تنتمي «خرائب الروح» إلى ما اصطُلح عليه بالرواية القصيرة جدًا، وهو فنّ يُلزم صاحبه بالاقتصاد في الحجم، ويدفعه في المقابل إلى الإفراط في الكثافة. وقد نالت الرواية الجائزة الثانية في المسابقة الوطنية العراقية الأولى لهذا اللون من الكتابة. غير أن ما يستوقف قارئها لا يتصل بحجمها بقدر ما يتصل بطريقة اشتغالها؛ فهي لا تُقدّم حكاية تنمو حول شخصيات بعينها، بل تُقيم عالمًا كاملًا من العلامات، يُقرأ فيه الحدث على مستويين: ظاهرٍ يروي، وباطنٍ يُشير.
وتنهض هذه الدراسة على فرضية مفادها أن الرواية بُنيت على نسق رمزي متماسك، تتعاضد فيه العناصر (المكان، والجماعة، والوباء، والحيوان، والسلطة) لتؤلّف صورة مجازية موسّعة للمجتمع العراقي في لحظة انهياره. وسنحاول فيما يلي تتبّع هذه العناصر واحدًا بعد آخر، ثم النظر في الكيفية التي تحوّلت بها اللغة نفسها إلى ركن من أركان هذا النسق.
وتجدر الإشارة إلى أن العتبات النصية تمهّد لهذه القراءة؛ فعنوان الرواية يجمع بين «الخرائب»، وهي صورة مادية للتهدّم، و«الروح»، وهي ما يُفترض أنه عصيّ على التهدّم، فيُعلن مسبقًا أن الخراب الذي سيُروى خرابٌ داخلي قبل أن يكون عمرانيًا. أما شاهد كازانتزاكيس الذي صدّرت به الرواية، وفيه ذلك القوس المشدود بين الانكسار والرغبة في الشدّ، فيقترح صورة الإنسان المعلّق بين ما يُحطّمه وما يُبقيه حيًّا.
المحور الأول: المنطقة المنسية بوصفها رمزًا مركّبًا
يفتتح الراوي نصّه بما يسمّيه «الخارطة النفسانية» لمنطقة «منسلخة عن العاصمة إنسانيًا، مندمجة معها سياسيًا». وفي هذه العبارة وحدها يتكثّف مفتاح الرواية كله. فالمنطقة ليست مكانًا جغرافيًا فحسب، بل هي وضعية وجودية: جزءٌ يُحتسب عند احتدام الأمزجة الحكومية، ويُسقَط من الحساب «تحت رياح الانتخابات الموسمية». إنها الهامش الذي يتذكّره المركز حين يحتاج إلى أصواته، وينساه حين يحتاج إلى خدماته.
ويتعزّز هذا المعنى بتفاصيل الحدّ الفاصل: سكة حديد «وهمية»، يعقبها مستنقع، وتجاورها أرض سبخة. والسكة هنا أشبه بحدّ طبقي يفصل بين من يُحسب مواطنًا ومن يُحسب هامشًا. أما المستنقع والسبخة فيضيفان إلى الصورة إيحاء الركود والملوحة، أي الأرض التي لا تُنبت حياة. ولعل من أبلغ مفارقات الرواية أن السلطة تأمر بإخلاء هذه الأرض بحجة أنها زراعية، فيما يقرّر الراوي في موضع آخر أنها سبخة غير زراعية. فالحجّة إذن غطاءٌ لقرار سابق عليها، وهي من هذه الجهة صورة للخطاب الرسمي حين يتذرّع بالمصلحة العامة ليُخفي مصلحة أخرى.
