انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الرجل الذي نسي أن يموت على الخشبة: مقداد عبد الرضا وحكاية الوجه الذي طارد أصحابه

إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

باحث وأكاديمي

10 دقائق للقراءة
34 مشاهدة2 تعليق
الرجل الذي نسي أن يموت على الخشبة: مقداد عبد الرضا وحكاية الوجه الذي طارد أصحابه
مشاركة:

في ليلة لا يعترف بها تقويم المسرح العراقي، وبعد أن انصرف آخر متفرج من عرض النخلة والجيران سنة 1969، وأُطفئت الأنوار واحدًا بعد آخر، وبقيت الخشبة عارية إلا من رائحة الممثلين وغبار الديكور، حدث أمر لم ينتبه إليه الحارس: لم يخرج صاحب البايسكلجي مع مقداد عبد الرضا. خرج مقداد من الباب الخلفي، أما الشخصية فبقيت هناك، جالسة على حافة المسرح، تحرك ساقيها في الفراغ وتنتظر شيئًا لا تعرفه. بعد منتصف الليل نهضت، مشت إلى المكان الذي تركت فيه الدراجة، وضعت قدمها على الدواسة، وانطلقت في بغداد. لم يكن صاحب البايسكلجي يعرف أنه شخصية مسرحية، وهذه أول مصيبة في الحكاية؛ كان مقتنعًا بأن مقداد عبد الرضا هو الذي مثّله، أي أنه استعاره ساعتين ثم يفترض أن يعيده إلى حياته، لكن مقداد نسي أن يفعل ذلك، فقرر الرجل استعادة نفسه بنفسه. دار في الشوارع يسأل عن ذلك الممثل الذي سرق وجهه، وكلما وصفه للناس قالوا له: لكنك أنت مقداد! فيغضب ويضرب جرس الدراجة ويصيح: أنا صاحب البايسكلجي، مقداد هو الذي يشبهني. وهكذا بدأت المطاردة التي ستستغرق أكثر من نصف قرن. في الأوراق، كان مقداد عبد الرضا ممثلًا شابًا أدى شخصية صاحب البايسكلجي في النخلة والجيران سنة 1969، ثم مضى إلى أعمال أخرى؛ أما في النسخة السرية من التاريخ، فقد كان الدور هو الذي أدى مقداد ثم رفض مغادرته. ومنذ تلك الليلة صار مقداد يستيقظ أحيانًا على رنين دراجة تحت نافذته، يطل فلا يرى أحدًا، لكنه يجد خطين رفيعين على التراب، فيعرف أن الرجل يبحث عنه. كان يستطيع أن يواجهه، لكنه لم يفعل، ربما لأنه اكتشف مبكرًا حقيقة خطيرة عن التمثيل: الشخصية التي تنجح أكثر مما ينبغي لا تعود ملكًا للممثل، بل تبدأ هي بادعاء ملكيته. لذلك كان مقداد كلما دخل دورًا جديدًا يترك لصاحب البايسكلجي عنوانًا خاطئًا؛ مرة يقول له إنني في الإذاعة، ومرة في السينما، ومرة في التلفزيون، فينطلق الرجل وراءه، لكنه كان يصل دائمًا متأخرًا بدور واحد. دخل الاستوديو فوجد صوت مقداد ولم يجد جسده، ذهب إلى المسرح فوجد جسده وقد صار رجلًا آخر، دخل السينما فوجد وجهه أكبر من الجدار، فضرب الشاشة بيده وصاح: انزل أيها اللص! ولم ينزل أحد. عندها ارتكب صاحب البايسكلجي أول جنون حقيقي: قرر ألا يلاحق مقداد في المكان، بل في الزمن. ركب دراجته وأدار الدواسات إلى الخلف. تراجعت بغداد حوله، تراجعت السيارات، عادت الملابس القديمة، صغرت العمارات، حتى وصل إلى سنة 1951، السنة التي تقول الوثائق إن مقداد عبد الرضا ولد فيها في جلولاء. نزل من الدراجة وراح يبحث عن طفل يشبه الرجل الذي يعرفه، لكنه لم يجده. سأل البيوت والأبواب والأشجار، وفتش وجوه الصبية واحدًا واحدًا، ثم جلس في الطريق مذعورًا وقال: مستحيل. مقداد عبد الرضا لا يمكن أن يكون طفلًا. كانت تلك الحقيقة الوحيدة التي صدقها. فبعض الفنانين نستطيع تخيلهم أطفالًا، أما مقداد فقد وصل إلى الذاكرة العراقية مكتملًا؛ وجه محدد، عينان تعرفان أكثر مما تقولان، شارب، صوت، سخرية خفية، وملامح كأنها سبقت صاحبها إلى العمر. عاد صاحب البايسكلجي إلى دراجته غاضبًا، وقال للتاريخ: أنت تكذب. ثم ضغط على الدواسة إلى الأمام بقوة حتى طارت سنة 1951 خلفه مثل ورقة ممزقة، وعاد يبحث عن الرجل الذي لم يعثر على طفولته.

