انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الرؤيةُ والنسقُ المُضْمَرُ في قصصِ  (ذلك النهــر الغَريب)

أ.د. شريف بشير أحمد
أ.د. شريف بشير أحمد

ناقد وأكاديمي عراقي

9 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
الرؤيةُ والنسقُ المُضْمَرُ في قصصِ (ذلك النهــر الغَريب)
مشاركة:

تكمنُ الرؤيةُ في الخطابِ السرديِّ الذي يستندُ في سياقِه اللغويِّ على غرابةِ التركيبِ ومجازيةِ اللغةِ, وشعريةِ الوصفِ, ولحظويةِ المُفاجأةِ في الحدثِ , وحركيةِ الشخصيةِ في البناءِ  القصصيِّ, وجمالياتِ المشهدِ المُكثَّفِ, وخُصوصيةِ المكانِ. ويختمرُ النسقُ المُضمرُ في خفايا الموقفِ, وأخبيةِ الحوارِ, ومكبوتاتِ الأمهاتِ, وعواصفِ الآباءِ, وتمرُّدِ الفتيةِ الذي يكشفُ عن حدثٍ وموقفٍ ورؤيةٍ مُتموجةٍ بمسارينِ مُتباينينِ: مسار الظواهرِ والمظاهرِ, ومسار الخفايا والبواطنِ؛ ليكونَ التحولُ الذهنيُّ  في زاويةِ الرؤيةِ من الأفقِ إلى العمقِ, ومن القريبِ إلى البعيدِ ؛ تحولًا في الرؤيةِ التي تقتنصُ المسكوتَ عنه, وتُعلنُ المُضمرَ من النسقِ؛ لأنَّ العلاقةَ بين الرؤيةِ والنسقِ تحكمُها اللغةُ والأسلوبُ والمخيالُ السرديُّ الذي يسيحُ في عالمٍ من القَصصيةِ والصورةِ واللوحةِ والمشهدِ.

و( النهرُ الغريبُ) في صياغتهِ اللغويةِ يحملُ أفقًا دلاليًّا يتدفقُ فيه النهرُ اللغويُّ بإرادةٍ واعيةٍ أو جاذبيةٍ قاهرةٍ. والنهرُ في حقيقتهِ السرديةِ والبيئيةِ عالمٌ إنسانيٌّ في كونٍ قصصيٍّ أوجبَ وصفَه بالغربةِ القاهرةِ دون الغرابةِ  الماكرةِ؛ ليكونَ الغريبُ رؤيةً في صفةٍ, وصفةً في حدثٍ, ووجودًا في فضاءٍ رؤيويٍّ يُحيلُ إلى عوالمَ تستقبلُها الذاكرةُ القرائيةُ بدهشةٍ غرائبيةٍ. ولا يغيبُ عن الذهنِ أنَّ النهرَ في العنوانِ والحقيقةِ الواقعيةِ يُحيلُ إلى نهرِ دجلة في سياقِ نسقيةٍ مُضمَرةٍ بقصديةِ التعميةِ والتأويلِ العميقِ؛ لكنَّ ( النهر الغريب) يُحيلُ إلى إنسانٍ يتدفقُ حيويةً وطموحًا, ويحملُ فقرًا وهمًّا تُحاصرهُ فيه الغربةُ, ويزاحمُه الاغترابُ في رحلةِ البحثِ عن الوجودِ في عالمٍ مُتحركٍ بائسٍ مُتغيرٍ تتلاطمُه الأحلامُ والأوهامُ , وتكوِّرُهُ الأزماتُ في عالمِ الطفولةِ والمراهقةِ والشتاتِ في أزقةِ الموصلِ التي تعجُّ بالحياةِ والفاقةِ والألمِ, وتضجُّ بالحركةِ والرؤيةِ والمشاهدِ الحياتيةِ؛ لتتحولَ الرؤيةُ للمكانِ من السُّكونيةِ إلى الحركيةِ بالقفزِ فوقَ المنطقِ والقيودِ المُغلقةِ, وتنفلتَ الرؤيةُ من الذاكرةِ الجماعيةِ إلى الذاكرةِ الفرديةِ, ومن الوعي الفرديِّ إلى الوعي الجمعيِّ في فضاءٍ شعبيٍّ  فضفاضٍ يُعشِّشُ فيه الموروثُ والسِّحرُ والجنُّ  والخرافةُ والإنسانُ المتقلِّبُ المزاج في عقولِ الأمهاتِ والجدَّات والعجائز؛ فإذا بالنهرِ الغريبِ يحتضنُ نسقَ الطفولةِ والمراهقةِ والأمومةِ المُعذَّبةِ, والأبوَّة المقهورةِ بعوالمَ مُضمَرةٍ, وفورةٍ مُعلَنةٍ في شَهقةٍ مكبوتةٍ  تُغالبُ اليأسَ.