وفي صدر هذا الفضاء يقوم «تل الزبالة الكبير»، وهو أحد أذكى المواضع الرمزية في الرواية. فقد استدعى الكاتب قصة تل الزبالة في الموصل، حين حوّله نور الدين زنكي إلى جامع كبير، ثم استبعدها فورًا بقوله إن حكاية تلّه مختلفة تمامًا، فهو مأوى المجرمين وقطاع الطرق. وفي هذا الاستدعاء المنفيّ معنى مضمر: ما كان في التاريخ مشروع إصلاح، صار في الحاضر بؤرة للجريمة وتجارة الأعضاء. ثم تأتي الحكومة فتعالج الظاهرة بتغيير الاسم، فينتقل التل رسميًا إلى «تل القمامة». وهذه الحيلة اللفظية، التي تستبدل التسمية بالمعالجة، تختصر منهج سلطة تؤمن بأن تسمية الداء بغير اسمه كافية لشفائه.
ويمتدّ رمز المكان إلى البيوت نفسها، فهي «جحور خفيضة» و«أنصاف خرائب»، تتقعّر تحت الأسقف المنخفضة. والتقعّر هنا لا يصف العمارة وحدها، بل يصف النفس التي انكمشت واعتادت الانحناء. وبذلك يتحقق العنوان في أول فقرة: الخراب مادي ونفسي في آنٍ واحد.
المحور الثاني: الدائرة الفارغة والدائريون، أو بلاغة العجز
تُبنى هذه المفارقة على اسم واحد: «الدائرة الفارغة». فالدائرة شكل الاكتمال والاجتماع، وقد وُصفت بأنها فارغة، فاجتمع في العبارة الشكل والنقيض. وحولها يجتمع «عقلاء» المنطقة، كبار السن الذين لم يخترهم أحد ولم يكلّفهم مسؤول، لكنهم نصّبوا أنفسهم مرجعًا لحلّ مشكلات الناس، «وأحيانًا مشكلات الحكومة».
وفي وصف الدائريين سخرية متعمّدة. فهم يتلاصقون من شدة البرد، أو «من شدة الخوف»، حول تمثال إسمنتي لرجل أو امرأة، قد فُقد أنفه وأطرافه، وتشوّهت قدماه من بول الكلاب والأطفال. وقد سمّاه الراوي في موضع لاحق «التمثال الخنثى»، فبقي مجهول الجنس والهوية. وهذا التمثال هو الصورة الأصدق للمرجعية التي يتحلّقون حولها: نصب بلا ملامح، مبتور الفعل، تُبال عليه الأجيال حين يغيب أصحابه. فالدائريون يقدّسون رمزًا ميتًا ويحسبونه سلطة.
ويكشف الراوي عن جوهر دورهم حين يقول إن حديثهم لا يؤدي إلى «فجوة في جدار اليأس»، فيطلق عليهم الظرفاء لقب «بياعي الكلام». وهي تسمية قاسية تُدين فئة المثقفين والوجهاء حين يتحوّل خطابهم إلى بديل عن الفعل. ويرتبط بهذا أن أصواتهم تتضاءل كلما اشتدت الأزمة، وأن واحدًا منهم يختفي بعد آخر، حتى تأتي المفارقة الكبرى: حين تندلع الحرب في «باب نهار» تكون أولى المجازر موجّهة إليهم، «أولئك الرجال الذين قالوا أكبر لا عرفتها المحالت». فالمجتمع الذي استهان بعقلائه طويلًا يذبحهم أول ما يتفجّر، وكأن الرواية تقول إن العقل أول ضحايا الفوضى، وإنه كان ضحية مؤجّلة منذ بدأ يكتفي بالكلام.
ويبلغ هذا المحور ذروته في مشهد «آخر الدائريين وهو يتسوّل عبر سكة الحديد»، حيث يُختزل مصير الحكمة الشعبية في ظلّ متسوّل يعبر الحدّ الفاصل. وعند هذا الحد تنتقل الدائرة الفارغة من الرمز إلى الحقيقة: فارغة من أهلها بعد أن كانت فارغة من معناها.
