لقد فهمت فكرة الإحالة السردية في لغة سرديات ، بوصفها نوعا من الشفافية المضمرة ، لذا فاللغة كنافذة يمكن من خلالها إدراك الواقع الموجود في (الماقبل ــ المابعد)و توجد إلى جوار هذا ثمة مناطق تعرضت إلى تحديد المعنى ضمن علاقات و أفكار مفترضة في سيرورة المنطوق السردي ، كحالات سرد المعطى اللغوي ضمن مماثلات تتساقط في الوسيلة و الغاية ، دون الأحساس بها كونها مشروطيات واقعة سردية لها من الامتداد ما يخولها إلى بيان دلالات محتوى روائي تتوافق من خلاله مواقع الخطاب و وظائف الراوي على نحو يبدو الشكل منه أكثر إيغالا و تمثيلا للواقع المفترض . و تبعا لكل هذا و ذاك حاولنا من خلال مقدمة قراءتنا لرواية (دودة قبر سياسي) للكاتب أحمد إبراهيم السعد إيضاح و إيراد مدى اشتغالية الكاتب في مجال أدوات روايته ، لذا نقول أن ( الإحالة السردية) لدى السعد قد حلت في حدود تضمينات تتوافق و تتعارض من خلالها غالبا موجهات السرد ، فمنها ما جاء في حدود مشاهد إيروسية عارية من العلامة الموضوعية الناضجة ، ولا نعلم ما قاد أحمد إبراهيم إلى هذا النوع من الكتابة الرخيصة التي تسعى غالبا إلى طلب عواطف و غرائز طفيليات قراء الرواية . أما الجانب الآخر فهناك حالات من شتات محطات الموضوعة عبر موصولات الاسترجاع و الاتصال و التناسب ، و سنلاحظ كل هذه الفقرات في أوانها الدراسي . لذا مجددا أقول جاءت رواية (دودة قبر سياسي) ضمن كتابة تمزج بين رؤية (الإيروسية ) اعتمادا على معالجة موضوعة الشخصية آدم و أقداحه الصورية وصولا إلى رشيد و مقام داود النمر و عبد الوهاب و خلع قضيبه المخذول ، ذلك انتصارا إلى زوجته تغريد العاهرة .أن الفضاء الروائي في رواية أحمد إبراهيم يتحفز بموجهات (الممكن ــ الملموس ) تميزا إلى ذلك الشكل التداخلي و الاندغامي في مؤشرات الوعي الكتابي و تحيلنا محاور الرواية على لحظة الوقوف إلى تقدم نمو إوصال الرواية نحو أكثر اللحظات افتراضا في مخيلة المساحة النصية .
تقنية مفارقة بين زمن القصة و زمن الخطاب .
و في هذا الإطار يحدث ما يسمى ب (مفارقة زمن القصة مع زمن الخطاب ) حيث نعاين بأن السرد الروائي يقع ضمن صيرورة زمنية تتحكم فيها تراتبية الأحداث في القصة ، فالأصل في المتواليات الحكائية أنها تأتي وفق تسلسل زمني متصاعد يسير بالحكي سيرا حثيثا نحو نهايته المرسومة في ذهن الكاتب ، على أن استجابة الرواية لهذا التتابع الطبيعي في عرض الاحداث كحالة افتراضية أكثر مما هي واقعية ، لأن تلك المتواليات قد تبتعد كثيرا أو قليلا عن المجرى الخطي للسرد ، فهي تعود إلى الوراء لتسترجع أحداثا تكون قد حصلت في الماضي أو على العكس من ذلك تقفز إلى الأمام لتستشرف ما هو آت أو متوقع من الأحداث ، وكلتا الحالتين نكون إزاء مفارقة زمنية توقف استرسال الحكي و تفسح المجال أمام نوع من الذهاب و الإياب على محور السرد انطلاقا من النقطة التي وصلتها زمنية القصة . و في هذه الحالة يكون المتلقي بين تقنيتي (الاسترجاع ــ الاستباق) فهو من خلال التقنية الأولى يستحضر احداثا (إنها الرسائل التي طالما تبعثها تغريد ، المرأة الاربعينية التي تقطن شقة ، تربض كحدبة فوق دكان آدم . / ص8 الرواية ) سبقت حاضر السرد ، و من خلال الثانية يقوم بعرض أحداث لم يصل إليها السرد بعد ، و ذلك من خلال التوقع و الاستشراف : ( وضع آدم قضيب عبد الوهاب خسارة المبتور داخل كيس معتم ، و وجد صعوبة بالغة في حل عقدة الحبل المشدود بعزم على بطنه المتصفد كحبة قرع . / ص15 الرواية ) و هناك حالات ترتبط بوتيرة سرد الاحداث في الرواية موضع بحثنا ، من حيث درجة سرعتها أو بطئها و تشتمل على مظهرين رئيسيين : المظهر الأول و يقضي بأستعمال صيغ حكائية تختزل زمن القصة ،و تلخصه إلى الحد الأدنى ( ... ) : ( التلخيص / الحذف ) . أما المظهر الثاني فيمثل الحالة المقابلة ، حيث يجري تعطيل الزمن القصصي على حساب توسيع زمن السرد : (تذكر آدم أنه ربما نسي عضو عبد الوهاب في مكان ما من الشقة . / ص16 الرواية ) لعل الكاتب السعد يستخدم تقنية ( الاسترجاع المزجي ) بأكثر من مكان و وحدة و فقرة من روايته ، و هذا الاسترجاع المزجي يقع بين نوعين . الأول يأتي الاسترجاع لدواع فنية و جمالية تخدم خلفيات السرد . أما الآخر فهو يجعل النص الروائي أكثر وقوفا على تبئيرية الأحداث .

