاحتفال الانتخابي مع مشهد الفقر، وتتقابل موائد أصحاب النفوذ مع بطون الأطفال الخاوية، حتى يصبح الجوع في النهاية أقوى من الصورة، وأقوى من الخطاب الانتخابي، وأقوى من الوعود التي تملأ فضاء النجع.
في مشهد سينمائي عامر بالحركة يذكرنا بأفلام القدير صلاح أبوسيف .
ومن هنا لا تقدم القصة حكاية عن موسم انتخابي فحسب، وإنما تنفذ من الحدث السياسي إلى ما هو أعمق العلاقة المختلة بين السلطة والحاجة، وبين الوعد والواقع، وبين من يملك ومن لا يملك إلا جوعه.
"غزلُ الجوع" عنوان ينهض على المفارقة ؛ فـ"الغزل" هنا هو فعلُ تحويل الألياف إلى خيوط، بما يحمله من معنى النسج والتكوين والتشابك، بينما يأتي "الجوع" بوصفه حالةً من النقص والاحتياج. ومن هذا التجاور يتولد معنى كثيف من تشبيه المحسوس بالملموس فالجوع نفسه يُغزل، ويُحوَّل من إحساس داخلي مبهم إلى خيطٍ قابل للامتداد والتشابك والتكوين وربما الالتفاف ح ل أعماق الفقراء .
وهنا تكمن جمالية العنوان في أنه لا يصف الجوع مباشرة، وإنما يمنحه ملمسًا ماديًا وبصريًا؛ يحوّله من إحساس إلى نسيج، ومن فراغ إلى خيط، ومن حاجة إلى شيء يمكن الإمساك به ونسجه.

ليطرح العنوان سؤالا مفاده ماهو غزل الجوع ؟ وكيف يكون للجوع غزل ؟
ويختار الصباغ النجع فضاءً محدودًا ومغلقًا نسبيًا، ليجعله نموذجًا مصغرًا لمجتمع تتشابك فيه السياسة بالقبيلة والعائلة والقرابة والمصلحة. المكان هنا ليس خلفية محايدة للأحداث، وإنما بنية دلالية تكشف التفاوت الاجتماعي؛ فالموكب يعبر الساحة، والناس يخرجون من الدور الطينية الواطئة، بينما يقف النائب في داره الشاهقة الرحبة، وتتحول المسافة المكانية بين البيوت المتواضعة ودار النائب إلى مسافة طبقية واضحة.
أما الزمن، فيرتبط بموسم انتخابي دوري لا يتكرر إلا بعد سنوات، فيصبح حدثًا استثنائيًا ينتظره الناس، لكنه لا يحمل في جوهره وعدًا حقيقيًا بتغيير حياتهم. وهذه مفارقة زمنية مهمة: الانتخابات تأتي وتذهب، أما الجوع فيبقى. وقد أسهم التركيز الزمني، الذي لا يتجاوز الموسم واليوم التالي له، في تكثيف الحكاية ومنعها من التشتت في مسارات فرعية.
في ظاهرها، تبدو الحكاية بسيطة، يحل موسم الانتخابات، فتنتشر صور النائب، وتقام الزفة، وتتحرك الخيول والسيارات، وتتعالى مكبرات الصوت، بينما يطارد الأطفال الفقراء الموكب بأجساد هزيلة وثياب متسخة. ثم ينتقل السرد إلى دار النائب، حيث الموائد الممتدة واللحوم والفاكهة والمشروبات والتبغ المستورد، فيجتمع الوجهاء لعقد الولاءات وتبادل الوعود. وفي الليل يخرج سبعة من عامة أهل النجع لسرقة اللافتات، ثم يحولونها إلى ملابس تستر أجسادهم.، لكن هذا الحدث البسيط يخفي صراعًا أعمق بين عالم السلطة والوفرة وعالم الجوع والحرمان. ولهذا لا تحتاج القصة إلى بطل فردي تقليدي؛ فالبطل الحقيقي هو الجماعة المهمشة، والجوع نفسه هو القوة المحركة للأحداث.
وتأتي الشخصيات في معظمها بوصفها نماذج اجتماعية ذات وظائف دلالية أكثر من كونها شخصيات سيكولوجية مكتملة. فالنائب يمثل السلطة والثروة والقدرة على استمالة الناس، والوجهاء يمثلون شبكة المصالح التي تمنح السلطة شرعيتها الاجتماعية، بينما يمثل الأطفال وعامة أهل النجع الطرف الذي يدفع ثمن هذه العلاقة المختلة. وحين يقول الكاتب عن النائب إنه "جد خبير بمفاتيح القلوب"، فإنه يختصر آلية الشخصية كلها؛ فالرجل لا يحتاج إلى برنامج سياسي بقدر حاجته إلى المائدة والوعود وما يحيط بها من عسل وزبد.
