عن دار ومكتبة عدنان، صدر كتاب "مجتمع الصدمة: من سقوط الرمز إلى حروب الذاكرة"، للباحث الاجتماعي العراقي الدكتور شاكر شاهين.
يتتبع الكتاب مفهوم الصدمة الثقافية في تاريخ العراق الحديث، وتحديداً لحظة سقوط النظام وتأثيراتها النفسية والجمعية على المجتمع العراقي، لتتحول هذه الصدمة تدريجياً إلى صراع عميق على الذاكرة والهوية.
يستهل د. شاكر شاهين طرحه بمناقشة مفهوم الصدمة لا على صعيد الأفراد فقط، بل على صعيد المجتمع بأسره؛ فالصدمة النفسية التي تصيب فرداً ما ليس بالضرورة أن تنتقل عدواها إلى المجتمع كله، وهنا يبرز عمق الطرح في دراسة الحالة العراقية.
يتميز أسلوب الدكتور شاهين بالسلاسة والبعد عن التعقيد الأكاديمي الصارم، مع وضوح المصطلحات ورفد القارئ بالأمثال والوقائع التاريخية، إلى جانب قدرته الفريدة على ربط الحدث السياسي الأهم في تاريخ العراق الحديث (وما قبله) بالأبعاد الاجتماعية والنفسية.
وما جرى في المجتمع العراقي بعد السقوط من تغييرات جذرية (اجتماعية، سياسية، اقتصادية، وحتى بيئية) بحاجة إلى دراسة معمقة لفهم الأسباب والنتائج؛ فالمجتمع العراقي قبل سقوط النظام يختلف جذرياً عما بعده، وكل شيء يتغير، لكن التاريخ يبقى ثابتاً لا يتغير.
الكثير من الكتب والبحوث تناولت فترات سقوط نظام صدام الديكتاتوري وما بعده، لكن القليل منها تعامل مع مفهوم الصدمة الثقافية، بل إن المكتبة العراقية والعربية ربما تخلو من كتب تبحث وتناقش وتحلل الصدمات الثقافية ومآلاتها وأسبابها. وما قدمه د. شاكر شاهين يُعد مفهوماً علمياً جديداً نوعاً ما، تم بناؤه على عدد من النظريات والتعريفات التي قدمها علماء الاجتماع في العالم لتحديد تأثيرات الصدمة الثقافية على المدى القريب والبعيد، مسلطاً الضوء على الحالة العراقية وما تخللتها من أزمات قبل السقوط وبعده.
يضيف الدكتور شاكر شاهين في مقدمة كتابه "مجتمع الصدمة":
"لا أجافي الصدق إذا قلت: أنها صدمة الصدمات في تاريخ العراق، ولا يضاهيها في الوزن إلا سقوط بغداد على يد المغول. ستبقى ذكراها عالقة في الأذهان إلى أجيال قادمة، لأن صداماً ليس كغيره من المستبدين، أطبق بيديه وأسنانه على حكم العراق وولغ في دماء أهله من مختلف الأطياف والأعراق والأعمار. وهكذا بدا للعراقيين أن حرباً جديدة كحرب (حرية العراق)، لن تزيل هذا الحاكم الععتيد، لكن ما حصل كان مخالفاً للتوقعات ولصدام نفسه؛ أي أنها خالفت المتخيل العراقي الذي أنتج صورة الخلود للمقبور صدام."
ولا يأتي الكتاب لتعريف القارئ الحصيف بمفهوم الصدمة الثقافية فقط، بل يقوم بتحليلها وبيان أسبابها والنتائج التي تمخضت عنها.
ينقسم الكتاب إلى ستة فصول؛ كل منها يعالج حالة ما، تتشكل جميعها لتعطي صورة كاملة عن مفهوم الصدمة الثقافية التي تعرض لها المجتمع العراقي بعد سقوط النظام عام 2003، وهي كالآتي:
نظرية الصدمة الثقافية: يشرح الدكتور شاكر شاهين في هذا الفصل مفهوم الصدمة الثقافية وأبرز النظريات العلمية التي قدمها علماء الاجتماع في العالم، مبتدئاً من المتخيل والمتمثل وصولاً إلى الصدمة العراقية.
صورة "البطل، القائد، الأب": يقدم المؤلف هنا شرحاً تفصيلياً عن صورة البطل من خلال باب الاقتصاد، والقائد من خلال التاريخ، والأب من خلال الاستبداد ومفهوم العائلة.
دهاء العقل: يوضح المؤلف فكرة "دهاء العقل" لدى الفيلسوف الألماني هيجل، وذلك بوصف البطل وكيلاً عن الروح المطلق لتنفيذ إرادته في العالم والتاريخ. ويرى أن هذه الفكرة تسمح للطواغيت بتبرير أعمالهم العدوانية وشن الحروب لأنها تحقيق للإرادة العليا.
الفنون التشكيلية: يرى المؤلف أن للفنون التشكيلية من فوتوغراف ورسم ونحت تأثيراً لا يستهان به في صناعة مفهوم الصدمة الثقافية لدى العراقيين؛ عبر استعانة صدام بهذه الفنون لبناء صورته في كل بيت وشارع وزاوية ومقهى ومناهج دراسية، حتى بات العقل العراقي متكيفاً على صورة صدام كقائد وبطل ومؤسس، وأصبح من الصعب على هذا العقل إنتاج صور وتصورات مخالفة.
سرديات العذاب: يتطرق المؤلف إلى الذاكرة المفجوعة بالمآسي والأحزان، عن أولئك الأبرياء الذين قضوا في عذابات السجون والمعتقلات والدهاليز المظلمة في مديريات الأمن سيئة الصيت وسجون أبو غريب ونقرة السلمان. ويقول إن "أدبيات السجن العراقية جزء من الصدمة العراقية لعالم ملغم بانتهاك صارخ لحرية الإنسان"، مؤكداً أنه عمل الذاكرة الفردية التي تنوب عن الذاكرة الجمعية في مخاضها المؤلم.
حروب الذاكرة: يبين المؤلف في هذا الفصل الطريقة التي فهم بها العراقيون يوم السقوط عبر تغيير أسماء الشوارع وإزالة عدد من النصب والتماثيل وإقامة نصب دينية، لغرض إنتاج هوية جمعية من خلال حروب الذاكرة واحلال هوية جديدة محل القديمة.
الكتاب غني بالمفاهيم العلمية والتفاصيل التاريخية والاجتماعية، يدرك القارئ من خلاله كمية الجهد الذي بذله المؤلف في تقديم مفهوم علمي ينطبق على الحالة العراقية.
وصدر للدكتور شاكر شاهين مجموعة مؤلفات منها :
العقل في المجتمع العراقي: بين الاسطورة والتاريخ
الاستبداد الرمزي: الدين والدولة في التأويل السيميائي







التعليقات