جوانية الحكي :
ينفرد هذا النمط من المسرود بما يمكن أن نسميه تنويعا على وتر الأنا ، حيث يجري تلقيب الأنا أو تقلبها بين عدد يصعب حصره من اللبوسات التي يمكن لكل منها أن يتخذ لبوس الآخر ، ثم يعود للأنا السابقة نفسها ، أو لأنا خاصة بآخر ، خلال برهة سردية واحدة ، فكان السرد بهذه الطريقة يشبه إحدى لعب الأطفال التي تتشكل من حلقة : ( الدودة : أنا خارجة من فناء جسدك ، و الأحق بأكلك نحن من نعرفكم رغم اندماج اعضائكم ، فلنا غريزة عقائدية ، تقدس جنسها ال (خطوم ) نأكل من أرض أجسادنا فحسب . / ص144 الرواية ) و تبعا لهذا الشكل من ( جوانية الحكي = المحكي ذو التبئير الداخلي ) يتم تقديمه اعتمادا على وعي إحدى الشخصيات و قد قسمه جينيت إلى ثلاث أنواع : ــ أ . المحكي ذو التبئير الداخلي الثابت و فيه يختار الراوي وعي شخصية معينة ليقدم الأحداث من خلالها . ب. المحكي ذو التبئير الداخلي المتعدد ، و فيه يعرض الراوي الأحداث من خلال وعي شخصيات متعددة كما الحال في الروايات التراسلية .
الوظيفة السردية و الوظيفة الوصفية :
لعل القارئ إلى فصول و دلالات رواية (دودة قبر سياسي ) يلاحظ مدى محورية ( السرد بالوصف ) ذلك نظرا لكون ( الرواية ) تسمية لذلك العرض الذي يقدم حدثا أو مجموعة من الأحداث إرتكازا على محوري السرد و الوصف ، غير أن تلك الأحداث و الأفعال تتطلب وجود سببية متمثلة في وجود طاقة ديمومية في محاور الشخوص و الأمكنة و الأشياء . الأمر الذي نفتقده في بعض أماكن رواية (دودة قبر سياسي ) فالرواية في بعض ارتباطاتها تغيب عن محاورها الأسباب المقنعة بصورة واقعية و متخيلة ، صحيح ما نقرأها هنا هو التخييل المنبعث في حركية داخل الزمن و المكان المفترض ، و لكن لا قيمة لرواية دون علاقات متماسكة في الأفعال و وجودها النسيجي . عموما على اية حال أقول أن العلاقة الأكثر سلمية بين الوصف و السرد ، هي تلك العلاقة اللاملموسة ، التي يبدو فيها الوصف و كأنه شبه منعدم ، إذ لا نحس بوجوده أثناء القراءة السريعة أو العادية و تتمثل تلك العلاقة في وجود أفعال حركية و وصفية في آن واحد ، و هذه الأفعال وجدنا لمثلها في رواية أحمد إبراهيم السعد ــ كتحققا ــ لذات المتحكمات الأخرى في عملية الإنتاج الروائي شكلا و مضمونا .
تعليق القراءة :
في الواقع أن رواية (دودة قبر سياسي) تشكل بذاتها رحلة جمالية ذات ثيمات تبئيرية متماسكة و اللغة ساحرة تجذب التلقي إلى أقصى حدود الضرورة . و لكن ما يعيب على هذه الرواية كونها تستخدم الوظيفة الإيروسية دون حتى ضرورة فنية و موضوعية ما ، فهناك فقرات صار الكاتب من خلالها يفتعل لغة إباحية لا تبتعد عن روايات رخيصة قرأنا لمثلها لدى نوال السعداوي و أحلام مستغانمي و علي بدر في بعض رواياته . لذا أقولها بصراحة أن الدلالات الإيروسية في رواية أحمد إبراهيم السعد حلت في حدود مفتعلة مما جعلها رواية تتنفس الأهواء الإيروسية ، فيما تنفرد الأجزاء الأخيرة منها برحلة برزخية حوارية الديدان مع الأعضاء البشرية للجنود الممزوجين تحت شاهدية قبر واحد . هكذا تتأكد العلاقة الجمالية عبر فيوضات رواية ( دودة قبر سياسي)في كونها تجيبنا بكل دقة التمثيل عن أحوال و هويات و ماهيات و مواقف تلك الشخصيات و تلك التحاورية الخاصة بين عوالم الديدان المفترضة الغاطسة بالأجزاء البشرية ، أي إنها فضاءات حوارية تلعب دورا يذكرنا بجماليات العروض و النصوص المسرحية الناضجة ، خصوصا و إن زمن السرد الروائي يحيلنا على حقبة ماضية أكثر عمقا و امتدادا و تشظيا .







التعليقات