الرجل الذي نسي أن يموت على الخشبة:

مقداد عبد الرضا وحكاية الوجه الذي طارد أصحابه

المذياع الذي ابتلع رجلًا ورفض أن يعيده

وصل صاحب البايسكلجي إلى سنة 1970 وهو يلهث، لكنه لم يجد مقداد فوق خشبة. قالوا له إنه دخل الإذاعة. ذهب إلى المبنى، ركن دراجته، فتش الغرف، فتح الأبواب، نظر تحت الطاولات، ولم يعثر عليه، ثم سمع صوته يخرج من صندوق صغير. اقترب من المذياع ووضع أذنه عليه. نعم، هذا هو. طرق الخشب وقال: مقداد، اخرج. استمر الصوت. طرق أقوى. لا جواب. حمل المذياع وقلبه، بحث عن باب خلفي، ثم فك غطاءه، فلم يجد سوى أسلاك وصمامات وغبار. ارتعب. أعاد تشغيله، فخرج صوت مقداد من جديد. ركض إلى غرفة أخرى فوجد مذياعًا ثانيًا، وكان مقداد هناك أيضًا. خرج إلى الشارع فسمعه من دكان. دخل مقهى فسمعه من جهاز فوق الرف. عاد إلى البيت فوجد الرجل نفسه ينتظره داخل مذياعه. عندها جلس على الأرض وقال لدراجته: لقد تعلم السحر. والحقيقة المهنية أقل جنونًا ولكنها لا تقل إثارة؛ فقد عمل مقداد عبد الرضا في إذاعة العراق مخرجًا وممثلًا، وكان من المساهمين الأوائل في تأسيس إذاعة صوت الجماهير سنة 1970، وارتبط لاحقًا بتأسيس إذاعة أف أم العراقية، وتولى إدارة إذاعة بغداد، وأخرج أعمالًا إذاعية من بينها المتنبي والجواهري. أما صاحب البايسكلجي فكانت له روايته الخاصة؛ قال إن مقداد اكتشف طريقة لتقسيم نفسه إلى آلاف النسخ وإرسالها عبر الهواء. ولكي يثبت ذلك، صعد ذات ليلة إلى سطح بيت ومد يديه محاولًا الإمساك بصوت عابر فوق بغداد. لم يمسك شيئًا. لكنه في الصباح وجد المتنبي جالسًا في مقهى، والجواهري قبالته، وبينهما طاولة عليها ثلاثة استكانات شاي. اقترب بحذر وسألهما: هل رأيتما مقداد؟ أجاب المتنبي: أخرجنا من الموت ثم ذهب. وقال الجواهري: سيعود عندما تبدأ الحلقة التالية. جلس صاحب البايسكلجي معهما وهو يشعر أن العالم فقد قوانينه؛ شاعر من القرن الرابع الهجري، وشاعر من القرن العشرين، وشخصية مسرحية من سنة 1969 يجلسون في مقهى واحد ينتظرون مخرجًا إذاعيًا ولد، بحسب وثيقة مشكوك فيها، سنة 1951. وفجأة جاء صوت مقداد من المذياع المعلق فوق رؤوسهم. رفع الثلاثة رؤوسهم. قال صاحب البايسكلجي: انزل. لم ينزل. قال المتنبي: دعه، هذا الرجل أحب الغياب أكثر مما ينبغي. وهنا بدأ مقداد يتكاثر فعلًا، لا في الهواء وحده، بل في التلفزيون والمسرح والسينما. كلما وصل صاحب البايسكلجي إلى عمل وجده قد غادر إلى عمل آخر، تاركًا وراءه رجلًا يحمل وجهه. وفي النسر وعيون المدينة وجد شخصًا اسمه رؤوف يحتل الملامح التي يعتقد أنها ملكه، ثم جاء الدفتر الأزرق، والهروب إلى المجهول، وهستيريا، وليل الشتا، ومناوي باشا، وضياع في حفر الباطن، ووادي السلام، وغيرها من الأعمال التي امتدت عبر عقود. عندئذ لم تعد المسألة مطاردة ممثل؛ صار صاحب البايسكلجي يبحث عن نفسه وسط جيش من الرجال الذين يحملون الوجه نفسه، وبدأ يشك للمرة الأولى في أنه ربما ليس الأصل.

