المتأمل لنصوص الشاعرة الأوكرانية إيا كيفا Iya Kiva يجد نفسه مع تجربة شعرية تشكلت في تماس مباشر مع الحرب والفقد والاقتلاع. ولدت في دونيتسك، وغادرتها مع الحرب، لكن المدينة ظلت في وجدانها بكل تفاصيلها لم تغادر كتابتها. فلقد بقيت مكانًا داخليًا تستعيده في كل نص عبر تفاصيل صغيرة كالورود، وأزهار القطيفة، وبحر آزوف، والنهر، وتلال المناجم، وطيور السمامة، وحرارة الصيف.
هكذا سوف نلمس أن المدينة تعود ليس كخريطة أو خبرًا سياسيًا، لكنها ذاكرة حية تقاوم المحو في كل لحظة. في النصوص التي تنشرها على حسابها فايسبوك أم بالمواقع الأدبية، سوف نجد أن كيفا تكتب الحرب من خارجها، ولم تنشغل بوصف المعارك، فهي تراقب كيفية تسلل هذه الحرب بالعنف والموت والتهجير إلى الحياة اليومية. في قصيدة «هل توجد حرب ساخنة في الصنبور؟» تتحول الحرب إلى شيء يجري في الأنابيب، نحتاج إليه للغسيل وطبخ الطعام واعداد الشاي، وقد نذهب لاستعارته من الجيران إذا لم يكن عندنا.
تبدو الصورة ساخرة، لكنها سرعان ما تصبح مخيفة ومرعبة، لأن الحرب هنا لم تعد حدثًا استثنائيًا، لقد أصبحت عادة تسكن البيت، ثم تدخل في النهاية إلى كل حنجرة إنسان.
وفي نص آخر، تصرخ امرأة على أخيها القتيل مثل طائر سمامة جريح سقط على الأرض ولا يستطيع التحليق. صورة بسيطة تختصر الفقد كله، وتجعل الحزن حركة وصوتًا وجسدًا.
أما عندما تتحدث كيفا عن دونيتسك، فإن ذاكرتها تصبح حديقة تختار أن تحرسها من أعشاب النسيان. ومع ذلك، لا ينغلق شعرها داخل الخراب والموت والعنف. في قصيدتها عن «البدء بالحب أولًا» تظهر إمكانية أخرى للحياة، فالحب يشبه بدء يوم جديد، وتشبهه بفعل فتح كتاب، وتعلم لغة، والدخول إلى البحر، وبناء مدينة.عندما نبدأ نقرأ أحد نصوها لا نعرف بالضبط إلى أين سوف تقودنا هذه البدايات، لكننا نخوضها رغم المخاواف التي تخلقه بداياتها.
تكتب كيفا بلغة تبدو للقارئ سهلة جدًا في الوهلة الأولى ،ثم تستدرجنا إلى ما تخفيه داخل بساطتها والتي تتضمن طبقات من الألم والكثير من المفارقة المرعبة.
إن الأشياء اليومية عندها تحمل التاريخ، ولكن الأكثر أهمية أن تحتفي بالبيت وهو بالنسبة لها يحمل الوطن لذلك تمنحة قداسة خاصة، واما اللغة تحمل فهي تصاب بآثار الحرب وجروحها وتشوهاتها وكأنها تقول لا يمكن للشعر أن يظل أنيقًا وبليغًا وبلغة بليغة في زمن الحرب . لذلك فإن الشعر وظيفة الشعر ليس أن يطبق قواعد البلاغة وأناقة الكتابة ولكن يجب أن يصبح وسيلة لحماية ما يمكن أن يضيع بسبب هذه الحرب وخاصة الوجوه والأمكنة والأصوات، والأهم من ذلك حق الإنسان في أن يتذكر ما فقده، وأن تدعم الكتابة الحب والأمل وحلم السلام، والحياة.

نموذج من نصوصها
هل توجد حرب ساخنة في الصنبور؟
هل توجد حرب باردة في الصنبور؟
كيف يحدث ألا تكون هناك حرب على الإطلاق؟
لقد وُعِدنا بها بعد الغداء
ورأينا الإعلان بأعيننا:
«ستصل الحرب عند الساعة الثانية بعد الظهر».
وها قد مرّت ثلاث ساعات بلا حرب
ست ساعات بلا حرب
ماذا لو لم تأتِ الحرب حتى حلول الليل؟
لا نستطيع غسل الملابس بلا حرب
ولا إعداد العشاء
ولا حتى شرب الشاي سادةً بلا حرب.
وها قد مرّت ثمانية أيام بلا حرب
تفوح منّا رائحة كريهة
زوجاتنا لا يردن الاستلقاء معنا في السرير
والأطفال نسوا كيف يبتسمون ويشتكون
لماذا كنا نظن دائمًا أن الحرب لن تنفد أبدًا؟
لنبدأ، نعم، لنبدأ بالذهاب إلى الجيران لاستعارة بعض الحرب
من الجهة الأخرى من حديقتنا الخضراء
ولنبدأ بالخوف من أن نسكب الحرب في الطريق
ولنعتبر الحياة بلا حرب مشقةً مؤقتة.
في هذه الأنحاء يُعدّ الأمر غير طبيعي
إذا لم تجرِ الحرب في الأنابيب
إلى كل بيت
إلى كل حنجرة.







التعليقات