المحور الثالث: الاحتراق الذاتي وثنائية «البيض» و«الملوّثات»
يقدّم الراوي لعنة الاحتراق الذاتي بوصفها سرًّا يُصيب الأجساد دون نار، فيتحوّل الجسد إلى «أكوام متناثرة من اللحم الأسود». وتلتقط الجماعة الحدث بغريزتها الأولى: البحث عن سبب أخلاقي في الضحية. فيمرّ الناس بجانب المرأة القتيلة ويردّدون العبارة المشهورة «لو كانت امرأة شريفة ما قُتلت». والنص هنا يلتقط ظاهرة اجتماعية دقيقة؛ فالمجتمع يحتاج أن يُقنع نفسه بأن المصيبة لا تصيب إلا من استحقّها، لأن ذلك يمنحه وهم الأمان.
أما الرمز الأبعد فيكمن في مصدر النار. فالمحترقون يحترقون «بدون نار»، أي إن النار كامنة فيهم لا آتية من خارجهم. وهذا يسمح بقراءة الاحتراق كتجسيد للقهر المكبوت والاحتقان الداخلي الذي بلغ أقصاه، فانفجر في الأجساد لأنه لم يجد منفذًا في الكلام. وبهذا المعنى تكون الظاهرة امتدادًا لعنوان الرواية: الروح تتخرّب حتى تحرق ما يحملها.
ثم يتحوّل الأمر إلى مشهد اجتماعي مؤلم حين يُصنَّف الموتى. فالمحترقات، وقد تجاوز عددهن العشرين، قُسّمن إلى «بيض» و«ملوّثات»؛ تُدفن الأولى في مدفن خاص، وتُلقى الثانية في أماكن بعيدة عن مقابر المحلات، بل رفض المختارون والفقيه إدخالها ضمن تلك المقابر. وفي ذلك سخرية قاتمة من منطق يمتدّ حكمه إلى ما بعد الموت. والفقيه نفسه، وهو حامل السلطة الدينية، يتحايل على السؤال حين يُسأل عن المرأة الثالثة فيقول: «استغفر الله، الستر مطلوب». وتلك الجملة، بما فيها من تقوى معلنة وتهرّب مضمر، تكشف كيف تتحوّل الفضيلة إلى أداة للإفلات من المساءلة.
على أن الرواية لا تترك هذا التصنيف يمرّ دون عقاب. فقد احترق ثلاثة رجال في ليلة واحدة، من بينهم المختار المؤسس والفقيه نفسه، فسقط المصنِّفون في المحرقة التي صنّفوا ضحاياها. ثم احترقت أجساد الرجال والأطفال، حتى طفل لم يُفطم، فانهار التفسير الأخلاقي من أساسه: ما ذنب رضيع ليكون ملوّثًا؟ وبذلك تتعرّى الفكرة الأصلية، وهي أن الكارثة عمياء، وأن التبرير الأخلاقي لها وهم تصنعه الجماعة لتتحمّل خوفها.
ومن اللمسات الساخرة في هذا الباب مسألة الوصايا. فقد صار الناس يكتبون وصاياهم قبل النوم، وجاء في إحداها: «إذا متُّ فاقتلوا الشاب الفلاني». فتحوّل الموت إلى فرصة لتصفية الحسابات، وهي صورة مصغّرة لثارات تُورَّث «كإرث فاسد من الآباء إلى الأبناء».
المحور الرابع: التقسيم والمختارون، أو تفتيت الجماعة
تقول الرواية إن العاصمة كانت في الأصل «محلة واحدة متوحّدة في كل شيء». ثم جاء المختارون فمزّقوها إلى محلات صغيرة «تحقيقًا لأطماعهم الشخصية». وهكذا تولد المحلات الثلاث: «باب نهار» و«المسعودية» و«المنادمة»، بأسماء «لا يعلم أحد من أين أتت». وهذا الجهل بأصل التسميات رمز بذاته: فالانقسام يتأسس على علامات فارغة المعنى، وعلى هويات مصطنعة تتحوّل بالتكرار إلى حقائق.