الرجل الذي نسي أن يموت على الخشبة:

مقداد عبد الرضا وحكاية الوجه الذي طارد أصحابه

المحكمة التي حاكمت ممثلًا بتهمة سرقة وجوه الموتى

انعقدت المحكمة عند الثالثة فجرًا داخل جهاز تلفزيون عراقي قديم، وكان الدخول إليها يتم من فتحة الهوائي. ترأس الجلسة جمهور لا يظهر وجهه، وجلس مقداد في قفص الاتهام، بينما اصطف شهود الادعاء: صاحب البايسكلجي، رؤوف، نسيم أفندي خضوري، نعمة الدفان، ورجال آخرون خرجوا من أفلام ومسرحيات ومسلسلات مختلفة. وقف صاحب البايسكلجي وقال: أتهم هذا الرجل بسرقة وجهي. نهض رؤوف وقال: وأنا أتهمه بالعكس؛ لقد أعطاني وجهه ثم تركني وحيدًا في الأرشيف. صاح نسيم أفندي: وأنا أريد معرفة أي واحد منا سيُكتب تحت صورته اسم مقداد عبد الرضا. أما نعمة الدفان فضحك وقال: أنتم لم تفهموا شيئًا؛ نحن لسنا شخصياته، نحن أعمارُه. ساد الصمت. التفت القاضي إلى مقداد وسأله: ماذا تقول؟ رفع مقداد رأسه وقال: لا أعرف من منّا مثّل الآخر. عندها انفجرت قاعة المحكمة بالهمس، لأن السؤال قلب القضية كلها؛ ماذا لو لم يكن الممثل هو الذي يصنع شخصياته؟ ماذا لو كانت الشخصيات تتآمر على رجل واحد، تدخل جسده بالتتابع، تأخذ من صوته ونظرته وأعصابه وذاكرته ثم تغادر وتتركه أقل قليلًا مما كان؟ كانت مسيرة مقداد موزعة بالفعل بين التمثيل والإخراج والكتابة والنقد والإذاعة والمسرح والسينما، حتى يصعب اختزالها في هوية مهنية واحدة. وفجأة اقتحمت أفلامه المحكمة؛ دخل العاشق أولًا، ثم الفارس والجبل، وعرس عراقي، وشيء من القوة، واللعبة، وفي ليلة سفر، والانفجار والفرار، وتحولت القاعة إلى شريط سينمائي طويل يمشي فيه مقداد بين نسخه المتعددة. لكن الجلسة توقفت حين دخلت التسعينيات من الباب من دون استئذان. لم تكن شخصًا، بل امرأة شاحبة ترتدي ثوبًا من ورق التموين وتحمل مصباحًا مطفأ. قالت: أطفئوا المحكمة، لا كهرباء كافية. سكت الجميع. خرجوا إلى بغداد فوجدوا المدينة قد نحلت. حتى الدراجة بدت جائعة. المسارح تقاوم، السينما تبحث عن وسائل إنتاج ممكنة، والفن يحاول أن يعيش في زمن الحصار. وكانت تجربة أفلام السكرين، ومنها الانفجار، جزءًا من ذلك البحث عن إمكان الاستمرار في ظروف شديدة الصعوبة. نظر صاحب البايسكلجي إلى مقداد وفهم أخيرًا سبب عجزه عن القبض عليه: لم يكن الرجل يهرب منه، بل كان يهرب بالفن من الموت. كلما سد التاريخ طريقًا فتح ثقبًا في الجدار؛ إذا تعبت السينما احتمى بالمسرح، وإذا ضاق المسرح دخل الإذاعة، وإذا غاب الجسد أرسل صوته، وإذا انطفأ الصوت ترك وجهًا محفوظًا في شريط. عندها سحب صاحب البايسكلجي شكواه. سأله القاضي: لماذا؟ قال: لأنني اكتشفت أن المتهم لم يسرق وجهي. وسكت. سأله القاضي: فمن سرقه؟ نظر إلى الشخصيات المتجمعة وقال: نحن. نحن الذين أكلنا وجهه قطعة قطعة لكي نبقى أحياء. ثم خرج من المحكمة، لكنه نسي دراجته في الداخل، ولذلك ظلت لسنوات تظهر أحيانًا في تشويش التلفزيون عندما تنتهي البرامج ولا يطفئ أحد الجهاز.