وحين تقرأُ ( جوار قصرٍ شاهقٍ) تتخيَّلُ عالمًا من الأسرارِ, ومُجتمعًا مُغلقًا على عوالمَ من السحرِ والجنِّ ؛ لأنَّ الجوارَ في الرؤيةِ المكانيةِ مُقاربةٌ ومُداناةٌ, ومُوالاةٌ ومُواءمةً؛ لكنه خارجَ الذاتِ الواعيةِ المُتحركةِ, يحملُ رؤيةً عن داخلٍ مجهولٍ  لقصرٍ قديمٍ تراهُ العجائزُ مملكةً للجنِّ في مشهدٍ غرائبيٍّ, وصورةً خارجَ معلومٍ يستحضرُ شخصيةَ الخضرِ ( عليه السلام) التي تسطو على عالمِ الجنِّ, وتُحجِّمُه, وتُلغيهِ في نسقٍ مُضمرٍ, وصراعٍ رؤيويٍّ بين عالمينِ ورؤيتينِ (( تقولُ عجائز الحارة إنَّ القصرَ قديمٌ قدمَ الزمنِ, وإنَّه يعودُ لملكٍ من الملوكِ القدامى للجنِّ, أقفلَ عليهم الخضرُ عليه السلامُ طوقًا مُحكمًا, وجعلهم سجناءَ في أعماقِ أرضِ القصرِ في غُرفٍ من حديدٍ يلحسونَ جدرانَها بألسنتهم الحادة, ويريدون الخلاصَ, واختراقَ الجدران)) ( ذلك النهر الغريب, ص 17). وفي لحظةٍ تنويريةٍ تحضرُ الأمُّ التي تستدعي الملائكةَ المُكرَّمينَ لحراسةِ القصرِ في تحولٍ جذريٍّ من عالمِ الجنِّ والسحرِ إلى عالمِ العقيدةِ والنقاءِ في صراعٍ نسقيٍّ بين المُضمرِ والمُعلنِ, والظاهرِ والباطنِ, والمُعلنِ والخفيِّ؛ لتحضرَ ( وفاء) نسقًا أنثويًّا يمتلئُ شهوةً  في عالم المُراهقةِ السَّاخن.

وحين تقرأ ( نداء الريش والحليب) يقودُك النداءُ من الصورةِ السمعيةِ الحواريةِ إلى النداء الخفيِّ بين الوعي واللاوعي, والعقلِ والجنونِ, والجموحِ والجنوحِ الآثمِ في عالمِ الأمومةِ والأنوثةِ. لتتحولَ الرؤيةُ الندائيةُ من العقلانيةِ إلى الحسيةِ, ومن الرفقِ إلى الدفقِ, ومن البصريةِ إلى اللمسيةِ, ومن الوئامِ إلى الخِصامِ فوق سطحِ الدارِ. وتعجبُ من الجمعِ العجائبيِّ بين الريشِ بدلالاتِه اللمسيةِ والبصريةِ, والحليب بقيمتِه وإيحاءاتِه الطفوليةِ والشبقيةِ في لحظةٍ من لحظاتِ النشوةِ العابرةِ للذاتِ في واقعٍ تحكمهُ القيودُ, في صراعٍ بين العفةِ والشهوةِ, والطهرِ والإثمِ, والجسدِ والروحِ, والمعصيةِ والمغفرةِ (( تهمسُ المرأةُ الطويلةُ , وهي تلاعبُ التفاحتين. تفاحتانِ لهما لونُ الذهبِ, رائحةُ التفاحِ, أقسمُ أني أشمُّ رائحةَ التفاحِ, وأكادُ أبكي, تهمسُ بصوتٍ نديٍّ: إنه ريشٌ ناعمٌ , هل تحبُّ الريش؟ ستنامُ في الريشِ. ريشٌ ناعمٌ أبيضُ يسحرُني؛ فأودُّ لو أموتُ. أبيضُ كالقطنِ, كالثلجِ, كالحليب..)) (ذلك النهر الغريب, ص34)).