ومما يحمل دلالة خاصة أن المقابر انقسمت أيضًا «تيمنًا بتقسيم المحلات». فالتشظّي يتجاوز الأحياء إلى الأموات، ولا يترك للمجتمع حتى مثواه الأخير موحّدًا. ثم يتسع حلم المختارين والشباب الطامحين إلى تقسيم المنطقة إلى «عشرة أقسام غير متساوية إلا بالفاقة والحزن والجهل». والتركيب الأخير بالغ البلاغة؛ فالتساوي الوحيد بين الأقسام هو تساوي البؤس، أما القسمة فتبقى لصالح قلّة تلمّع أسماءها.
وتبلغ هذه الدلالة ذروتها في الحرب التي اشتعلت في «باب نهار» «لأسباب تافهة كالمعتاد»، حيث اتخذت «المنادمة» موقف «الحياد الإيجابي»، ووقفت «المسعودية» على «الحياد السلبي»، وأرسلت خفية من يشعل الحرب «أطول فترة ممكنة». وهذه الاصطلاحات المستعارة من لغة السياسة تكشف نمط النزاعات الإقليمية بين من يتفرّج ومن يوقد ومن يجني. ولا غرابة أن ينسحب أبناء «المسعودية» من المعركة تاركين رفاقهم «في الدم أو الذبح» يواجهون مصيرهم، فهو انسحاب الحلفاء الذين لم يكن التحالف عندهم إلا أداة.
ويستحضر الراوي في سياق هذا التشظّي ما يسميه «لعنة الأقاليم التي خسفت الأرض بفكرة توحيد البلاد تحت علم واحد»، فيجعل من هذه المحلات المتشاحنة صورة مصغّرة لوطن يُقسَّم باسم الوحدة.

المحور الخامس: الكلاب، أو الرمز المتعدد الدلالة
لا يمكن اختزال الكلاب في دلالة واحدة، وهذا ما يمنحها قيمتها الفنية. فهي في بداية ظهورها قوة غامضة تهاجم البيوت ليلًا وتختفي نهارًا، يقودها كلب أسود ضخم «كأنه أسد»، وتخضع لخطة وتنظيم أقرب إلى الجيش منه إلى الحيوان السائب. وهذا التنظيم هو ما يحوّلها من حيوان إلى رمز، فالناس أنفسهم يتساءلون: «هذه ليست كلابًا، بل وحوش، لها أفكار وخطط».
وللكلاب في النص ثلاث وظائف رمزية متداخلة. الأولى أنها صورة السلطة الخفية التي تفرض حظر التجوال وتقطع الطرق وتعزل المحلات عن المدينة. وقد كانت الحكومة عاجزة عن مواجهتها، فجاء زمن الكلاب، كما يقول الراوي، حين لم تعد الدولة قادرة على حماية أهلها. والثانية أنها حارسة للقيمة الطبقية والأخلاقية التي أنتجها المجتمع، فمهمتها الأولى «حراسة قبور المحترقين البيض» ونبش قبور الملوّثين والملوّثات وبعثرة عظامهم. أي إنها تنفّذ بوحشية ما كان الناس يمارسونه بتهذيب: تكريس التمييز بين الجثث. والثالثة أنها صوت الأرض حين يتهددها الاقتلاع، وهذا ما يجعلها تتعلّق بالمكان.
والمشهد الذي يلخص هذا البعد الأخير أن الكلاب، بعد ما أُبيد الدائريون، حدّدت منطقة التمثال بالبول، «كما هو معروف علميًا أن الكلاب تحدد وطنها بالبول وتدافع عنه حتى الموت». وهنا يلتقي الرمز بالسخرية؛ فالوطن الذي ضيّعه البشر يعيد الحيوان تأسيسه بأقدم أدوات الانتماء. ومن اللافت أن البول نفسه كان قد وصف به تشويه التمثال، فيعود الفعل الواحد من إهانةٍ إلى تأسيس، بحسب من يمارسه.
