تُعد دراسة الباحث أفنر بهات «الشعر العبري الوسيط في الحياة الموسيقية لليهود عبر القرون» من الدراسات المهمة التي تربط بين تاريخ الأدب العبري وتاريخ الموسيقى اليهودية، وتكشف كيف استطاعت القصيدة العبرية التي وُلدت في الأندلس الإسلامية أن تستمر حية لأكثر من ألف عام، وأن تنتقل بين المجتمعات اليهودية المختلفة حتى أصبحت جزءًا من الأغنية العبرية الحديثة.
نُشرت هذه الدراسة ضمن كتاب «سولانج كوربان وبدايات علم الموسيقى في العصور الوسطى» الصادر عن منشورات جامعة رين في فرنسا، ثم أتيحت إلكترونيًا عبر منصة أوبن إديشن بوكس، وهي من أهم المنصات الأوروبية المتخصصة في نشر البحوث الإنسانية المحكمة.
تكمن أهمية هذه الدراسة، بالنسبة إلى مشروعنا عن تراث يهود اليمن، في أنها تساعد على فهم أحد أهم الروافد التي غذّت الديوان اليمني اليهودي. فهي لا تتحدث عن اليمن كثيرًا، لكنها تفسر البيئة الفكرية والأدبية التي خرج منها كثير من الشعر الذي أصبح جزءًا مهمًا من التراث اليمني اليهودي، سواء في نصوصه أو في طرق وأساليب إنشاده.
ومن هنا فإن قراءة هذه الدراسة تمنح الباحث عدة مفاتيح مهمة لفهم تطور الديوان اليمني، وعلاقته بالشعر العبري الأندلسي، وبالثقافة العربية الإسلامية التي ازدهر فيها.
يبدأ أفنر بهات دراسته بلمسة إنسانية، يستعيد فيها علاقته بأستاذته الفرنسية سولانج كوربان، التي تتلمذ على يديها في باريس، ووصف أثرها العميق في تكوينه العلمي، وكيف غرست فيه منهج البحث الموسيقي، وشجعته على دراسة المخطوطات الموسيقية في معهد البحث وتاريخ النصوص. ويكشف لنا هذا المدخل أن الدراسة هي ثمرة تجربة طويلة في قراءة المخطوطات ومقارنة الألحان والتقاليد الموسيقية.
بعد ذلك ينتقل إلى تعريف الشعر العبري الوسيط، ويعدّه أهم مرحلة في تاريخ الأدب العبري بعد النصوص التوراتية. ويحدد زمنه بين القرنين العاشر والثالث عشر، فيما يُعرف بالعصر الذهبي للشعر العبري في الأندلس. ويرى أن هذا العصر تزامن مع ازدهار شعر التروبادور في أوروبا، ولقد امتد إلى تقاليد شعراء فلسطين وبابل في العصور الوسطى المبكرة.
ثم وضّح أن الشعر العبري مر بأربع مراحل رئيسية: الشعر التوراتي، وشعر البييتانيم الأوائل، والشعر العبري الوسيط، ثم الشعر العبري الحديث.
وبخصوص الشعر الوسيط، فهو يؤكد أنه لم ينشأ من فراغ، ويعتبره من موروثات الشعر التوراتي إذا لاحظنا بناءه الموازي، ولكنه استفاد من البييتانيم في تطوير القافية، ثم بلغ ذروة نضجه في الأندلس.
ويقول: (لقد ورّثنا الشعر التوراتي، وخاصة المزامير، أسلوب التوازي؛ فكل آية تتكون من شطرين. ومن الناحية الإيقاعية، يتألف كل شطر من كلمتين إلى أربع كلمات مشددة النبر، لكننا لا نكون هنا بعد أمام وزن شعري حقيقي. وهذا البناء يسمح بما يشبه الغناء التجاوبي، حيث يمكن للشطر الثاني، ويسمى بالعبرية سوغير أي «الإغلاق»، أن يتحول إلى لازمة، فيردّ الجوق أو الجماعة على المنشد الفرد الذي غنّى الشطر الأول، ويسمى بالعبرية ديليت أي «الباب». ومثال ذلك المزمور 136. كما ورّثتنا بعض المزامير نظام الأكروستيك الأبجدي، كما في المزامير 34 و111 و112 و119 و145.)
