انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

التاريخ والبيئة واللعبة التدوينية في رواية "أشبال الأطلس البليدي" للجزائري صالح قريد

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

10 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
التاريخ والبيئة واللعبة التدوينية في رواية "أشبال الأطلس البليدي" للجزائري صالح قريد
مشاركة:

قد تُعدّ رواية "أشبال الأطلس البليدي" للجزائري صالح قريد روايةً تاريخية، كون أحداثها تدور في مدينة البليدة الجزائرية ومحيطها الجبلي أواخر القرن التاسع عشر، ابتداءً من عام 1887، متتبّعةً حياة مجموعة من الفتيان المهمّشين والبائسين الذين يرزحون تحت وطأة الاحتلال الفرنسي وتبعاته الاقتصادية والاجتماعية. ويتقاطع مصير هؤلاء الصبية مع بيئة طبيعية قاسية وغابات تزخر بالصراع، ولا سيما بعد حادثة مقتل آخر أسد أطلسي ولبؤة في جبال الشريعة، وما تلاها من صراع محموم للعثور على أشبالهما التائهة، بغية نيل المكافآت المالية أو اقتنائها.

وتُعدّ الرواية، بمعناها الفنّي والجمالي، من الروايات التاريخية، وإن لم تكن كتابًا مؤرّخًا بالمعنى الأكاديمي الصرف. فقد حرص الكاتب على تأطير أحداثها ضمن حقبة تاريخية محدّدة، واستدعاء وقائع سياسيةٍ حقيقيةٍ شهدتها تلك الفترة، مثل انتخاب الرئيس الفرنسي ماري فرانسوا سادي كارنو، وفضيحة النائب دانيال ويلسون، واستقالة رئيس الجمهورية جول غريفي، وصولًا إلى تعاقب القياصرة في ألمانيا. كما أرشف المكان والزمان الاستعماريين، مستعرضًا أحوال المجتمع في تلك المرحلة، واعتمد على التدوين التاريخي، من خلال إدراج مقتطفات من كتب الصيد والرحلات التي ألّفها مستوطنون وعسكريون فرنسيون، مما أضفى على النص طابعًا توثيقيًا يتقاطع مع تاريخ البيئة الجزائرية واستنزافها البيئي والحيواني في ذلك العهد.

الاشتغال الواقعي والإحالة التاريخية

تتفرّع السردية التي انتهجها الكاتب إلى لوحات واقعية وعبثية تكشف تفاصيل الحياة اليومية للفتية، من بيع الجرائد والهروب من سطوة العصابات المحلية إلى مغامرات التسلّل، وصولًا إلى ثيمات التفاوت الطبقي والهيمنة الاستعمارية التي يمثلّها التجار والمستوطنون الأرستقراطيون، أمثال البارون رومان ماتيس. وفي خضم هذه الرحلة، يتشابك الواقع القاسي، مع أبعادٍ رمزيةٍ وإنسانيةٍ تتجسّد في علاقة الإنسان بالطبيعة والحيوان والذاكرة، وفي مقاومة الجهل والفقر، لتنتهي الرواية بتحوّلات مصيرية تطال المكان والشخصيات، على طريق النضج والوعي بالهوية. ويمكن ملاحظة ذلك عبر ثلاثة محاور:

أولًا: البعد الرمزي للطبيعة والحيوان، حيث تتجلّى دلالات الأشبال والذئاب والديكة بوصفها استعارات للهوية والحرية، في مقابل قسوة التدجين الاستعماري.

ثانيًا: ثنائية التهميش والمقاومة، حيث يتجلّى هذا المحور في الصراع اليومي للفتية، ومنهم حمود ورفاقه، ولا سيما بعد تشكّل وعيهم بالهيمنة الفرنسية والتفاوت الطبقي.

ثالثًا: تناصات السرد والتاريخ، حيث وظّف الكاتب الوثائق التاريخية وكتب الرحلات ومرويات صائدي الأسود، مثل جول جيرار وألفونس دوديه، لتفكيك سرديات المركزية الأوروبية ذات المنظور الاستعماري.

فاعلية العنوان والارتباط الحكائي

يُعدّ العنوان البوّابة الرئيسية التي تدخل منها الحكايات إلى عالم الرواية، لكنه ينفتح أيضًا على خلفياتٍ تاريخيةٍ تجعله عتبةً نصيةً ومفتاحًا تأويليًا يرتبط بالتاريخ وإحالاته الواقعية. ويمكن تلمّس هذا الارتباط من خلال المحاور الآتية:

أولًا: العتبة النصية ودلالة التسمية:

يمثّل العنوان مفتاحًا تأويليًا يقوم على ثنائية المكان والرمز، إذ يجمع بين "الأشبال" بوصفهم رمزًا للبراءة والحياة البرية والنقاء والقدرة الكامنة على النمو، و"البليدي" نسبةً إلى البليدة، بوصفها محدّدًا مكانيًا ووطنيًا يرسّخ الحكاية في الجغرافيا الجزائرية وامتداداتها التاريخية.