ولا تقف قيمة الرمز عند التهديد؛ فهي تتلقّى قدرها بإنسانية مفاجئة. فحين يقتحم الرجال المرقطون المكان، تتساقط الكلاب حول القبور التي كلّفت بحراستها، ويقسم من شهد المشهد أنها «كانت تبكي بدموع ظاهرة وهي تموت». وبهذه الدمعة يقلب الكاتب موقف القارئ، فالمخلوق الذي كان رمز الرعب يُصبح رمز الأمانة المهزومة. وتتضاعف المفارقة إذا تذكرنا أن الذين أبادوها «كان من هواياتهم أكل الأفاعي والكلاب»، فكأن الوحشية انتقلت من الكلاب إلى من يقتلها باسم الحماية.
المحور السادس: الإخلاء والرجال المرقطون، أو السلطة حين تظهر
تأتي أوامر الإخلاء في الرواية كأنها حكم قدري: أمر أول، ثم أمر ثانٍ بعد ستة أشهر، ثم مهلة شهرين. وتحاول الجماعة أن تردّه بالتفاوض فيعود المتفاوضون «بخفي حنين»، وبالسلاح فتتكوّن جماعات تسمّي نفسها «من تطوّع خيرًا» و«الصواعق»، بشعارها الساخر «من قتل كلبًا فله حسنة». وهذا الشعار، الذي يستعير لغة الأجر الديني لتبرير القتل، يجسّد كيف يُلبَس العنف ثوب الفضيلة.
وحين تعجز الجماعة بقواها عن الحل، تتدخل السلطة بصورة لا تُرى إلا في هذه اللحظة: رجال «انشقّت الأرض عنهم بهيئة الجن»، بملابس مرقطة كأفاعي الصحراء، يقتحمون المكان بالحراب. واللافت أن الرواية لا تمنحهم اسمًا ولا هوية، فهم قوة بلا وجه، تأتي من تحت الأرض وتنتهي بعد أن تؤدي المهمة. وهذا الغياب للوجه يجعلهم أقرب إلى القدر منهم إلى الجنود.
والمفارقة التي تغلق الدائرة أن القوة التي أنقذت الأهالي من الكلاب هي نفسها التي أخرجتهم من ديارهم. فخلاصهم من عدو الأرض كان تمهيدًا لفقدان الأرض. وبعد ذلك يعبر الناس السكة، ويتفرّقون في المدينة بحثًا عن سكن وعمل، تاركين «رفات آبائهم وأجدادهم على أمل نقلها في زمن آخر». وهذا الأمل المؤجّل تفصيل مؤثر يعبّر عن انقطاع الجذور، فالأجداد باقون تحت الأرض التي ستُجرف.
ثم تختم الرواية بمشهد الجرافات التي «محت المحلات الثلاث عن وجه الأرض»، ويُخطَّط المكان «لمدينة رياضية، أو ملعب كبير، أو مطار.. من يدري!؟». وهذه النهاية المفتوحة على الجهل بما سيُبنى هي ذروة الرمز. فالمكان لا يُهدم من أجل مشروع واضح، بل من أجل مشروع مجهول لا يُسأل عنه. ومن اللافت أن المشاريع المقترحة (ملعب، مطار) كلها أماكن عبور وترفيه، لا أماكن إقامة، كأن الأرض التي كانت بيتًا لأناس تتحول إلى فضاء بلا ذاكرة.
المحور السابع: الزمن والحلم والتشكيل اللغوي
للزمن في الرواية طابع دائري لا خطي. فالراوي يتحدث عن «تحفزات الوقت وتقافزاته»، وعن ليالٍ «لا أشكال لها لفرط تشابهها»، وتتكرر عبارة «كما هو متوقع» و«كما يجب لا كما ينبغي»، وتُستحضر المثل الشعبي «عادت حليمة إلى عادتها القديمة». هذا التكرار يؤكد أن الكارثة لا تقع مرة واحدة بل تُعاد في أشكال شتى: احتراق، فتقسيم، فكلاب، فإخلاء. وكل لعنة تحلّ حين يظن الناس أن ما قبلها قد ولّى.