الرجل الذي نسي أن يموت على الخشبة:

مقداد عبد الرضا وحكاية الوجه الذي طارد أصحابه

المدينة السرية التي يسكنها الذين انتهت أدوارهم

بعد سنوات طويلة، حين أصبحت أجهزة التلفزيون القديمة خردة، واختفت أشرطة كثيرة، وتبدلت بغداد حتى صارت بعض شوارعها غير قادرة على التعرف إلى نفسها، عاد صاحب البايسكلجي للبحث عن دراجته، فوجد خلف شاشة مهجورة بابًا لم يره من قبل. فتحه، فإذا بمدينة كاملة تحت المدينة؛ بغداد أخرى لا تظهر على الخرائط، يسكنها الذين انتهت أدوارهم. رأى شخصيات المسرح تتشاجر مع شخصيات التلفزيون حول أيهما أكثر خلودًا، وشخصيات الإذاعة تمشي بلا أجساد، وأبطال السينما يرفضون الخروج في النهار خوفًا من أن تحرق الشمس أفلامهم. في مقهى صغير كان رؤوف يلعب الطاولة، وعلى الرصيف مر نسيم أفندي خضوري، ومن بعيد جاء نعمة الدفان، بينما كان المتنبي والجواهري لا يزالان ينتظران الحلقة التالية. سألهم صاحب البايسكلجي: أين مقداد؟ أشاروا جميعًا إلى بيت بلا باب. اقترب، فوجد نافذة واحدة. نظر منها فرأى غرفة فارغة تتوسطها مرآة. دخل من النافذة ووقف أمامها، فظهر مقداد. قال صاحب البايسكلجي: وجدتك أخيرًا. أجابه الرجل في المرآة: بل وجدت نفسك. مد يده ليمسكه فاصطدمت أصابعه بالزجاج. قال: أخرج. أجابه مقداد: أنت الذي ينبغي أن تخرج. غضب: أنا خرجت منذ 1969 ولم أعد. ابتسم مقداد: وهذه هي المشكلة. وفجأة تحولت المرآة إلى شاشة، والشاشة إلى خشبة، والخشبة إلى استوديو إذاعي، والاستوديو إلى شارع، والشارع إلى جلولاء سنة 1951. ظهر طفل بعيد. حدق صاحب البايسكلجي فيه طويلًا ثم هز رأسه بعناد: لا. لن أصدق. مقداد لم يكن طفلًا قط. ضحك الرجل داخل المرآة للمرة الأولى، وانكسرت الشاشة إلى مئات القطع، وفي كل قطعة ظهر مقداد بعمر وشخصية مختلفين. عندها أدرك صاحب البايسكلجي الحقيقة التي احتاج نصف قرن كي يصل إليها: الفنان الذي يدخل الذاكرة لا يبقى له عمر واحد. لهذا كانت التكريمات التي نالها مقداد، ومنها تكريمه عن مجمل مسيرته السينمائية في مهرجان أبو ظبي السينمائي سنة 2012 وتكريمه في ستوكهولم في العام نفسه، اعترافًا بمسيرة امتدت بين وسائط وأجيال متعددة، لكن الجائزة الأغرب لم تكن مكتوبة في شهادة؛ كانت أن تتحول بعض شخصياته إلى علامات تستطيع الذاكرة استدعاءها بعد عقود. وفي تلك اللحظة وجد صاحب البايسكلجي دراجته واقفة خلفه. ركبها وخرج من المدينة السرية، لكنه حين وصل إلى بغداد لم يعرفها، والأسوأ أن بغداد لم تعرفه. دار في الشوارع حتى الفجر، ثم رأى نافذة مضاءة في بيت بعيد. اقترب. كان رجل مسن يشاهد مقطعًا قديمًا من النخلة والجيران. توقف صاحب البايسكلجي أمام النافذة، ونظر إلى الشاشة، فرأى نفسه شابًا هناك. مد يده نحو وجهه. للمرة الأولى خاف. إذا كان هو هنا، فمن الرجل الموجود على الشاشة؟ وإذا كان مقداد قد أداه سنة 1969، فلماذا صار العراقيون حين يرونه يقولون مقداد قبل أن يقولوا صاحب البايسكلجي؟ عندها انقلبت الحكاية كلها. فهم أن مقداد لم يكن يسكن الشخصيات؛ الشخصيات هي التي كانت تسكنه، ثم انتقلت منه إلى الناس. ولذلك لم يعد العثور عليه ممكنًا في مسرح أو إذاعة أو فيلم أو صورة. كان موزعًا على ملايين الذاكرات، قليلًا هنا وقليلًا هناك. أدار صاحب البايسكلجي دراجته، لكنه قبل أن يرحل التفت إلى الشاشة وقال للرجل الذي منحه وجهًا قبل أكثر من نصف قرن: كنت أطاردك لأستعيد وجهي، فاكتشفت أنك كنت تستخدم وجهي لكي تنجو من الزمن. ثم ابتعد. وفي آخر الشارع اختفى جسده، ثم اختفت الدراجة، وبقي الجرس وحده يرن في الهواء. مرة. مرتين. ثلاثًا. وبعد الرنة الثالثة انطفأت الشاشة. ظن الجميع أن الحكاية انتهت، لكن طفلًا كان يجلس في الغرفة المجاورة سأل أباه: من صاحب هذه الدراجة؟ نظر الأب إلى التلفزيون المطفأ وقال: لا توجد دراجة. قال الطفل: بلى، سمعت جرسها. وهنا، في اللحظة التي لا ينبغي أن تحدث، ظهر وجه مقداد عبد الرضا على زجاج الشاشة السوداء، لا شابًا ولا شيخًا ولا طفلًا، بل بذلك العمر المستحيل الذي عرفناه فيه دائمًا. ابتسم، ثم اختفى. وفي الخارج، كان صاحب البايسكلجي قد بدأ دورة جديدة حول بغداد؛ لأن بعض الشخصيات تنتهي عندما يسدل الستار، وبعضها يموت عندما يموت ممثلها، أما صاحب البايسكلجي فقد ارتكب خطأً صغيرًا منذ سنة 1969: خرج من المسرحية، ودخل الذاكرة، ونسي الطريق إلى الخارج.