وتُحيلُك( المنارةُ) بعفويةٍ سرديةٍ وقصديةٍ موصليةٍ بيئيةٍ وحضاريةٍ إلى منارةِ الحدباءِ بفضائها المعماريِّ, وسياقِها التأريخيِّ, وبيوتاتِها القديمةِ التي تستنشقُ عبقًا عقديًّا. إنها منارةٌ رمزيةٌ تتوقدُ فيها الآمالُ والطموحاتُ في مناسباتٍ رمضانيةٍ وأعيادٍ مُنتظرةٍ. لكنَّ شقاوةَ الصبيةِ/ الفتيةِ ورغبتَهم الجامحةَ في الصعودِ إلى( المنارة) تقودُ المتلقي إلى جيلٍ يعشقُ المُناورةَ والمُغامرةَ  وصولًا إلى قمةِ المنارةِ التي أتقنَ الساردُ فيها تقاناتِ الحوارِ بين المُغامرينَ الصِّغارِ, مُسندةً بجمالياتِ الوصفِ, ومصحوبةً بحكاياتٍ شعبيةٍ خرافيةٍ تقبعُ في الذاكرةِ العجائزيةِ, وتُغادرُ الواقعَ الوثائقيَّ. وفي اللحظةِ التي وصلَ فيها المُغامرانِ الفتيانِ إلى قمةِ المنارةِ ((  راقَبا الطيورَ والعصافيرَ المُحلقةَ برفقٍ, وشَعرَا أنَّهما عصفورانِ يُحلقانِ في الفضاءِ , ويفرشانِ أجنحتَهما في وجهِ الريحِ بانسيابٍ, عُصفورانِ يتجهانِ صوب البيوتِ الصغيرةِ الجميلةِ...)) ( ذلك النهر الغريب, ص53)..

    وفي اللحظةِ التي تقتربُ الذاكرةُ القرائيةُ من( مملكة المُعجزات)؛ تُدركُ تحولاتِ الرؤية السرديةِ من النسقِ المُعلنِ إلى النسقِ المُضمرِ, ومن عالمِ الواقعِ إلى عالمٍ غيبيٍّ, تفقدُ فيه الإرادةُ الإنسانيةُ فاعليتَها ؛ لتحضرَ المُعجزةُ سياقًا مُنقذًا, ونافذةً من نوافذِ النجاةِ. وحين يتحولُ (المقيمُ في الحضرةِ) من صائنٍ للقيمٍ والأعرافِ, إلى مُتلصِّصٍ على الأجسادِ الطريةِ الغضةِ, ومن مُوجِّهٍ مثاليٍّ إلى فاعلٍ مُدانٍ, في تحولٍ نسقيٍّ, يحملُ إدانةً مُبطنةً لسلوكٍ وشخصيةٍ وصفةٍ مخادعةٍ ((كان القيِّمُ يجمعنا, وتقدحُ عيناهُ, وبعد أنْ يدسَّ النقودَ بين أيدينا؛ يقولُ: صفوا لي أجسادَ النساءِ... أريدُ أنْ تصفوا التقاطيع, ادخلوا في التفاصيلِ, التفاصيل أيها الملاعين..)) (ذلك النهر الغريب, ص 58-59). وتكمنُ المُقاربةُ السرديةُ في المُفارقةِ بين القولِ والفعلِ, والتشابُهِ الظنيِّ بين (القيِّم والشيطان) في عالمِ الرذيلةِ المُغلفِ بأثوابِ الطهْرِ التي يُمزِّقُها الفقرُ, وتعلوها نزوةٌ قميئةٌ تمزِّق الأستارَ..

الرؤيةُ والنسقُ المُضْمَرُ 

في قصصِ  (ذلك النهــر الغَريب)