ثانيًا: الإحالة التاريخية والبيئية:

ويحيل العنوان إلى مأساة الانقراض البيئي والاستنزاف الممنهج اللذين تعرّضت لهما الحياة البرية في الجزائر، تحت وطأة الاحتلال، وهو ما يوازي، على المستوى الرمزي، مصير الإنسان المهمّش في ظل القمع والاستغلال.

ثالثًا: الارتباط العضوي بالحكاية والشخصيات:

إذ تتحرّك الحكاية عبر البحث عن الهوية والمصير، ضمن خطّ دراميّ رئيسيّ، يدور حول العثور على الأشبال واقتنائها أو حمايتها، وهو هاجسٌ يشغل الفتيان والبرجوازيين والمستوطنين على حدّ سواء. فالشبل في النص ليس مجرّد حيوان، بل أيقونة للصراع، إذ يمثّل، تارةً، حلم الوجاهة والمكافأة لدى السلطة والبلدية، ويمثّل، تارةً أخرى، روحًا بريئة مستلبة يسعى حمود ورفاقه إلى إنقاذها من الاستغلال والاستعراض.

رابعًا: انعكاس العنوان على مأساوية الواقع:

إذ يتجلّى التلاحم بين العنوان والحكاية في توازي مصير الشبل "أشهب"، الذي ينتهي وجبةً مترفةً للبارون، ومصير الفتيان أنفسهم، الذين تُهدر طاقاتهم وتُنهش براءتهم في زوايا الفقر وقسوة الشارع والاحتلال.

خامسًا: الفاعلية الجمالية والدلالية في البناء النقدي:

حيث اشتغل العنوان بوصفه بؤرة دلالية تتجمع حولها أحداث الرواية وتتفرّع منها، فمنه تنطلق الهواجس، وإليه تعود دلالات الفقد التي تطال الشخصيات الرئيسية.

سادسًا: السخرية والمفارقة:

يث جمع العنوان بين السخرية والمفارقة، فبينما تبحث المدينة وأثرياؤها، كالبارون رومان والإدارة الفرنسية، عن الأشبال للترفيه والتفاخر أو الإبادة، يبحث عنها الفتيان المقهورون بوصفها رمزًا للبقاء والحرية. ويمنح هذا التناقض العنوان فاعلية دلالية تتصل بصراع الهوية والوجود الذي تنهض عليه الرواية.

الحكاية والفكرة والعامل البيئي

تبدو الحكاية واضحة في أبعادها الواقعية والتاريخية، ويتجلّى التلاحم بين بنيتها وفكرتها المركزية في كونها ليست مجرّد سردٍ لأحداثٍ تاريخيةٍ أو اجتماعية، بل تجسيدٌ رمزيّ وواقعيّ لصراع البقاء والحرية، في مواجهة القسوة والاحتلال. وتتمحور الفكرة حول الحرية في مقابل التدجين والقمع، سواء طال الإنسان أم الطبيعة البرية. فالأطفال المهمّشون، أشبال الشارع وباعة الجرائد، ضحايا القهر الاجتماعي والسياسي، فيما تمثل أشبال الأسد، ورد وأشهب، استعارة للروح البرية المستلبة التي يحاول الأثرياء والمستوطنون تدجينها أو القضاء عليها أو استهلاكها في ترفيه عبثي:

"الشبل المسكين نزف دماء كثيرة، والأنسب له أن يرتاح بعيدًا في البرية، ليعيش على سجيته، لا سجينًا في مزرعة تلهو به الفتيات وتعبث به السياط. وإن كنتِ حقًا تحبين التربية، فالكلاب أو الأرانب أو الماعز أصلح لك... بل حتى خنزير من خنازير المزرعة. أما أسد... فانسِ الأمر يا أنطوانيت" (ص 144).