مشاركة:
إسماعيل نوري الربيعي
إسماعيل نوري الربيعي

كاتب وأكاديمي عراقي مهتم بالدراسات الثقافية والتاريخية.

آخر تحديث: ٢١ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:٢١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مصنع السحاب
قراءات

مصنع السحاب

مصنع السحاب قراءة في رواية مصنع السحاب للكاتب حامد عبد الصمد نشوان عزيز عمانوئيل حامد عبد الصمد كاتب يميل إلى الاقتراب من الأسئلة الشائكة التي غالبًا ما يتجنبها الخطاب المألوف، ويمنح في كتابته مساحة واسعة للتفكير في الإنسان، وحريته، وخوفه، وعلاقته بالموت والمعنى. وفي «مصنع السحاب» يذهب بهذا…

· 6 د
مديح الصادق...

 الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا
قراءات

مديح الصادق... الرجل الذي فتّش عن أم الحبوكر في رؤوسنا

في تلك الليلة، لم تكن بغداد نائمة، بل كانت تتظاهر بالنوم. المدينة التي أتقنت، عبر قرون طويلة، فن إغلاق عينيها مع إبقاء أذن واحدة مفتوحة ناحية قصر الوالي، كانت تسمع وقع أقدام رجل يدور في غرفة واسعة، جيئة وذهابًا، كأن الأرض تحت قدميه أصغر من أن تتسع لعطشه. كان اسمه مشحوت، وكان عبدًا، لكن العبودية لم…

· 8 د
حين يقرأ البحرُ قارئَه:

ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين
قراءات

حين يقرأ البحرُ قارئَه: ليالي ابن زوال والحياة في المسافة بين ضفتين

إسماعيل نوري الربيعي ثمة روايات نقرأها لنعرف ما حدث، وثمة روايات لا تكشف أثرها الحقيقي إلا حين نكتشف، بعد صفحات كثيرة، أن السؤال لم يكن ماذا حدث للشخصية، بل ماذا حدث لنا نحن أثناء مرافقتها. تنتمي رواية ليالي ابن زوال لكريم كطافة إلى النوع الثاني؛ فهي لا تقدم حكاية مغترب عراقي أخذته المصادفات من…

· 9 د