وفجأة تُطالعُك قصة ( البكاء) التي تترجَّحُ بين التطهيرِ والترميزِ. والواقعيِّ والمُتخيلِ, والحقيقيِّ والسرديِّ. وحين يقترنُ البكاءُ بالخوفِ من المجهولِ, ويتصلُ الغيابُ بالأبوةِ في عالمِ السجنِ البغيضِ؛ ينكشفُ النسقُ المضمرُ عن عالمٍ إنسانيٍّ تحركُه العاطفةُ الوجدانيةُ في القلبِ والعقلِ والضميرِ. ويحضرُ السجنُ كابوسًا ظلاميًّا يحملُ قلقًا وجوديًّا, وغربةً تطحنُ الشفاه الباسمةَ والقلوبَ النديةَ التي تظهرُ نقاوتُها في الحوارِ بين أُناسٍ ينتظرونَ رؤيةَ وجوهٍ قهرتْها جدرانٌ لا تعرفُ الحياءَ والوفاءَ والخجلَ. وتكمنُ الغرابةُ في الصراعِ بين سلبيةِ الفهمِ والموقفِ, ووضوحِ الرؤيةِ والحدثِ, في سياقِ سردٍ تتداخلُ فيه الأزمنةُ؛ لتتضاعفَ سرديةُ نظافةِ اللصوصِ نظافةً ظاهريةً تحتضنُ لصوصيةً مقيتةً, وتُغيَّبُ نقاوةُ قلوبِ الفقراءِ, ونظافةُ ألسنتهِم وضمائرِهم؛ لتدركَ أنَّ البكاءَ يتمحورُ حولِ أبٍ شهمٍ         (( طويلِ القامةِ, ضخمِ الجثةِ, قوي, استطاعَ ذاتَ يومٍ أنْ يهزمَ أربعةَ رجالٍ تشاجرَ وإياهم, وأنه أدمَى وجهَ أحدهِم, وأسقطَ الآخرَ أرضًا, في حين هربَ الآخرانِ, وظلَّا يشتمانه..)) (ذلك النهر الغريب, ص 82).

وتأخذُك قصةُ ( اللصوص) إلى عالمٍ واقعيٍّ حقيقيٍّ؛ لأنَّ اللصوصيةَ لا تكمنُ في السرقةِ الليليةِ, أو خفةِ اليدِ, أو السطوِ المُسلَّحِ؛ بل تكمنُ في ضميرٍ مُتهافتٍ مَهتوتٍ, وعقلٍ هشٍّ بائسٍ عقيمٍ , وقسوةٍ وجُحودٍ في يومٍ ظلمتُهُ وظلامُهُ وجساوتُه مُخيمةٌ في الطرقاتٍ, وقابعةٌ في أذهانِ الفقراءِ الذين يبحثونَ عن الأمانِ جوار ( النهر الغريب) في مُفارقةٍ سرديةٍ تتمازجُ فيه المآسي. وتكمنُ الغرائبيةُ حين يتحولُ قطافُ النارنجِ والخوخِ والعنبِ الحامضِ المُتدلِّي من أسوارِ قصرِ الثريِّ البخيلِ إلى خارجِه؛ يتحولُ إلى فعلٍ من أفعالِ اللصوصيةِ لفتيةٍ يعشقونَ الحريةَ في زمنِ الأسوارِ القاهرةِ التي تحمي لصوصًا بأثوابٍ زاهيةٍ (( قفزَ الأولادُ كالعفاريت, وتسلقوا الأسوارَ؛ وبحركةٍ ماهرةٍ أصبحتْ أجسادُهم في باحةِ القصر. ساروا تجاه شجرةِ الليمونِ والنارنج, وبدأوا يقطفونَ, والخوفُ ينهمرُ من عيونهم... وضعَ الأولادُ الليمونَ والنارنجَ جانبًا؛ وانتقلوا إلى شجرةِ الخوخ)) ( ذلك النهرُ الغريب, 91). ويدهشُك السردُ حين يُصبحُ سيدُ اللصوصِ قاضيًا يحاكمُ البراءةَ  وأشجار الزيزفون التي خنقتْها جدرانُ السِّجنِ العفنةِ, وصرخاتُ جلَّادٍ غادرتْه المروءةُ, وأرهقتْه تُخمةُ البطونِ.