لذلك، وظّف الكاتب البيئة الجغرافية والطبيعية توظيفًا دلاليًا ورمزيًا، فلم تكن الجبال والغابات والمدينة والأزقة الطينية الباردة مجرد خلفية للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا يوازي مصائر الشخصيات ويعكس قسوة الواقع الاستعماري والطبقي. وقد اعتمد ثنائية المدينة والمستعمرة، بأزقتها ومراكز شرطتها وساحاتها، مثل ساحة التوت، في مقابل البرية والجبال، ولا سيما جبال الشريعة وغاباتها ووديانها، لتشكيل فضاء للصراع على البقاء والحرية. فالشتاء القارس والطين والبرد والكلاب الضالة عناصر تعكس الإملاق والشقاء اللذين يعانيهما أطفال الشوارع وباعة الجرائد، فيما تجسّد الغابات الموحشة صراع الوجود البري المستلب، المتقاطع مع رمزية الأشبال.

"بدت في هذا الصباح الشتوي البارد الطرق في أطراف المدينة بعد المطر موحلة، تعلق بها الأقدام وتغوص فيها عجلات العربات التي تجرها الأحصنة والحمير بصعوبة... يلف السماء ضباب كثيف بينما يفرد البرد ذراعيه صافعا الوجوه فاكتست حمرة، فبدت كبرتقالة أو طماطم يانعة أجساد هزيلة لفتية تجاوزوا عقدهم الأول بالحياة انتعلوا أحذية جلدية مهترئة تسربت لها المياه والطمي فتبللت الجوارب وشعر معها الصبيان بالبرد في أطرافهم السفلية، إحساس بالقشعريرة غمر أجسامهم بينما اصطكت أسنانهم بإيقاع متسارع" (ص 11).

التاريخ والبيئة واللعبة التدوينية

في رواية "أشبال الأطلس البليدي" للجزائري صالح قريد

اللغة وفاعلية اللعبة التدوينية

تتجلّى فاعلية اللغة بوصفها الحامل الأساسي للرؤية السردية واللعبة التدوينية، إذ تتنوّع بتنوّع الشخصيات والبيئات، فتراوح بين التقرير الصحفي الوثائقي، من خلال استدعاء مقالات جريدة "لو تال" وكتب الرحلات والصيد لجول جيرار، واللغة الأدبية التي تنقل هموم البؤس الاجتماعي وبساطة حياة الفتيان، فضلًا عن النبرة الساخرة والمفارقة، كما في معالجة شخصية تارتاران أو صراع الديكة.

فاللغة ليست مجرّد أداة لنقل الأحداث، بل وسيلةٌ لإعادة بناء الذاكرة المكانية والتاريخية لمدينة البليدة، وتفكيك سرديات الهيمنة الاستعمارية، كاشفةً التناقض بين خطاب المستعمِر المتعالي وواقع المجتمع الخاضع لسلطته. وتتجلى هذه الفاعلية في خاصيتين واضحتين:

الأولى: لغة السخرية والاحتجاج، من خلال تدوين اللافتات وتوظيف المفارقة، كما في الحوار الآتي:

"أنت بخطك الجميل... اكتبي فرنسا تحتجز الديكة؟ الرمز القومي في السجن كو كو كو!" (ص 91).

الثانية: لغة الوثيقة والتأريخ السردي، من خلال توظيف كتب الرحلات والصيد وإدماجها في النسيج الروائي:

"يعيش الأسد عادةً ما بين ثلاثين وأربعين سنة، ويتلف سنويًا ما قيمته ستة آلاف فرنك "240 جنيهًا إسترلينيًا" من الخيول والبغال والثيران والجمال والغنم. وإذا فرضنا أن متوسط عمر الأسد هو 35 سنة، فإن كل أسد يكلف العربي ما مجموعه 210,000 فرنك "8400 جنيه إسترليني" (ص 147).

وعلى الرغم من أن الرواية تتألف من تسعة عشر فصلًا، إضافة إلى المقدّمات والمهاد والإهداء، فإن اندفاعها التوثيقي يأتي أحيانًا على حساب تماسك البنية الحكائية، نتيجة الاعتماد المكثّف على النصوص التاريخية والمقالات الصحفية والمقتطفات المطوّلة من كتب الصيد والرحلات. وقد يؤدّي هذا الأسلوب إلى كسر إيقاع السرد، وتحويل بعض المقاطع إلى أرشيف وثائقي أو استطرادات تعليمية تثقل الحبكة.

