انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

اللعبة التدوينية وأفق التجربة الشعرية في مجموعة "أصابع المطر" لحبيب السامر

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

14 دقائق للقراءة
29 مشاهدة
اللعبة التدوينية وأفق التجربة الشعرية في مجموعة "أصابع المطر" لحبيب السامر
مشاركة:

صنّف الشاعر حبيب السامر كتابه الشعري (أصابع المطر) على أنّه يضم قصائد لا نصوصًا شعرية، في إشارةٍ واعيةٍ إلى رغبته في الممازجة بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، بوصفهما شكلين ينتميان إلى الشعر، الذي تعدّدت تجلّياته وتنوّعت ولاداته.

ولم يأتِ هذا التصنيف بوصفه تبويبًا شكليًا فحسب، بل حمل أبعادًا دلالية وفنية عميقة تميّز مشروعه الشعري، إذ حسم الهوية الفنية للمجموعة من خلال كلمة "قصائد"، معلنًا انحيازًا صريحًا إلى مفهوم القصيدة بما تمتلكه من روح إيقاعية وكيانٍ فنيّ متكامل، في حين تُحيل كلمة "نصوص" غالبًا إلى الكتابة التجريبية أو النثرية المنفتحة على أجناسٍ أدبية متعددة، من دون التزامٍ بقالبٍ شعري محدّد.

وبذلك أراد الشاعر أن يؤكّد العمق الإيقاعي والدلالي لتجاربه، وأن يمنح أعماله طابعًا غنائيًا ونبضًا داخليًا، يتّصل بوجدان المتلقّي، متجاوزًا الحياد الدلالي الذي قد توحي به كلمة "نصوص".

كما سعى إلى التأكيد على وحدة التجربة الشعرية، فاختياره لفظة "قصائد" يمنح كل عمل شعورًا باكتمال بنائه الداخلي، ويجعله وحدةً فنية قائمة بذاتها، بينما يُنظر إلى "النصوص"" في كثير من الأحيان بوصفها مقاطع أو شظايا مفتوحة على التداعي والتشظي المستمر.

فاعلية العناوين وبداية اللعبة التدوينية

استندت اللعبة التدوينية في المجموعة إلى العناوين بوصفها مفاتيح دلالية وعتباتٍ نصيةً تؤدّي وظيفةً تأسيسيةً في بناء القصيدة، فهي لا تتسيّد النص فحسب، بل تتداخل معه وتوجّه مسارات قراءته، لتغدو جزءًا من هندسته الكلية، وعنصرًا فاعلًا في كسر استمراريته المألوفة. ويكتسب هذا الاشتغال أهميةً إضافيةً لأن عنوان المجموعة هو نفسه عنوان إحدى القصائد، وهي قصيدة تتميّز بثرائها التأويلي، الأمر الذي يجعل العنوان جزءًا من استراتيجيةٍ عنوانيةٍ شاملة، تتجاوز وظيفته التعريفية إلى وظيفةٍ بنائيةٍ وإيحائية. ويمكن رصد فاعلية هذه اللعبة العنوانية عبر عددٍ من المستويات الفنية:

أوّلًا: العنوان بوصفه عتبةً نصيةً موجِّهة، حيث لم تكن العناوين يافطاتٍ خارجيةً أو علاماتٍ تعريفيةً مجرّدة، بل جاءت عتباتٍ وثيقة الارتباط بمتن القصيدة، تفتح أفق التلقّي، وتمنح القارئ إشاراتٍ تأويليةً مبكّرة، تقوده إلى فضاءات الذاكرة، أو المكان، كما في: "التنومة" و"الحوامد"، أو إلى حالاتٍ شعوريةٍ ونفسية، كما في "غربال" و"بهجة الماء" و"عزلة السكون"، وغيرها من العناوين التي تؤسّس منذ اللحظة الأولى لمناخ القصيدة الدلالي.