وفي سياقِ التأمُّلِ في الوجودِ والإنسانِ وتجلياتِ الفكرِ؛ تقرأ في ( الطائرِ يا صديقي..) عوالمَ الطفولةِ ونوازعَ أحلامِ اليقظةِ, وبواعثَ النشاطِ الذهنيِّ اللحظويِّ الذي يتوقُ فيه الصبيُّ توقًا سرديًّا إلى صيدِ طائرٍ يتحولُ وجودُه الماديُّ في الوعي إلى وجودٍ كهنوتيٍّ في عالمٍ خرافيٍّ يجتمعُ فيه السِّحرُ, وتتحرَّكُ في جنباتِهِ الساحراتُ في عالمٍ من الوهمِ القابعِ في الذاكرةِ  (( تقولُ أمي إنَّ الأميراتِ المسحوراتِ يخرجنَ من كهوفهنَّ المُوغلةِ في أعماقِ النهرِ في ليالي الصيفِ, وعندما يكونُ القمرُ في مُنتصفِ السماءِ يكشِفنَ عن أجسادِهنَّ البلوريةِ , ويحللنَ شُعورهنَّ التي تُشبهُ لمعةَ الذهبِ..)) ( ذلك النهر الغريب, ص102) وكأنَّ (عين كبريت) تمنحُ السَّحرةَ قوةً غيبيةً تسحقُ الوجودَ بالخوفِ؛ لتحضرَ الأميرةُ المَسحورةُ نسقًا مُضمرًا من أنساقِ ألفِ ليلةٍ وليلةٍ في سياقٍ لا تحكمُه البراءةُ والسَّذاجةُ. لكنّ نشوةَ صيدِ طائرٍ تتبدَّدُ في نسقٍ من الخَيبةِ,  وفقدانِ الثقةِ في الذاتِ والوجودِ والموجودِ.

و( في الظلِّ... تحت الأشْجار) تعتقدُ بداهةً أنك أمامَ مشهدٍ رومانسيٍّ يفوحُ أنوثةً وعاطفةً وجدانيةً مُلتهبةً, وأداءً حسيًّا تفوحُ منه الشهوةُ؛ لتدركَ أنك أمامَ مُفارقةٍ تقمعُ حريةَ الفكرِ, وحيويةَ الوجودِ, وأنَّ الظلَّ ظلُّ القسوةِ والرُّهابِ والقلقِ القهريِّ في (محكمة المهداوي) التي ((ترى حبَّ الفقراء خيانةً... ولم تفرقْ بين القاتلِ والبرئ )) (ذلك النهر الغريب, ص114) فالرجلُ وقفَ ضد النهبِ (( وقفَ يحرسُ السوقَ لئلا يُنهَبَ في غمرةِ الأحداثِ ولهيبِ المُظاهراتِ ؛ لأنَّه ضد السرقةِ)) (ذلك النهر الغريب, ص114-115) السرقةُ التي أضاعتْ حقوقَ جيلٍ, وأنهكتْ أجيالًا؛ لتصبحَ الأشجارُ شواهدَ على حدثٍ فارقتْه العقلانيةُ في محكمةٍ تتسيَّدُها غربانُ السوءِ. لكن القصةَ تقدمُ سردًا بتقانةِ الحوارِ عن العلاقةِ بين أفرادِ الأسرةِ الموصليةِ في الشدائدِ, لتعجبَ من سلاسةِ اللغةِ التي جعلت       ( البقرة) في البيتِ بمنزلةِ الولد, في غرائبيةٍ وصفيةٍ تفيضُ فقرًا وكبرياءً معًا؛ لأنَّ القرويَّ ((يحبُ البقرةَ, يعشقُ البقرةَ, ويقولُ إنَّها كالولدِ, لا بل أفضلُ منه, حين أغيبُ تبقى تُقدمُ للعائلةِ الحليبَ الذي نبيعُه لأهلِ الحيِّ)) (ذلك النهر الغريب, ص 113). وحين تُعدَمُ الأمانةُ, وتُقتلُ؛ تكمنُ غرائبيةُ السردِ التي جعلت القاتلَ والسارقَ قاضيًا في العَلنِ فوق الشجرةِ في زمنِ الجهالةِ الطَّخياءِ...