كما يميل الكاتب، في بعض المواضع، إلى المباشرة في تمرير الرسائل الفكرية، إذ تأتي مواقف شخصيات مثل حمود وميشو من الاستعمار والوعي الوطني والهوية محمّلة بخطابٍ تقريري، يقلّص أحيانًا المسافة الجمالية، ويتيح للرؤية الأيديولوجية أن تطغى على الاشتغال الفني. ويظهر تفاوت كذلك في رسم الشخصيات، التي تبدو أحيانًا أنماطًا متكررة، أو أدواتٍ لتحريك الأحداث، من دون تعمّق كافٍ في دواخلها النفسية وتطورها. ويضاف إلى ذلك الاعتماد على المصادفات والتنقل السريع بين مغامرات الفتية، مثل البحث عن الأشبال وسرقة القبور وصراع الديكة والرحلات المفاجئة، مما يجعل البناء العام أقرب إلى سلسلة من اللوحات القصصية والحكايات المتجاورة منه إلى حبكة درامية متنامية ومحكمة.

فاعلية الشخوص ومحمول التاريخ

تستند الرواية إلى مجموعة من الشخصيات الفاعلة التي تسهم في ترسيخ الحكاية وتجسيد فكرتها، كما تحمل ملامح دالة على الزمان والمكان والتاريخ.

أولًا: حمود سالم:

يمثل حمود البطل المحوري الذي تدور حوله معظم الأحداث. وهو فتًى شجاع، قليل الكلام، قويّ الشخصية، يبيع الجرائد ليسهم في إعالة أسرته البسيطة. ويرفض الظلم والتبعية، ويحمل موقفًا فكريًا ووجدانيًا من الطبيعة والاحتلال وحماية الشبل ورد، فضلًا عن كونه مرجعًا وقدوة لبقية الصبية:

"كان حمود فتى قليل الكلام، يحمل في عينيه نظرة حادة. لم يكن قوي البنية، لكن في داخله طاقة من العزم والاعتدال لا تخطئها العين.. نال احترام رفاقه لشخصيته القوية، أما عبّود فكان يقلّده في كل حركة وإيماءة" (ص 139).

ثانيًا: أنطوانيت:

تمثل أنطوانيت الفتاة البرجوازية المتمرّدة، وحفيدة القاضي المقعد فرانك مور. وهي تنتمي إلى الطبقة الثرية المترفة، لكن احتكاكها بالفتية، وبساطة حياتهم يكشف تدريجيًا حدود غرورها وتعاليها. وتؤدّي دورًا أساسيًا في تحريك عقدة الرواية من خلال محاولاتها شراء أشبال الأطلس، فيما تتحوّل علاقتها بالفتية ومغامراتها معهم إلى مساحةٍ لاختبار الصداقة والوعي الطبقي:

"كانت أنطوانيت، بثروتها وغطرستها المتوارثة، تحمل ذلك التعالي الذي يلازم أبناء الطبقة المترفة، لكن مع مرور الأيام، بدأ شيء ما يتبدّل فيها. أمام هدوء حمود وصلابته، خفت بريق الغرور، وبدأ ينفض عنها شيئًا من غبار البرجوازية" (ص 140).

ثالثًا: عبود:

هو شقيق حمود الأصغر، ويعاني من تأخّر عقلي، وسذاجة تجعله عرضةً لسخرية الآخرين. ويجد في تقليد أخيه وسيلةً لمواجهة تلك السخرية، فيمثّل الجانب الإنساني الهش والعاطفي في الرواية. وتسهم براءته وتصرّفاته أحيانًا في تفجير أزمات تحرّك الأحداث، مثل ضياعه في العاصمة أو تصرفاته في الضريح:

"عبود يغلب عليه طبع الغباء والسذاجة، ولينفض عنه غبار الغباء والتأخر العقلي. وجد في تقليد تصرفات شقيقه والتعلم منه فرصة ليسكت سهام النقد اللاذع من قبل الجميع" (ص 10).

رابعًا: مارسيل:

فنان حالم، شغوف بالقراءة والرسم، وتتلمذ على يد رسامين، مثل الآنسة بياتريس. ويتقاطع مساره أحيانًا مع نبش القبور والسرقة بوصفهما وسيلتين للبقاء. وهو يمثّل الوعي الجمالي الناشئ في بيئةٍ موحشةٍ، وينتهي به المطاف إلى تأسيس مشروع للأحذية مع سعيد:

"مارسيل أكثرهم تردّدًا على المكتبة، ووجد في ميشو معلّمًا. أمّا أنطوانيت فظلّت بعيدةً عن مغامرات المساء التي كان حمّود وعبود وسعيد ومارسيل وجاك وإنزو ومراد يفعلونها سرًّا" (ص 25).