ثانيًا: التناوب الضمائري وتغيير مناخات الخطاب، حيث أسهمت العناوين في كسر رتابة الخطاب الشعري من خلال التمهيد لتحوّلاتٍ مستمرّةٍ بين ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب (أنا/أنت/هو)، الأمر الذي منح القصائد طابعًا حواريًا، وجعل بعضها يقترب من فضاء المذكّرات أو الاعترافات أو الحوارات الداخلية، بحيث يغدو العنوان الشرارة الأولى التي تُطلق هذا التحول في بنية الخطاب. ويتجلّى ذلك في قصائد مثل: "عصا الخرنوب" و"الوضوح كما ينبغي" و"سيرة الألم".

ثالثًا: التشكيل البصري وبناء المشهد الشعري، حيث تتجلّى فاعلية العنوان أيضًا في علاقته بالبناء البصري للقصيدة، إذ ينسجم مع التقطيعات النصية، والمساحات البيضاء، واللغة القائمة على جدلية الصوت والصمت، بما يمنح النص بعدًا مشهديًا واضحًا، ويقرّبه من تقنيات اللقطة السينمائية أو اللوحة التشكيلية المتتابعة. ومن ثمّ لا يعود العنوان مدخلًا للقصيدة فحسب، بل يصبح المشهد الأوّل الذي تتوالد منه المشاهد اللاحقة حتى تبلغ ذروتها الدلالية. ويظهر ذلك في قصائد مثل: "جنة الغريب" و"الجسر الأسود" و"وردة حمراء".

الحقول الدلالية والثيمات الشعرية

تزخر المجموعة الشعرية بحقولٍ دلاليةٍ متعدّدةٍ وثيماتٍ متشابكة، تتولّد من فاعلية القصيدة، وتتداخل فيما بينها لتشكّل النسيج الفكري والجمالي لتجربة الشاعر السامر. ولا تبدو هذه الثيمات موضوعاتٍ منفصلة، بل تتقاطع ضمن رؤيةٍ شعريةٍ واحدة، تتّكئ على الذاكرة والوجدان والتأمّل الوجودي. ويمكن تحديد أبرز هذه الحقول على النحو الآتي:

أوّلًا: الذاكرة والطفولة والمكان الأوّل، حيث يشكّل استدعاء الذاكرة أحد أهم مرتكزات التجربة الشعرية في المجموعة، إذ يعود الشاعر إلى فضاءات الطفولة والقرية والمقبرة والريف، مستحضرًا شجر الخرنوب، والبيوت الطينية، والأصدقاء، بوصفها عناصر تؤسّس لذاكرة المكان الأوّل، وتمنحه حضوره الوجداني والرمزي. ويتجلّى ذلك في قصائد مثل: "عصا الخرنوب" و"ليل التنومة"، فضلًا عن الإشارات إلى شخصيات، تتحوّل من أسماءٍ واقعية، إلى علاماتٍ تستدعي زمنًا مضى"

" و في الطرِيقِ إلى  مدرسة الرباط

يحشر التلاميذ

أَجسادهم بين القبور

التلميذ الهارب من الدرس الأول

يسرق زهرته الأولى من المقبرة" من نص عصا الخرنوب

ثانيًا: المرأة والعشق والوجد، حيث تحضر المرأة في المجموعة بوصفها مركزًا للحنين والتأمّل، لا بوصفها موضوعًا غزليًا فحسب، إذ تتسرّب ثيمة الحب عبر عددٍ من القصائد، مثل، "بوح في لجّة الكلام" و"وردة حمراء"و"امرأة لا تشبه سواها". وتمتزج فيها مشاعر العشق بالخيبة، والانتظار بالمناجاة، لتغدو المرأة، مرآةً للذات ومجالًا لاختبار هشاشتها وأسئلتها الداخلية"

"بهدوءٍ

كأنها تنذر اليد الباسطة لها

لتزهر في المحطة الأَخيرة ،

تمنح عطرها

و تستدل بمطر ينقر نوافذنا .

الباب الأَول لكِ

 و الباب الأخير لكِ

النافذة المزهرة ببصماتنا لك " من نص وردة حمراء

ثالثًا: الموت والفجيعة والغياب، حيث تحتل ثيمة الموت مساحةً واضحةً في التجربة الشعرية، سواء من خلال استحضار المقابر والرحيل، أم عبر الإحساس بقسوة الزمن وعبثيته، فضلًا عن انعكاسات الحروب والخراب على الإنسان والمكان. ويظهر هذا الحقل في قصائد مثل "سيرة الألم" وغيرها من النصوص التي تجعل الغياب جزءًا من البنية الوجدانية للقصيدة:

ط في العام الثالث

أو في العشرين من الألم

أسجل مدونتي

وألملم حلماً شارداً

وأنهض

لأحزان لم نألفها" من نص سيرة الألم.