أما الحلم فهو الملاذ الأخير. يقول الراوي إن الناس هنا «يعتاشون على الأحلام»، وإنها تتحول في أواخر الليالي إلى كوابيس، لكنهم مع ذلك «يتوسلون» فيها كونًا أرحب. وفي هذا السياق تأتي المقولة المقلوبة: «اعمل ليومك كأنك تموت غدًا». وهذه إعادة صياغة ساخرة للحكمة المعروفة التي تدعو إلى العمل كأنك تعيش أبدًا، وقد انقلبت لأن الأفق نفسه قد أُغلق. فحين يصبح الغد مهددًا بالاحتراق أو الاقتلاع، لا يبقى غير اليوم.
وعلى مستوى اللغة، تتميّز الرواية بأسلوب شعري كثيف تتراكم فيه الصفات والاستعارات («الليالي التي لا أشكال لها»، «جحيم التآكل»)، وبجمل طويلة متدفقة تكاد لا تتنفس. وهذا الإيقاع المتصل يخلق إحساسًا بالاختناق يناظر اختناق أهل المنطقة. وهو في الوقت ذاته أسلوب ساخر، يعمد إلى التضاد (الحياد الإيجابي والسلبي)، والتورية في الأسماء، والاستطرادات الاعتراضية بين الأقواس التي تقطع سرد الراوي بتعليق لاذع. وبهذا تكون اللغة أحد حوامل الرمز، لأنها تحاكي في بنيتها ما تصفه من فوضى.
ويضاف إلى ذلك أن الراوي لا يتبنى بطلًا فردًا، فالبطل هو «المنطقة» بجماعتها. وتغيب الأسماء الشخصية إلا في الهوامش (عزيزة دخان، ناجية عربيد)، وهي أسماء تظهر بوصفها أرقامًا في قائمة المحترقات. وهذا الاختيار الفني يعكس رؤية الرواية للفرد في زمن الكارثة: يذوب في الجماعة، وتُمحى اسمه إلا حين يُسجَّل في دفتر الموتى.
المحور الثامن: مواطن القوة في البناء الفني
تجلّى قوة «خرائب الروح» في جملة من الخيارات الفنية التي جعلت هذا النص القصير يحتمل ثقل التجربة التي يحملها. وأول هذه المواطن أن الرواية جعلت من المكان بطلها، فلم تُجزّئ الحدث على شخصيات متنافسة على الحضور، بل جعلت «المنطقة» ذاتها كائنًا يحيا ويخاف ويمرض ثم يموت. وهذا الاختيار منحها كثافة جماعية نادرة في الرواية القصيرة جدًا، إذ تُروى المأساة بصيغة الجمع، فتتّسع دلالتها من حيّ بعينه إلى وطن بأكمله.
ويتصل بذلك ثانيًا إحكام النسق الرمزي. فالعناصر التي مرّ ذكرها (الدائرة، والاحتراق، والمحلات، والكلاب، والإخلاء) لا تتجاور على سبيل الصدفة، بل تتعاقب تعاقبًا سببيًا خفيًّا: عقل معطَّل يفتح الباب لقهر مكبوت، فيستثمره الطامعون في التفتيت، فتنشأ فوضى تستدعي قوة تُنهيها وتنهي معها المكان. وهكذا تصير الحكاية على بساطتها الظاهرة تشخيصًا لمسار الانهيار من أسبابه الأولى إلى خاتمته.