خامسًا: الملازم برنار غودار:

يمثل الإنساني للسلطة، فهو ضابط شرطة فرنسي يعاني مرارة فقدان ابنه الصغير لويس. وتكسر شخصيته صورة العسكري الاستعماري القاسي، إذ يحمي الفتيان وينتصر لحقوقهم في مواجهة المحتالين والمتنمرين، ويدخل في صدام مع إدارته بسبب تعاطفه معهم:

"قطع برنار على نفسه عهدًا أن يحمي حمود ورفاقه، في يوم دفن ابنه الوحيد لويس. كان المرض قد ألمّ بالصغير ولم تنفع معه العلاجات ولا أيّامه المديدة في المستشفى إنها المنية فلكل أجل كتاب" (ص 15).

سادسًا: إدموند ميشو:

صحفي فرنسي يعيش وحيدًا ويدير مكتبة صغيرة، ويمثل الذاكرة المعرفية في الرواية. فمن خلال حكاياته، يعرّف الفتيان بتاريخ المنطقة وقصص صيد الأسود وكتب المغامرين، ومنها مؤلفات جول جيرار، ليؤدي دور المعلم والمرشد الذي يحفزهم على التعلم والتفكير النقدي:

"كثيرًا ما كان يستمع إلى الحكايات التي يرويها الصحفي إدموند ميشو صاحب المكتبة الصغيرة المجاورة لمطبعة السيد موغان تبيع كتبًا وجرائد وبطاقات بريدية وأدوات كتابة ودفاتر" (ص 25).

الزمان والمكان والفاعل التدويني

تؤدّي الفاعلية التدوينية دورًا أساسيًا في تنظيم الزمان والمكان ضمن اللعبة السردية التي انتهجها الكاتب. فقد تجاوز الزمكان حدود الخلفية الحكائية ليصبح جزءًا من آليات التدوين والميتاسرد، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال خاصيتين:

الأولى: التوثيق التاريخي والصحفي:

دمج الكاتب الزمن التاريخي، بما شهده من أحداث، مثل انتخاب الرئيس الفرنسي كارنو وفضائح ويلسون والتغيرات السياسية في ألمانيا، بزمن الكتابة الصحفية اليومية عبر جريدة "لو تال" ومقالات ميشو. وقد جعل هذا التداخل الزمن الروائي مرتبطًا بآليات التدوين الصحفي والتوثيق التاريخي داخل الحكاية.

الثانية: أرشيف المكان وكتب الرحلات:

تحوّل المكان إلى نصوص ومراجع مستدعاة، فالشخصيات لا تكتفي بعيش المكان، بل تستحضر كتب الرحلات والصيد التاريخية، مثل مؤلّفات جول جيرار وشارل ترومليه، وتناقشها داخل الفضاء الروائي، في المكتبات والمستشفيات. وهكذا تصبح الجغرافيا والتاريخ مادّتين مكتوبتين، تخضعان لإعادة القراءة والتفكيك، في تداخل بين التوثيق والخيال، والواقعي والسخرية.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

بين شموس الذات وغسق الوطن 
قراءة نقدية في ديوان «شموس ووطن» للشاعرة ناز عدنان البوتاني
قراءات

بين شموس الذات وغسق الوطن قراءة نقدية في ديوان «شموس ووطن» للشاعرة ناز عدنان البوتاني

بين شموس الذات وغسق الوطن قراءة نقدية في ديوان «شموس ووطن» للشاعرة العراقية الكردية ناز عدنان البوتاني بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري العنوان بوصفه مفتاحًا تأويليًّا لا يأتي عنوان الديوان «شموس ووطن» مجرد تسمية خارجية لمجموعة من القصائد، بل ينهض بوظيفة دلالية تفتح أمام القارئ أفقًا…

· 11 د
قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟
قراءات

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟ بغداد- حمدي العطار ليس الشعر مجرد كلمات موزونة أو قوافٍ متناسقة، بل هو أحد أعمق أشكال التعبير عن التجربة الإنسانية، بما تنطوي عليه من أحلام ومخاوف وتناقضات وأسئلة وجودية، ومن هنا فإن الحكم على الشعراء لا يتوقف عند مضمون قصائدهم أو مدى توافقها مع…

· 9 د
التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد
قراءات

التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد

.... بقلم / __________________ عن (بقعة ضوء فوق جدار معتم تراب الحكايات) "ظلّ ذلك الصندوق الخشبي الكبير موضع شغفه، شغلت به نفسه، ثبت في خاطره أن العالم استقر في جوفه، البشر، الحكايات، الأغاني، الأنغام الشجية التي يميل على وقعها الأنفار في الحقول بين شجيرات القطن، تراه.......... " ليأخذناالكاتب فر…

· 3 د