رابعًا: الطبيعة بوصفها معادلًا شعريًا، لا تظهر الطبيعة في المجموعة عنصرًا وصفيًا، بل تتحوّل إلى معادلٍ شعريّ للحالة النفسية، فالمطر والماء والنهر والنخيل تؤدّي وظائف رمزية، تتجاوز حضورها الواقعي، لتعبّر عن التطهر أو الحنين أو الانكسار أو استعادة الحياة. ويتجلى ذلك في قصائد مثل: "عزلة السكون" و"رسم بلون الزيت"، بينما يكتسب "الجسر الأسود" بعدًا مكانيًا ورمزيًا يشي بالعتمة والعبور والتحول:

" لماذا  أسود ؟

أللحزن العالق بضفتيك

أم لأنك تتهالك

و يلحق بك  القاع ؟

لماذا تتمرد على المارة أيها المنحسر؟" من نص الجسر الأسود

خامسًا: المرآة والتأمّل الوجودي، حيث يشتغل الشاعر على ثنائية الذات وانعكاسها من خلال استدعاء صورة المرآة بوصفها أداةً للتأمّل وكشف الداخل، فتتوّلد منها أسئلة الهوية والمصير والذاكرة، فيتحوّل التأمّل الذاتي إلى رؤيةٍ وجودية تتجاوز التجربة الفردية، لتلامس أسئلة الإنسان في مواجهة الزمن والفقد. مثل " وردة حمراء" و" إنهم يهيلون الورد" و" شذرات":

" امرأَة

تدلل وردة

باذخ  عطرُها

لكنها

تموت

مثل سنواتنا الخجولة" من نص شذرات

الخصائص الفنية والبنائية للقصائد

تكشف المجموعة عن مجموعةٍ من السمات الفنية التي تؤكّد انتماءها إلى فضاء قصيدة النثر، مع احتفاظها بجوهر القصيدة بوصفها بناءً شعريًا متكاملًا. ومن هنا جاء حرص الشاعر على وصف نصوصه بـ "القصائد"، في إشارةٍ إلى رغبته في ترسيخ هويتها الشعرية، وإبراز ما تمتلكه من إيقاعٍ داخلي وتماسك بنائي، بعيدًا عن التصوّرات التي تنظر إلى قصيدة النثر بوصفها كتابةً مفتوحة، أو نصًا بلا ضوابط فنية. ومن خلال هذا الاشتغال تتولّد شبكة من الدلالات والرموز التي تتّسع لتشمل بنية القصيدة بأكملها، وليس الجملة الشعرية وحدها. ويمكن الوقوف على أبرز هذه السمات في الآتي:

أوّلًا: التشكيل البصري وبناء المشهد، إذ اعتمدت المجموعة على التشكيل البصري للنص، من خلال توزيع الأسطر، وتوظيف الفراغات، وإيقاع البياض، بما يعكس قلق الذات، ويمنح القصيدة بعدًا بصريًا يوازي بعدها الدلالي. كما تتجاور فيها اللوحة التشكيلية مع اللقطة السينمائية والمشهد اليومي، لتشكّل جميعها بنيةً تصويرية متكاملة:

" القمر الساكن

يفشي سر الدكناء

على أفق الفنارات

تطفو أَصابع الأَرض الغرقَى

تشبثنا طويلاً

بِجنة الفجر" من نص جنة الفجر

ثانيًا: التداخل بين السرد والشعر، إذ تنهض القصائد على حضورٍ سرديّ واضح، يتجلّى في الحكايات المضمرة، واستدعاء الشخصيات والأمكنة، وتتابع المشاهد، بما يمنح النص كثافةً حكائية، من دون أن يفقد خصوصيته الشعرية. ويتّضح ذلك في استعادة الطفولة، والمقبرة، وأصدقاء التنومة، وقوافل الترحال، وهي عناصر تُثري البنية الشعرية وتمنحها عمقًا زمانيًا ومكانيًا:

" القوافل التي نأت بسراب آخر

مع شجيرات توزعت هنا وهناك بخطوط مبعثرة،

القوافل تزحف

 فيما الشمس تباعد المسافات بين آثارها

وهي تلهث كما الأرض تلفظ آخر البراكين" من نص ملاذ القوافل

ثالثًا: التكثيف والاشتغال الرمزي، إذ تتّسم اللغة الشعرية بدرجةٍ عالية من التكثيف، مع اعتمادٍ واضحٍ على الرمز، بوصفه وسيلةً لتوليد الدلالة. فالخرنوب، والمطر، والمرآة، والجسر الأسود، وبائعة القيمر، ليست مفرداتٍ أو صور مجرّدة ، وإنما علامات شعرية تتجاوز معناها المباشر لتجسّد الاغتراب، والذاكرة، والفقد، والتحوّلات الوجودية:

"تجلس الآن قبالة أطباقها

البيوت الخفيضة تفتح ابوابها

عن كسل في العيون

تريق الحليب من صحون فاضت به

قرب باب البيت القديم" من نص بائعة القيمر

رابعًا: التقابلات الثنائية وبناء التوتر الدلالي، إذ يعتمد الشاعر على منظومة من الثنائيات الضدّية التي تمنح القصائد حركتها الداخلية، وتُنتج توترها الدلالي، إذ تتجاور ثنائيات مثل، الحياة /الموت، الحضور /الغياب، /الذاكرة والنسيان، /الضوء والعتمة، لتشكّل شبكةً من العلاقات المتقابلة التي تعمّق الرؤية الشعرية، وتفتح النص على قراءات وتأويلات متعددة"

"و أنت تنظرين إلي

لماذا انبهرت؟

و كأَنك أول مرة  تلحظين حضوري

في عمقك" من نص ولا على المرآة حرج

خامسًا: شعرية المكان، إذ إن المكان في المجموعة لا يؤدّي وظيفةً وصفية، بل يتحوّل إلى بؤرةٍ دلاليةٍ تستعيد الذاكرة، وتعيد تشكيل الهوية، وتؤسّس لعلاقةٍ جدليةٍ بين الإنسان وفضائه الأوّل، وهو ما يتجلّى في تكرار أسماء الأمكنة على  أغلب قصائد المجموعة:

" ليل التنومة

محزوزقَمرها بنافورات النخل

عشبة ( كردلان )* نفترشها

واليمامات بين السعفات

 أنّاتها تفر من بين السعفات" من نص ليل التنومة

اللعبة التدوينية وأفق التجربة الشعرية

في مجموعة "أصابع المطر" لحبيب السامر

اللغة وإنتاج الدلالة والأفق التأويلي

تنهض اللعبة التدوينية في المجموعة على فاعلية اللغة، بوصفها الحامل الرئيس للدلالة، والوسيط الذي تتولّد عبره إمكانات التأويل. فالجملة الشعرية لا تُبنى بوصفها تركيبًا لغويًا مستقلًا، وإنما بوصفها بنيةً دلاليةً تُنتج الفكرة، وتعيد تشكيلها عبر شبكةٍ من الإشارات والرموز والعلاقات الداخلية. ومن هنا لا تبدو لغة السامر أداةً لتزيين القول، أو صناعة صورةٍ شعريةٍ لذاتها، بل تتحوّل إلى بنيةٍ معرفيةٍ وجماليةٍ تتكامل فيها الدلالة مع التأويل، ويتجلّى ذلك في الآتي:

أوّلًا: اللغة بوصفها حاملًا للذاكرة والواقع، حيث تنطلق اللغة من مفرداتٍ مكانيةٍ وحسّيةٍ تنتمي إلى الواقع اليومي والذاكرة الجمعية، مثل، الشجر/ المقبرة، النهر/ وبائعة القيمر، وعمّال المسفن. غير أن هذه المفردات لا تؤدّي وظيفةً وصفية، بل تتحوّل إلى علاماتٍ ثقافية تستحضر المكان، وتستدعي تاريخه ووجدانه، فتتجاوز معناها المباشر إلى فضاءٍ دلاليّ أوسع:

"فيما مضى،

وقبل أن تنزلق أقدامنا الحافية

 في طين الدروب الضيقة وتعرجاتها.

