تمثل ملحمة كلكامش درة التراث السومري ، البابلي، وأقدم ملحمة أدبية متكاملة عرفتها الذاكرة البشرية، حيث تجاوزت كونها مجرد نص ميثولوجي أو سجل تاريخي لتبلغ مرتبة التراجيديا الإنسانية الأولى التي أسست للوعي الوجودي العالمي تستند هذه الملحمة الخالدة إلى جذور تاريخية حقيقية لملك حكم مدينة أوروك السومرية في حدود الألف الثالث ق.م، لتتوزع عبر ألواحها الإثنا عشر هيكلا سرديا محكما يصطحب البطل في رحلة تحول جذرية تبدأ من طغيان السلطة المطلقة، مرورا بالامتزاج الطقسي والصداقة المقدسة مع إنكيدو، وصولا إلى الفجيعة الكبرى بموت الصديق، والتي تحدث زلزالا نفسيا وانهيارا نرجسيا يدفع البطل نحو أطراف الكون بحثا عن المستحيل، وتنتهي بالعودة الحكيمة وإدراك الخلود عبر المنجز الحضاري ، وتتأسس درامية الملحمة على بنية هرمية تبدأ بأزمة الاستهلال في مدينة أوروك؛ حيث يمارس الملك كلكامش، المكون من ثلثي إله وثلث بشر، سلطة طاغية ترهق رعاياه وتستوجب استجابة الآلهة لخلق نده ومضاده ( إنكيدو )في السهول بين الوحوش هذا التقابل يفتح الباب أمام الصراع الدرامي متعدد الأبعاد؛ فهناك الصراع الخارجي ضد قوى الطبيعة والآلهة المتمثل في مصارعة خومبابا حارس غابة الأرز وقتل ثور السماء، وهناك الصراع الداخلي النفسي العميق مع الغرور ثم مع الرعب الرهيب من الفناء والاكتئاب الوجودي بعد رحيل الصديق، وهناك الصراع الميتافيزيقي مع القدر الأبدي وقوانين الآلهة غير القابلة للتبديل وتتداخل في هذا البناء تكنيكات المفارقة الدرامية الكبرى؛ إذ يسعى البطل محموما للهروب من الموت عبر السفر الفضائي والمكاني نحو أطراف الأرض، بينما كان سر البقاء الحقيقي والخلود الفعلي كامنا طوال الوقت في ذات مدينته أوروك التي بناها بجهده وعرقه تتجسد هذه الأبعاد الدرامية والنفسية بتطابق مذهل مع نظريات التحليل النفسي الحديثة، وعلى رأسها أطروحات المفكر وعالم الأنثروبولوجيا إرنست بيكر في سفره الشهير ( إنكار الموت ) يرى بيكر أن الخوف الخفي والمرعب من الفناء البيولوجي هو المحرك الخفي لجميع الأنشطة البشرية، وأن الإنسان، وبسبب التناقض بين عقله المتخيل للخلود وجسده الفاني، يعاني من رعب وجودي هائل يدفعه لتفعيل آليات دفاعية عبر ما سماه (المشروع الخالد ) في النصف الأول من الملحمة، يمثل كلكامش النرجسية المطلقة والبطولة الزائفة ومحاولة إثبات الألوهية والسيطرة على الشعوب هربا من الضعف البشري، وهي الطريقة التي يحاول بها الحاكم إنكار موته عبر الاستبداد غير أن موت إنكيدو المفاجئ يسقط جدار الإنكار هذا، محطما دفاعات البطل النفسية ليواجه حقيقة الموت عارية، ويدخل في فوبيا وحالة هلع وجودي تسلب منه تاج الملك وتدفعه للرحلة المستحيلة وحين يفشل في اختبار اليقظة وتسرق الحية عشبة الشباب، يختبر التطهر النفسي الأكبر؛ ليعود إلى أوروك متقبلا بشريته، ومستبدلا الوهم البيولوجي ب ( المشروع الخالد الصحي ) المتمثل في البناء والعمران وخدمة المجتمع وترك الأثر النافع في الذاكرة الجمعية للأجيال وعلى الصعيد الأنثروبولوجي