ولكنه يشير أيضًا إلى وجود تجديد فني كبير في ذلك العصر الذهبي في الوزن الكمي، الذي أنتج نظامين وزنيين: الأول يقوم على عدد ثابت من المقاطع في كل بيت، والثاني يقوم على التمييز بين الحركات القصيرة والطويلة.
ويوضح الفرق بين الحركات القصيرة والحركات الطويلة، وأن النظام الأول تم استخدامه في القصائد الليتورجية، أما النظام الثاني فهو يُستخدم في القصائد شبه الليتورجية.
ومن أهم ما تؤكده هذه الدراسة أن النهضة الشعرية العبرية في الأندلس لم تكن ممكنة لولا البيئة العربية الإسلامية التي نشأت فيها وعاصرتها. فقد استفاد الشعراء العبريون من نهضة الشعر العربي وتطور الأوزان والقوافي والموشحات، كما استعاروا بعضًا من الموضوعات والصور الفنية وعبروا عنها بأساليبهم الخاصة، ويشير أيضًا إلى تأثير طريقة الإشارة إلى اللحن المناسب لإنشاد القصيدة.
وهنا تظهر العلاقة الوثيقة بين الأدبين العربي والعبري، إذ لم يكن التأثير شكليًا فحسب، فلقد شمل البنية الموسيقية والذائقة الجمالية أيضًا مع وجود الكثير من المعالجات فلم تكن العملية قص ولصق أو تقليد ساذج.
ويقدم بهات أسماء كبار شعراء هذا العصر، وفي مقدمتهم دوناش بن لبرط، وشموئيل هناغيد، وسليمان بن غبيرول، وموسى بن عزرا، ويهودا هليفي، وإبراهيم بن عزرا، ويهودا الحريزي. وكل هذه الأسماء تمثل الأساس الذي تشكلت منه أجزاء كبيرة من التراث الغنائي اليهودي في مختلف أنحاء العالم، وما يزال أثرهم إلى اليوم.
ومن النقاط المهمة في الدراسة تقسيم الشعر العبري الوسيط إلى ثلاثة مستويات: الشعر الليتورجي المستخدم في الصلاة، والشعر شبه الليتورجي المستخدم في المناسبات الدينية والاجتماعية، ثم الشعر الدنيوي الذي تناول الحب والطبيعة والخمر والحدائق.
ويرى بهات أن الشعر الدنيوي لم يدخل بقوة في التقليد الموسيقي اليهودي القديم، بينما استمر النوعان الأولان في الحياة اليومية لليهود حتى العصر الحديث.
وخصص بهات القسم الأكبر من دراسته لتحليل الطريقة التي انتقلت بها هذه القصائد بين الجماعات اليهودية المختلفة. فالنص الواحد بقي ثابتًا، بينما تنوعت ألحانه بحسب البيئة المحلية. واختار قصيدة «إل نورا عليلا» لموسى بن عزرا مثالًا، وقارن عشرات النسخ التي غُنّيت في القدس، وهامبورغ، ونيويورك، والمغرب، وإيطاليا، وغيرها، ليصل إلى نتيجة أن الهيكل اللحني الأساسي بقي محفوظًا رغم الكثير من الاختلافات في الأداء والزخارف الموسيقية.
وقام بتطبيق المنهج نفسه على قصيدة «درور يقرا» لدوناش بن لبرط، وتتبع ألحانها في أوروبا والهند والشرق الأوسط، وسنجد توضيحات هامة عن كيفية اكتساب كل جماعة طابعها الموسيقي الخاص، مع احتفاظ النص الشعري بوحدته.
وهنا تظهر إشارة بالغة الأهمية يجب أن ننتبه إليها؛ إذ يورد بهات ضمن النماذج المستخدمة اللحن العدني اليمني إلى جانب ألحان تركيا والقدس السفاردية. وهذه الإشارة المهمة تؤكد أن التراث الموسيقي ليهود اليمن كان حاضرًا داخل الخريطة العامة للموسيقى اليهودية، وأنه كان ضمن أحد التقاليد الرئيسة، ولذلك فهو يستحق التوثيق والدراسة والمقارنة.