ويعرضُ الراوي في ( الحدث) مُناورةً فكريةً, ومُغالبةً وصفيةً تُخالفُ المألوفُ, وتقودُ الرؤيةُ السرديةُ فيها إلى الفوارقِ الماديةِ والمظاهرِ البارقةِ التي تخلو من القيمِ في زمنِ الضبابِ. ويكادُ يأخذُك الحدثُ المُتداخلُ في تقاناتهِ وتفاصيلهِ إلى موقفٍ سياسيٍّ, وحدثٍ من أحداثِ الغيلةِ والقتلِ المُنظمِ ليلًا؛ لتتفاجأ أنَّك أمامَ حدثٍ اجتماعيٍّ تمارسُه برعونةٍ فظَّةٍ شخصية ( المدير) الذي يُظهرُ صلافةَ السلطةِ الهشةِ, وعنجهيةَ السطوةِ المارقةِ في ضحوةٍ من نهارٍ شتائيٍّ قارسٍ؛ في صراعٍ طبقيٍّ يُعلنُ قساوةَ الفقرِ والشتاءِ والبردِ اللعينِ في رحلةِ البحثِ عن الغطاءِ, واستجداءِ الدفءِ في زمنٍ عقيمٍ. وتتحولُ شخصيةُ ( المدير) من الأبوة إلى المُباهاةِ الفضفاضةِ التي تعلنُ سخريةً مريرةً من جيلٍ يحلمُ بأيامٍ بيضٍ؛ ليخططَ الفتية/التلاميذُ إلى عقابٍ يكسرون به هيبتَه الزائفةَ؛ ليتكشَّفَ الحدثُ عن مُغامرةٍ يُهاجمُ بها الفتيةُ الغاضبونَ الثائرونَ المديرَ رمزَ الشرِّ والظلمِ. وأفهمُ بداهةً أنَّ الحدثَ يثيرُ الدهشةَ, وأنَّ السردَ ينتقلُ بالمتلقي من المجهولِ إلى المعلومِ, ومن الغُموضِ إلى الوضوحِ.

إنَّ النسقَ المُضمَرَ في (ذلك النهر الغريب) يُخفي شقاوةَ الفتى المُراهقِ( نجمان ياسين), ويحكي أبعاضًا من مُغامراتهِ بشخصيةِ الراوي/ الساردِ ؛ لتتحولَ الرؤيةُ المُصاحِبةُ للسردِ من المُضمَرِ إلى المُعلَنِ بشعريةِ اللغةِ التي وظَّفها بكفاءةٍ وصفيةٍ وبراعةٍ مجازيةٍ القاصُّ ( نجمان ياسين)؛ ليغادرَ المُتلقي/المروي له نسقَ الدرايةِ إلى سياقِ الغوايةِ في زمنِ القصِّ...

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٠٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين يروي المكان ذاكرة العراق

قراءة نقدية في رواية(مذكرات بيت بغدادي): للكاتبة تمارا شاكر
قراءات

حين يروي المكان ذاكرة العراق قراءة نقدية في رواية(مذكرات بيت بغدادي): للكاتبة تمارا شاكر

مذكرات بيت بغدادي: حين يروي المكان ذاكرة العراق قراءة نقدية في رواية تمارا شاكر ثمة بيوت لا تنتهي حكايتها بمغادرة سكانها، لأن الجدران تحتفظ بما لا تستطيع الذاكرة البشرية الاحتفاظ به طويلا مثلا أصوات العابرين، أفراحهم، مخاوفهم، خصوماتهم، موتهم، وما تركوه خلفهم من أثر. من هذه الفكرة تنطلق رواية…

· 8 د
لماذا كتبنا هذا؟

قراءة في الحلقة الأخيرة من سلسلة  (ما الذي تبقى من العراق؟) لشوقي كريم حسن
قراءات

لماذا كتبنا هذا؟ قراءة في الحلقة الأخيرة من سلسلة  (ما الذي تبقى من العراق؟) لشوقي كريم حسن

لم نكتب هذه السلسلة لأننا نكره العراق. بل كتبناها لأننا تعبنا من رؤية العراق يُختزل في الشعارات، بينما يعيش كثير من الناس همومًا يومية تبحث عن حلول. لم نكتبها لنجلد وطنًا… بل لنرفض أن يصبح الوجع أمرًا عاديًا. فالكاتب الذي يخاف على وطنه، لا يجامله عندما يرى الخلل، ولا يحوله إلى جنة وهمية لا تشبه…

· 2 د
من عتبة الغلاف إلى أفق القصيدة

قراءة في ديوان "وصية درويش" للشاعرة صفاء عباسي
قراءات

من عتبة الغلاف إلى أفق القصيدة قراءة في ديوان "وصية درويش" للشاعرة صفاء عباسي

يرى جيرار جينيت أن العنوان والغلاف وسائر العتبات النصية تمثل المدخل الأول إلى عالم النص، فهي لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، وإنما تهيئ أفق انتظار القارئ، وتوجهه نحو القراءة والتأويل. وانطلاقا من هذا التصور، يبدو ديوان "وصية درويش" للشاعرة صفاء عباسي تجربة شعرية تتكامل فيها العتبة البصرية مع المتن…

· 4 د