وتتحول المائدة بذلك إلى خطاب انتخابي بديل. فالطعام ليس مجرد تفصيل في المشهد، وإنما وسيلة لإنتاج الولاء واستمالة الأصوات. وفي مقابلها تقف بطون الأطفال الخاوية. وهنا ينجح الكاتب في بناء مفارقة اجتماعية لا تحتاج إلى خطاب مباشر،أجساد هزيلة في مواجهة لحوم الضأن والماعز والنعام والديك الرومي، وملابس متسخة في مواجهة العباءات الفاخرة، وبطون جائعة في مواجهة بطون تغادر المائدة «عامرة».
وهذا الاختيار يتفق مع طبيعة القصة القصيرة التي تحتاج إلى لحظة إنسانية أو موقف مكثف قادر على اختزال عالم كامل. إلا أن غياب الشخصية المحورية المحددة له وجهان.. فهو يمنح القصة بعدًا جمعيًا، لكنه في المقابل يحرمها من إمكانية التوغل النفسي في شخصية واحدة. فلو امتلك أحد الأطفال أو أحد السبعة حضورًا أكثر تحديدًا، ربما اكتسبت المأساة بعدًا وجدانيًا أعمق.
ويؤدي الوصف في هذه المشاهد وظيفة تتجاوز الجمال إلى الفضح الاجتماعي. فالغبار والخيول والطبول والملابس والأجساد والطعام والروائح كلها تفاصيل حسية تجعل التفاوت الطبقي مرئيًا ومحسوسًا. ومع ذلك، فإن كثافة الوصف تمثل إحدى النقاط التي يمكن للنص أن يستفيد فيها من مزيد من الاقتصاد؛ فمشهد الوليمة، على سبيل المثال، يؤدي وظيفته الرمزية مبكرًا، وقد لا يحتاج إلى كل هذا التفصيل في أصناف الطعام والشراب. وفي القصة القصيرة، لا تقل قيمة الحذف عن قيمة الإضافة؛ لأن الصورة الأقوى تحتاج إلى مساحة كي تترك أثرها.
وتأتي اللغة فصيحة، مشهدية ،مشحونة بالصور والتشبيهات والاستعارات، ذات ملمس بصري وحسي واضح وممتع . إلا أنها تميل أحيانًا إلى الزخرفة البلاغية الزائدة، فتتراكم الصور في الجملة الواحدة بما قد يبطئ حركة السرد. ومع ذلك، يظل المعجم اللغوي متسقًا مع عالم القصة؛ إذ تتكرر مفردات الجوع واللحم والغبار والعرق والأجساد والملابس، فتتشكل شبكة حسية تعزز ثيمة الحرمان.
من ذلك تشبيه خروج الناس بـ«الجراد»، وتصوير الموسم كأنه «بدين يتكئ» في أرجاء النجع، وصورة اللافتات التي تتحول في النهاية إلى سراويل، وهي من أكثر صور النص نجاحًا.
ويحتل الجمل مركزًا رمزيًا بالغ الأهمية،فالجمل ليس مجرد صورة انتخابية؛ إنه يتحول إلى رمز للمرشح نفسه، وللسلطة التي يُطلب من الناس أن "يؤشروا" عليها. والجملة ذاتها ساخرة؛ لأن المرشح لا يقدم نفسه بوصفه مشروعًا سياسيًا، وإنما يتقدم في الصورة مصحوبًا بجمل منفوش، وكأن الحيوان صار جزءًا من هوية السلطة الانتخابية.
وتنبني حوله واحدة من أكثر مفارقات القصة ذكاءً فالمرشح يضع الجمل في صدارة صورته الدعائية، بينما يرى الأطفال الجائعون في هذا الجمل شيئًا آخر تمامًا؛ يرونه لحمًا.
هنا ينتقل السرد من الواقعي إلى العجائبي والمجازي؛ فالجمل الموجود في الصورة يصبح، في وعي الأطفال، جملًا قابلًا للذبح والالتهام. وهذه ليست مجرد لعبة فنية، وإنما تجسيد لقوة الجوع حين تبلغ حدًا يجعل الصورة نفسها قابلة للتحول إلى طعام. فالجائع لا يرى العالم كما يراه الممتلئ؛ إنه يعيد تفسير الأشياء وفق حاجته الأولى.
وإذا كان هذا الانتقال العجائبي يمثل جرأة فنية، فإنه يحتاج في الوقت ذاته إلى قدر أكبر من التمهيد إذا أُريد له أن يبدو جزءًا أصيلًا من منطق العالم السردي. فالمفاجأة هنا قوية، لكن زرع إشارة مبكرة إلى هذا المنظور المتخيل كان يمكن أن يجعل الانتقال أكثر سلاسة.
غير أن الرمز الأكثر اكتمالًا في القصة هو اللافتة. تبدأ بوصفها علامة على القوة والثراء والدعاية، وتنتهي بوصفها قطعة قماش تستر عورة جسد فقير. وهذا التحول من الدعاية إلى السترة من أنجح لحظات النص؛ إذ تفقد اللافتة قيمتها السياسية الوهمية، وتستعيد قيمة إنسانية مباشرة أن تستر جسدًا.
معبرة عن القيمة الحقيقية الغائبة التي ينبغي أن يعمل عليها هذا النائب وأمثاله .