وثالث مواطن القوة السخرية السوداء التي تشيع في النص من أوله إلى آخره. فالراوي لا يبكي مأساته، بل يرويها بنبرة من يعرف أن الدموع لا تغيّر شيئًا، فتأتي المفارقات («الحياد الإيجابي والحياد السلبي»، «من قتل كلبًا فله حسنة»، «اعمل ليومك كأنك تموت غدًا») أبلغ أثرًا من أي ندب مباشر. وهذه السخرية تحمي النص من الوقوع في الخطابية، وتجعل القارئ شريكًا في كشف التناقض لا متلقيًا لموعظة جاهزة.
ويضاف إلى ذلك رابعًا قدرة الرواية على قلب المواقف دون إعلان. فالكلاب التي بدت رمز الرعب تنتهي رمزًا للوفاء المهزوم، والمصنِّفون الذين فرزوا الموتى يسقطون في المحرقة ذاتها، والدائريون الذين اعتصموا بالكلام يُذبحون أول من يُذبح. وهذه الانقلابات تمنح النص حركة داخلية وتحول دون جمود الرمز في دلالة واحدة، فيبقى مفتوحًا على قراءات متعددة.
وخامسها اللغة. فالجملة الطويلة المتدفقة، والصورة الشعرية الكثيفة، والاستطراد بين الأقواس، كلها تصنع إيقاعًا خانقًا يطابق في صوته ما يصفه في معناه. وهي لغة تحمل ذاكرة ثقافية واضحة، من الأمثال الشعبية («عادت حليمة إلى عادتها القديمة») إلى الإحالة التاريخية إلى جامع الموصل ومنارته الحدباء، فتربط الحكاية المتخيَّلة بجراح واقعية يعرفها القارئ العراقي.
وأخيرًا تأتي النهاية المفتوحة التي تتوّج هذه المواطن جميعًا. فسؤال «من يدري؟» الذي يختم الرواية يرفض الجواب الجاهز، ويترك للقارئ مهمة استكمال المعنى. وبذلك تتحول الخاتمة من إغلاق للحكاية إلى فتح لسؤال أكبر منها، وهو ما يُعدّ من أنضج ما تقدّمه الرواية القصيرة جدًا حين تحسن الاقتصاد في القول وتُجيد الإيحاء.
الخاتمة
تبيّن من هذه القراءة أن «خرائب الروح» تقوم على بناء رمزي متضافر، لا تنفصل فيه العناصر بعضها عن بعض. فالمنطقة المنسية صورة للهامش الذي تهمله الدولة، والدائريون صورة للنخبة التي استبدلت الكلام بالفعل، والاحتراق الذاتي صورة للقهر المكبوت وللحكم الأخلاقي المتسرع على الضحايا، والمحلات المتناسلة صورة للتفتت الذي يغذّيه الطامعون، والكلاب صورة مركّبة للقوى الخفية التي تفرض نفوذها حين تغيب الدولة، ثم تُباد حين تحتاج السلطة إلى الأرض.
وتكمن قوة الرواية في أنها لا تشرح رموزها، بل تتركها تعمل داخل الحكاية، وفي أنها تمزج الفانتازيا بالسخرية والواقع المرير دون أن يطغى أحدها على الآخر. وإذا كان لها من مأخذ، فهو أن الاستطراد الوصفي يثقل الإيقاع أحيانًا، وأن غلبة الراوي العليم تقيّد صوت الشخصيات. غير أن هذه الملاحظة لا تنقص من أصالة التجربة، فالرواية، على قصرها، تصوغ مأساة مكان وجماعة صياغة تتجاوز حدود الحكاية المحلية لتبلغ مستوى القول الإنساني.
ولعل أبلغ ما تتركه في القارئ نهايتها المفتوحة على سؤال الراوي الأخير: «من يدري؟». فهو سؤال لا ينتظر جوابًا، بل يُسقط على القارئ عبء التفكير في أي مصير ينتظر الأماكن التي تُمحى والناس الذين يُنسون.







التعليقات