غير أن أهمية الدراسة بالنسبة إلى الباحث في تراث يهود اليمن لا تقف عند هذا الحد. ففي مجملها تساعد على تفسير ظاهرة طالما لفتت انتباه المهتمين بالديوان اليمني، وهي أن عددًا من القصائد التي يتداولها يهود اليمن ليست يمنية الأصل، بل هي أندلسية أو سفاردية، لكنها اندمجت في الديوان عبر قرون طويلة واكتسبت جزءًا من الهوية اليمنية نفسها. وهذا يفسر لماذا ينسب بعض المنشدين والجمهور هذه النصوص إلى التراث اليمني، رغم أن بعض الدراسات التاريخية تثبت أنها كُتبت في الأندلس أو في مراكز يهودية أخرى.
ولا يعني ذلك أن الديوان اليمني كان مجرد امتداد للديوان الأندلسي، فلقد تميز يهود اليمن بإبداعهم الخاص وأعادوا إنتاج تراث خارجي وجعلوه داخل بيئتهم المحلية، وبالتأكيد فالجميع يعترف أنهم أضافوا إليه شعرًا يمنيًا أصيلًا لشعراء كبار مثل شالوم الشبزي، كما طوروا أساليبهم الخاصة في الأداء والإنشاد والزخرفة المقامية، حتى أصبح الديوان اليمني مدرسة مستقلة داخل الموسيقى اليهودية.
ومن هنا تفتح دراسة بهات بابًا واسعًا للبحث المقارن، حيث تدفعنا إلى دراسة النصوص المشتركة بين الديوان الأندلسي والديوان اليمني، وتتبع انتقالها، وتحليل تغير ألحانها، والتمييز بين ما هو أندلسي الأصل وما هو يمني، وفهم الكيفية التي تفاعلت بها الثقافة العربية الإسلامية مع الثقافة اليهودية في إنتاج هذا التراث المشترك.
كما تؤكد الدراسة أن الأغنية العبرية الحديثة لم تقطع صلتها بذلك الماضي، فلقد استمرت في إعادة إحياء قصائد العصر الذهبي، أحيانًا بألحانها التقليدية، وأحيانًا بألحان وأدوات جديدة. ويشير بهات إلى ظهور جيل من الفنانين الشباب الذين يسعون إلى إعادة تقديم هذه النصوص بلغة موسيقية معاصرة وغربية، وهو ما نلاحظه اليوم أيضًا في أعمال عدد من الفنانين والفرق الموسيقية اليهودية من أصول يمنية.
وفي تقديري، تمثل هذه الدراسة أساسًا نظريًا مهمًا لأي باحث يريد فهم الديوان اليمني اليهودي. فهي تقدم الخلفية التاريخية والثقافية التي نشأ فيها جزء من الديوان اليمني.
إن هذه الدراسة تفتح على أسئلة جديدة، وخاصة عن كيفية انتقال القصائد من الأندلس إلى اليمن؟ وما حجم النصوص الأندلسية الموجودة في الديوان اليمني؟ وكيف غيّر المنشدون اليمنيون ألحانها؟ وما العلاقة بين الموشح الأندلسي والإنشاد اليمني؟ وكيف أسهمت العربية في تشكيل الهوية الموسيقية اليهودية؟ كل هذه الأسئلة تستحق أن تتحول إلى مشاريع بحثية مستقلة، وسوف تساعد بلا شك على كتابة تاريخ أكثر دقة للديوان اليمني اليهودي، كونه ثمرة تفاعل طويل بين اليمن والأندلس والشرق العربي واليهودية.
إذن تُعد دراسة أفنر بهات أحد المفاتيح المهمة لإعادة قراءة تاريخ الشعر العبري بشكل عام، وكذلك فإن قراءتها تمكننا من فهم موقع الديوان اليمني داخل هذا التاريخ الطويل والألوان المتعددة.
Study Title:
Medieval Hebrew Poetry in Jewish Musical Life Through the Centuries
Author:
Avner Bahat — Hebrew Musicologist and Researcher
Published in:
Solange Corbin et les débuts de la musicologie médiévale
Publisher:
Presses universitaires de Rennes, France, 2015.
Online Publication:
OpenEdition Books, June 14, 2019.
الشعر العبري الأندلسي مفتاحًا لفهم الديوان اليمني اليهودي

آخر تحديث: ٩ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠١:٠٩ ص






التعليقات