عمال المسفن ينتظرون الباصات والسيارات المكشوفة " من نص بهجة الماء

ثانيًا: انفتاح اللغة على التأويل، إذ لا تتوقّف الألفاظ عند حدودها المعجمية، وإنما تنفتح على مستوياتٍ متعدّدة من القراءة، حيث تتحوّل عناصر مثل المطر/ والمرآة/ والجسد، /الكواليس/ الموج،  إلى رموزٍ وإشارات تعبّر عن الاغتراب، والقلق الوجودي، والموت، وتشظّي الذاكرة. وبهذا تمنح اللغة القارئ مساحةً واسعةً للمشاركة في إنتاج المعنى، بدل الاكتفاء بتلقيه في صورته المباشرة:

"*أجنحة المطر

تمد الضوء بالتلاوات

الراعشات خلسة ،

تدفن خرائبها

 مثل امرأَة تعاند التجاعيد" من نص بقايا ضوء

ثالثًا: الجملة الشعرية بين الفكرة وبناء المشهد، إذ لا تنشغل الجملة الشعرية بالتنميق البلاغي أو الزخرفة اللغوية بقدر انشغالها ببناء الفكرة وتجسيد المشهد. فهي تؤدّي وظيفةً دلاليةً وبصريةً في آنٍ واحد، مستفيدةً من تقنيات التشكيل البصري، والتداخل بين السرد والشعر، ومنظومة الثنائيات الضدية، بما يرسّخ الفكرة، ويعمّق أثرها النفسي والجمالي، ويمنح القصيدة قدرةً أكبر على إنتاج الدلالة وتعدد التأويلات:

” هكذا حدثنا الأجداد

 ذات عام وكرروا الحكاية مرات ومرات

إن القوافل حين تعبر المفازات تغفل عما تركت خلفها،

لا نعرف نحن رجال القافلة النظر إلى وراء الصحراء

ولا نعرف كيف نحصي الشجر المتكاسل خلفنا" من نص ملاذ القوافل

خصوصية التجربة الشعرية

تقوم تجربة حبيب السامر الشعرية على منظومةٍ من الآليات الفنية، التي تتكامل فيما بينها لإنتاج الخطاب الشعري، بحيث لا تتشكّل القصيدة من اللغة وحدها، بل من الكيفية التي تُبنى بها داخل شبكةٍ من العلاقات البصرية، والإيقاعية، والسردية، والدلالية. ومن ثمّ تغدو القصيدة نتاجًا لاشتغالٍ واعٍ، تتفاعل فيه الرؤية مع التقنية، فتكتسب خصوصيتها الجمالية، وتبتعد عن النماذج المألوفة في كتابة قصيدة النثر. وتقوم هذه الخصوصية على عددٍ من السمات الفنية التي يمكن إجمالها في الآتي:

أوّلًا: التشكيل البصري وبناء المشهد، إذ يعتمد الشاعر على بناء القصيدة بوصفها مشهدًا بصريًا متتابعًا، أو لوحةً تتشكّل من مفردات المكان والأشياء والأسماء، ومن الجمل الإسمية وشبه الجمل، فضلًا عن توظيف الفراغات، وتوزيع المقاطع، وإيقاع البياض، بما يمنح الصورة الشعرية قدرةً على الإيحاء بالحركة من داخل السكون، ويجعل التشكيل البصري "عنصرًا أساسيًا في إنتاج المعنى، لا مجرد شكلٍ طباعي:

هي خلاصة تراكمات

انكسارات، خيبات، وبعثرة أحلام مرتبكة.

* الزمن: خامل

* المكان: مرتبك

* الحدث: بوح لامرأة تجيء

* الشخوص: كل شيء يتحرك قربي" من نص بوح في لجة الكلام

ثانيًا: جدلية الصوت والصمت، إذ يوظّف الشاعر تقنية تقوم على التفاعل بين الصوت والصمت، بحيث لا يقتصر المعنى على المنطوق، بل يمتد إلى المساحات البيضاء، والإيقاعات الداخلية، والانقطاعات المقصودة في بناء الجملة. وتنتج هذه الجدلية لغةً إيحائيةً تعبّر عن الاغتراب، وتكشف حدود اللغة المباشرة في تمثيل التجربة الإنسانية، فيغدو الصمت جزءًا من الخطاب الشعري، لا غيابًا له.