الثقافي، تعمل الملحمة كوثيقة إثنوغرافية متخيلة توثق لحظة الانتقال الكبرى للبشرية من حالة الطبيعة والتوحش إلى حالة الثقافة والمدنية، وهو ما يتجلى بوضوح في ثنائية إنكيدو وكلكامش وفق منهجية كلود ليف شتراوس يمثل إنكيدو في بدايته الإنسان البدائي المنغمس في الطبيعة والبيئة الحيوية بلا ضوابط، بينما يمثل كلكامش السلطة والمدنية والاستقرار ويعد ترويض إنكيدو عبر المرأة "شامحات" وتقديم الطعام المطهو واللباس والتهذيب طقس العبور الأكبر لتأسيس المجتمع البشري وتدجين الغريزة لصالح النظام الاجتماعي كما أن الصراع الجسدي الأول بين البطلين عند باب العرس يمثل طقسا لتعارف الهويات وتأسيس الندية التي تولد الصداقة، بينما تحول الجسد وتحلله بعد الموت يشكل التهديد الأنثروبولوجي الأكبر للاستقرار الثقافي إضافة إلى ذلك، تقدم الملحمة رؤية أنثروبولوجية مبكرة للسلطة والنقد الاجتماعي، مؤكدة أن المجتمع يمتلك آلياته الذاتية لتصحيح الانحراف وخلق البدائل، وأن الموت هو المساوى الأعظم الذي يزيل الفوارق الطبقية ويوحد المصائر في عالم الظلمة السفلي ولا ينفصل هذا السياق السردي والفلسفي والنفسي عن جذوره الاحتفالية والطقسية الحية في الأيام البابلية والسومرية؛ إذ لم تكن الملحمة نصا صامتا، بل كانت متجذرة في العروض الجماعية الكبرى مثل أعياد (الأكيتو ) التي مثلت أضخم عرض درامي طقسي في العالم القديم تضمن عرض الأكيتو تجسيدا لحكاية صراع النظام والفوضى، وموت الإله وبعثه، ومشاركة الملك الإلزامية في طقس خلع التتاج والصفع على الوجه علنا أمام تمثال الإله لتجديد الشرعية وإثبات الخضوع لقوانين الكون، إلى جانب عروض مناحات "تموز وعشتار" ذات الطابع الجنائزي التعبيري التي تحولت فيها أروقة المعابد إلى مسارح مفتوحة للمواكب الحزينة والرقصات الدرامية الجماعية وقد ترافق ذلك مع الأداء الشفوي للإنشاد الملحمي؛ حيث كان الرواة والكهنة يلقون أبيات ملحمة كلكامش بنبرات صوتية متدرجة تشتد حماسة في المعارك وتلين وتتوجع في المناحات، مصحوبة بإيقاعات آلات القيثارة والناي الرافدي، مما يدمج الجمهور في تفاعل حي وعميق مع المأساة، ويجعلهم يعيشون آلام البطل وفجيعته كأنهم شمشوك في الرحلة تتكاتف هذه الروافد جميعا لتؤكد أن ملحمة كلكامش ليست مجرد أثر قديم مكتوب على ألواح الطين في مكتبة نينوى، بل هي النص المؤسس الأبدي للتراجيديا الإنسانية، والبوتقة التي انصهرت فيها أساطير الخليقة، وقلق الفناء النفسي، ومخاضات الأنثروبولوجيا الثقافية، وطقوس العرض البابلي الحي وحين يعود كلكامش خائبا من أطراف الأرض، متاملا أسوار مدينته المنيعة، فإنه لا يعود مهزوما، بل منتصرا بالوعي والحكمة، ومؤكدا أن الخلود الحقيقي ليس هبة إلهية ولا وهما بيولوجيا، بل هو صنيع الإنسان نفسه حين يكرس حياته لبناء المجتمع، وصون الحضارة، وترك بصمة خالدة في ضمير الإنسانية جمعاء.
السرديات الأولى : مدينة أوروك .. فلسفة الغياب والحضور في ملحمة كلكامش .

آخر تحديث: ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٦ م






التعليقات