ومن هنا تتضح البنية الرمزية للقصة الجمل يتحول من صورة إلى لحم ووسيلة للتلاعب بمصائر الناس ، واللافتة تتحول من دعاية إلى ثوب، والمائدة تتحول من أداة كرم إلى وسيلة استمالة، بينما يتحول الانتخاب نفسه إلى مناسبة لإعادة إنتاج علاقة قديمة بين من يملك ومن يحتاج.
والأشد قسوة أن الفقراء لا ينتصرون في النهاية بالمعنى التقليدي؛ فاللافتات لا تحل مشكلة الجوع، وإنما تستر الأجساد فقط. وهذا ما يمنح النهاية مرارتها، ويجنب القصة السقوط في النهاية الوعظية المباشرة. فالكاتب لا يقدم انتصارًا للفقراء، وإنما يقدم صورة لاختزال حاجتهم إلى أبسط شروط البقاء.
وتبلغ السخرية السوداء ذروتها في النهاية ،
بعد أن تنتهي الزفة، "يبدو النجع عاريًا بعد أن نهبت جميع لافتات النائب"، ثم يستظل الناس بأشجار التين، بينما تتحول اللافتات إلى سراويل يرتديها الفقراء. هذه النهاية لا تكتفي بإغلاق الحدث، بل تعيد تفسيره كله.
فاللافتات التي كانت بالأمس تحمل صورة النائب ووعوده، أصبحت اليوم قطعًا من القماش تستر أجساد الفقراء. وكأن الكاتب يقول إن القيمة الوحيدة التي بقيت من الخطاب الانتخابي هي ما يمكن أن يتحول إلى منفعة مادية مباشرة.
والأكثر قسوة أن هذه النهاية لا تقدم انتصارًا حقيقيًا للفقراء؛ فاللافتات لا تحل مشكلة الجوع، وإنما تستر الجسد فقط. وهنا ينجح الكاتب في تجنب النهاية الوعظية السهلة، ويترك القارئ أمام سؤال أشد قسوة.. ماذا بقي من الانتخابات بعد أن انتهى الموكب؟
حين تنقلب الصورة في المشهد الأخير، فتبدو الجمال نفسها وكأنها تعاني من فقر الإنسان، بعد أن تحولت اللافتات إلى سراويل يرتديها الفقراء. هنا ينقلب اتجاه السخرية ما كان أداة لتجميل السلطة يصبح مصدرًا لكشف بؤس المجتمع.
والقصة، في بعدها السياسي، تنتقد بوضوح استغلال الفقر في المواسم الانتخابية، لكنها لا تجعل النائب وحده مسؤولًا عن المشهد؛ فالوجهاء وشيوخ القبائل جزء من المنظومة، والطعام مقابل التأييد، والوعود مقابل الأصوات، والقرابة مقابل الولاء، كلها حلقات في شبكة واحدة من المصالح. وهكذا تتحول الانتخابات إلى طقس اجتماعي لتبادل المنافع أكثر من كونها فعلًا ديمقراطيًا قائمًا على الاختيار.
ومن اللافت كذلك أن الكاتب لا يقدم الجوع بوصفه نقصًا في الطعام فقط، وإنما بوصفه حالة تعيد صياغة الإدراك الإنساني. الأطفال لا يرون الجمل رمزًا انتخابيًا، والرجال السبعة لا يرون اللافتة شعارًا سياسيًا؛ كل طرف يرى الشيء وفق حاجته. وبذلك تصبح الأشياء في القصة ذات قيمتين: قيمة يفرضها أصحاب السلطة، وقيمة يكتشفها المهمشون من خلال أجسادهم.
في المحصلة، تنتمي "غزل الجوع" إلى القصة الاجتماعية الساخرة ذات النفس الواقعي المنفتح على العجائبي، وتستمد قوتها الأساسية من المفارقة والرمز أكثر مما تستمدها من الحبكة التقليدية. وهي قصة لا تقول إن الفقراء جائعون فحسب، وإنما تكشف كيف يمكن للجوع أن يعيد تفسير العالم كله
ولعل أبلغ ما تنتهي إليه القصة أن ما كان بالأمس شعارًا انتخابيًا فاخرًا صار في اليوم التالي قطعة قماش تستر جسدًا جائعًا. وبين الصورتين تختصر مسافة هائلة بين الوعد السياسي والحاجة الإنسانية.
إن "غزل الجوع" ليست قصة عن الانتخابات بقدر ما هي قصة عن الإنسان حين يتحول إلى رقم في موسم انتخابي، وعن مجتمع يُطلب من فقرائه أن يصفقوا لمن يملك المائدة، بينما لا يملكون هم إلا النظر إليها. وفي عالم كرم الصباغ، يبدو أن الجوع هو المرشح الوحيد الذي لا يخسر الانتخابات أبدًا؛ لأنه لا يحتاج إلى لافتة، ولا إلى مائدة، ولا إلى وعد... إنه حاضر في كل دورة انتخابية، وينتظر دائمًا أن يتحول الوعد إلى شيء يمكن أكله أو ارتداؤه.







التعليقات