" أحتفي ثانية

بذاتي المهومة

سأحتفي ثانية

بذاتي

بعد غياب طويل" من نص سيرة الألم

ثالثًا: التداخل الإيقاعي بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، فعلى الرغم من أن المجموعة تنتمي، في بنيتها العامة، إلى قصيدة النثر، فإنها تحتفظ بحسٍّ إيقاعيّ واضحٍ يستلهم روح قصيدة التفعيلة من غير أن يخضع لقوانينها الوزنية. ويتحقّق ذلك عبر التكرار، والتوازي التركيبي، والتدوير، والتراسل الصوتي، وتوزيع الأسطر الشعرية، فتنبثق الموسيقى من داخل اللغة، لا من الوزن الخارجي. وبهذا يتحوّل الإيقاع إلى عنصرٍ دلاليّ يواكب الحركة الشعورية، ويعزّز المشهد الشعري، ويمنح القصيدة شخصيتها الموسيقية الخاصة:

" خذ المقهى وكراسيه الفارغة

وإن شئت،

خذ المعلقات السبع ،

ضعها علي بوابة بيتك الخرب" من نص قصب أجوف

رابعًا: شمولية الرؤية ووحدة العالم الشعري، إذ تقوم تجربة السامر على بناء عالمٍ شعريّ مترابط، تتداخل فيه الذاكرة مع الواقع، والمكان الأوّل مع الزمن الراهن، فتتجاور مفردات الريف، والجنوب، وشط العرب، والتنومة، لتؤسّس فضاءً شعريًا موحدًا، تتفاعل داخله تناقضات الحياة وتحولاتها ضمن رؤية تتجاوز التسجيل المباشر إلى إعادة إنتاج الواقع شعريًا:

" •        الخامسـة :

في ستينيات القرن إلعشرين

كان ثوب النخل مهلهلاًَ

لا يشبه استقامة جذعها منذ أَلف عام

لكنها مررت  وصايا التمر من تحديقة ساخطة

لتعيد نضارة الشكل الأول

بوسائد الأَرق" من نص غربال

خامسًا: لعبة الزمن والتشظّي الواعي، إذ يمنح الشاعر الزمن حضورًا بنائيًا داخل القصيدة، فلا يسير وفق خطيةٍ ثابتة، بل يتشظّى بين الماضي والحاضر، وبين الاسترجاع والاستباق، بما ينعكس على حركة اللغة وتوزيع الكلمات داخل القصيدة. وينتج عن ذلك فضاءٌ شعريٌّ متحرّك، تتوالد فيه الدلالات، ويظلّ المتلقّي في حالة مشاركةٍ مستمرّةٍ في بناء المعنى، بما يعزّز فاعلية الدهشة والانفتاح التأويلي:

" امرأَة على بعد صمت من ضوء عقيم

ترمم

زهرة الثياب

تقيم حفلةً للغيم

تفسح لرفرفة الزهر على النافذة .

تشتعل الرغبة

إضطراباً" من نص أصابع المطر

سادسًا: التداخل بين السرد والشعر، إذ استفاد الشاعر من تقنيات السرد في بناء قصائده، عبر استحضار الحكايات المضمرة، وتفاصيل المكان، والذاكرة، والشخصيات، والأحداث اليومية، من دون أن يفقد النص هويته الشعرية. ممّا أدّى هذا التداخل إلى توسيع المجال الدلالي للقصيدة، ومنحها بعدًا زمانيًا ومكانيًا أكثر كثافة، حتى بدت القصيدة وكأنها سردٌ مشحونٌ بالشعر، أو شعرٌ يستثمر طاقات السرد:

" في ليل صامت

هي الآن تقرع أجراسها

زهرتك هرمت على نافذة مغلقة ،

كيف لك أن تغادر عمقك المتلاشي ؟" من نص الوضوح كما ينبغي

سابعًا: التكثيف والاشتغال الرمزي، إذ يعتمد الشاعر على لغةٍ مكثّفةٍ تتجاوز المباشرة إلى بناء شبكةٍ من الرموز المستمدّة من الطبيعة والواقع، كما يستثمر المرجعيات الأسطورية، حين تقتضيها التجربة، ليعيد أسطرة الواقع ومنحه أبعادًا إنسانية ورمزية تتجاوز حدوده المباشرة. ومن خلال هذا الاشتغال تتولد الطاقات التأويلية للنص، ويتسع أفقه الجمالي، بما يسمح بتعدد القراءات وتنوّع مستويات التلقي:

" أنا في اليوم الأول من عمر مجرة الضوء

من زمن انكيدو

وأرسخ من ملامح أفروديت

يكفي ما أوتيت من وجع

وأقف بقامتي

أمام الموج" من نص سيرة الألم

في أفق التجربة الشعرية

في المحصلّة، لا تبدو مجموعة "أصابع المطر" مجموعة شعرية مجرّدة، تُضاف إلى منجز قصيدة النثر العراقية، وإنما تمثّل مشروعًا شعريًا يقوم على وعيٍ جماليّ، يوازن بين الحرية الشكلية والانضباط الفني، وبين الذاكرة والواقع، وبين الصورة والإيقاع. وقد نجح السامر في بناء عالمه الشعري من تفاصيل تبدو مألوفة في ظاهرها، لكنها تتحوّل داخل القصيدة إلى علاماتٍ دلاليةٍ، قادرة على إنتاج مستوياتٍ متعدّدةٍ من المعنى، من دون أن تفقد ارتباطها بالمكان الأوّل والإنسان الجنوبي وذاكرته.

ولعلّ القيمة الأبرز في هذه المجموعة، أنها لم تتعامل مع قصيدة النثر بوصفها قطيعةً مع التراث الإيقاعي للشعر العربي، بل بوصفها امتدادًا له بصيغة جديدة، إذ استطاعت أن تحافظ على موسيقى داخليةٍ نابضة، تجعل القصيدة تتحرّك في منطقةٍ وسطى، بين انفتاح قصيدة النثر وحسّاسية قصيدة التفعيلة، من غير أن تنتمي كامل الانتماء إلى أيٍّ منهما. وهذه السمة تمنح التجربة خصوصيتها، وتجعلها تتجاوز الاستنساخ الشائع في كثير من تجارب قصيدة النثر المعاصرة.

كما أن الشاعر لم يكتفِ بصناعة صورةٍ شعريةٍ جميلة، وإنما جعل من اللغة أداةً لإنتاج الرؤية، ومن المكان ذاكرةً حية، ومن الإيقاع طاقةً دلالية، ومن السرد عنصرًا يثري البناء الشعري، الأمر الذي أفضى إلى قصائد تمتلك توازنًا بين الحسّ الجمالي والعمق الفكري، وتفتح النص أمام قراءاتٍ متعدّدة، من دون أن تفقد وحدته الفنية.

من هنا يمكن النظر إلى "أصابع المطر" بوصفها تجربةً ناضجةً في مسار حبيب السامر، وتجربةً تستحق الوقوف عندها نقديًا، لأنها تقدّم نموذجًا لشعرٍ يؤمن، بأن الحداثة لا تتحقّق بهدم الأشكال السابقة، وإنما بإعادة اكتشافها، والإفادة من منجزها، وصياغتها في بنية شعريةٍ جديدة، تمتلك صوتها الخاص، وتعلن هويّتها الفنية بثقة، لتؤكّد أن القصيدة ما تزال قادرةً على ابتكار أدواتها، وتجديد لغتها، وتوسيع أفقها الجمالي والتأويلي.

" الياسمين أطبق جفنيه على عطرك

من يجرؤ على حل اللغز ؟"

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٠١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د
بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري

المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني
قراءات

بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني

/ المغرب مقدمة تشكل قصيدة الحداثة المغربية المعاصرة بنية دينامية، تسعى باستمرار إلى تكسير الأنماط اللغوية الجاهزة واستبدالها برؤى شعرية تتأرجح بين اليومي والكوني، والواقعي والصوفي. ويندرج ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني (الصادر عن دار الدراويش للنشر والترجمة) ضمن هذا الأفق…

· 12 د