قبل البدء بالكلام، أدناه المقطع الأخير من قصة قصيرة بعنوان"يوم تحول الغضب إلى رضا" مأخوذة من المجموعة القصصية (معرض استعادي) للقاص العراقي المبدع ثائر إبراهيم بواقع صفحتين و260كلمة تقريباً:
(... شعاع الشمس الغاربة يسبغ على قمم الأشجار والسطوح لونا خلابا، جلست على العشب ساندا ظهري إلى شجرة ضخمة، ملأت رئتي هواء نقيا مستغرقا بتأمل الطبيعة الرائعة، السائق والعمال ينادونني يستعجلون المغادرة، دب في جسدي خدر لذيذ زادني استرخاء، انتبهت لحركة مريبة بين الدغل، ثعبان اسود ضخم يدنو مني، قفزت مرتجفا وركضت، فزز ركضي كلبا اجربا نائما لا ادري أين، أطلق عواء مرعبا وهاجمني بوحشية، سحبت رجلي بقوة تاركا فردة حذائي في فمه نزعت الفردة الثانية وركضت بأقصى سرعة، سحبني العمال إلى ظهر الشاحنة في اللحظة الأخيرة، عدت إلى المكتب حانقا كان حذائي جديداً، استبد بي الغضب أزبدت وأرعدت، لاعناً شامتاً العمل المضني حد الإرهاق، تجنبني الجميع تنحوا جانبا ولم يجرؤ أحد على سؤالي عن حذائي بل تجنبوا النظر إلى قدمي الحافيين، ....... سارع صاحب المكتب بطلب الشاي وقدم لي سيجارة، ثم ربت على كتفي ودس في جيبي بعض المال، ومنحني إجازة لترتاح أعصابي، كان هذا عز الطلب، دخلتُ البيت متربا حافيا لكني في منتهى السرور والرضا.)

في هذه القصة تكاتفت شروط البناء القصصي مع ما رفع سموها من رمزية، فمن احد خصائص نجاح الرمزية في القصة القصيرة هو خلق التوازن أي الحفاظ على سلاسة القصة وجماليتها بحيث نستمتع بقراءتها كقصة واقعية ممتعة حتى وإن لم يلتفت المتلقي أو القارئ إلى المعنى الرمزي العميق مباشرة، فلو عدنا إلى النص: (كان هذا عز الطلب، دخلتُ البيت متربا حافيا لكني في منتهى السرور والرضا.) ص44، نلاحظ مدى دقة الكاتب في اختيار ما يناسب نهاية مطاف الحكاية بروح درامية... كيف؟ الجواب هو في ما عدا هذا المقطع نرى الأحداث شائكة بالحزن والمأساة والتشكي وزهق النفس وكل ذلك يجتمع بمعنى الغضب.. مما دعى القاص ثائر إبراهيم إلى أن يتعامل بفنية أدبية بين غضب الاحتراق النفسي وتحويله إلى رضا التحرر، إذ يعتبر الغضب في الدراما شعورا دفاعيا يحمي الانسان من الانهيار تحت وطأة الصدمة، في حين يُعد الرضا مرحلة نضج واكتمال يدرك فيها البطل أن النجاة بحد ذاتها هي النصر الأكبر فلو كانت لدينا شاشة تصور البطل لرأيناه كيف يبتسم ليترجم كلمات القاص... وله الحق في ذلك وأعني البطل فقد اصبح شريكنا ونحن كقراء شركاؤه في النص لا محالة! لأنه أولاً: استطاع حصر معاناة متراكمة في بيئة العمل، تلتها ذروة قاسية ( الأفعى والكلب)ثم صدمة فرعية تمثلت في شعوره بالاهانة لكونه حافي القدمين أمام زملائه أثناء اللحاق بمركبة العمال. أما ثانياً: خلق الكاتب لعملية الاحتواء لفتة صاحب المكتب الذكية بمنح بطل القصة مكافاة مالية علاوة على الإجازة، إذ لم تكن مجرد تعويض مادي بل كانت اعترافاً ضمنيا بمعاناته، بينما ثالثاً: وهو الأساس، بما يطلق عليه (القفلة أو الضربة) حينما تحول الغضب المفاجيء من فقدان الحذاء والهوان إلى رضا عميق عندما أدرك أن الثمن الذي جمعه كان زهيدا جدا مقارنة بما نجا منه – الموت والافتراس- ليتوج ب (عز الطلب) الراحة والمال.
رابعاً: وهي تفسير لقدرات الكاتب الفنية فنصه يحفل برمزية عالية الكثافة لما أشرنا إليه تعكس البعد النفسي والبيئي للبطل فالثعبان الأسود رمز للغدر والخداع المكتوم، كاد البطل أن تُلدغه الأفعى لأنه غارق في همومه وضغوط مهنته لدرجة تفقدّه الحذر. ظهورها يعكس بلوغ البيئة السامة قمة خطورتها، حيث أصبح البقاء فيها مسألة حياة أو موت. أما رمزية الكلب المطارد المسعور فهو أي الكاتب يعلن عن رمز الضغط الخارجي والملاحقة فالكلب هو الخطر المعلن والعدوان السافر ويشير إلى المديرين المتعنتين، أو الديون والأعباء المعيشية التي تلاحق الإنسان بلا هوادة وتدفعه إلى حافة الانهيار والركض بلا توقف. "يوم تحول الغضب إلى رضا" قصة تلامس أعماق النفس الإنسانية بذكاء، تأخذنا في رحلة محكمة البناء من جحيم ضغوط العمل ومرارة الإهانة إلى رحابة الرضا والنجاة.







التعليقات