انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

البيئة والمنفى وتحوّلات المكان في رواية "متنزه الحريم" لعبد الهادي سعدون

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

16 دقائق للقراءة
36 مشاهدة
البيئة والمنفى وتحوّلات المكان ي رواية "متنزه الحريم" لعبد الهادي سعدون
مشاركة:

ينشغل الأديب عبد الهادي سعدون في المنفى، ليس باعتباره استعادةً للذاكرة فحسب، بل لأنه يمثل العنوان الأبرز للهوية والبيئة التي يستخرج منها أفكاره، ويعيد من خلالها تشكيل رؤيته للإنسان والمكان والماضي. فرواية "متنزه الحريم" تتحرك في هذه الدائرة، بهدف الوقوف عند النقطة التي تتقاطع فيها البيئة مع الذاكرة والمنفى، ومحاولة ملامسة إمكان التصالح مع الماضي والجراح النفسية التي تركتها سنوات القمع السياسي والحروب، بوصفها جزءًا من مكانٍ مثقلٍ بالذاكرة، في مقابل البحث عن الخلاص والحب في المهجر الاسباني، بوصفه مكانًا حاضرًا تتشكل فيه حياة جديدة.

فبطل الرواية "دون سيدي" أو "عبد" يمثل صورة الإنسان المعذَّب بذكريات الماضي، وبوحشية المعتقلات والجلادين التي تلاحقه حتى في شيخوخته ومقرّه الأخير في مدريد، الأمر الذي يكشف استحالة النسيان التام، مهما بلغت محاولات الهروب الجغرافي. ومن هنا يمنح سعدون الذاكرة ثقلها النفسي والتاريخي، ويكشف ما تتركه الكوابيس القديمة من عزلةٍ وانكفاءٍ وتصدّعٍ داخلي، ولا سيّما حين يسلّط الضوء على عزلة المسنّين ووحدتهم، وكيف يتحوّل العالم الواسع بالنسبة إلى شيخٍ تقاعد من الحياة إلى مجرد "نافذة" أو "كُوّة ضيّقة" يراقب من خلالها تفاصيل الحياة اليومية، مثل مراقبته لجارته السمراء، لعلها تبث فيه شيئًا من الحياة والحرارة.

وبذلك يصنع سعدون تفاصيل بيئةٍ تتحرّك في معترك ثنائية المنفى والهوية، فهو يتناول اغتراب المهاجر وبحثه عن هويةٍ جديدة، بدءًا من تغيير الاسم من "عبد" إلى "سيدي"، وصولًا إلى تجربته المركّبة بين خيبات الوطن الأوّل، وتعقيدات الغربة وصدماتها. ومن خلال هذه الثنائية يصل إلى أهمية الحب بوصفه طوق نجاة، عبر علاقة البطل بصديقته "سلطانة" وتعلّقه العاطفي المتأخّر بجارته، حيث تطرح الرواية فكرة أن الحب، أو حتى الوهم العاطفي، يمكن أن يكون المحرّك الأخير للإنسان، والوسيلة التي يقاوم بها الموت والشيخوخة وقسوة الواقع.

ثنائية السرد

قد تبدو فكرة الرواية قائمة على ثنائية المنفى والهوية، غير أن الأمر يتجاوزها إلى مفارقةٍ ومواجهةٍ عكسية، فالبطل لم يذهب إلى المنفى لكي يستعيد ذاكرته المكانية، بل ذهب إليه هربًا من الموت والماضي وقسوة الوطن، محاولًا التمرّد على تلك الذاكرة، وارتداء أقنعةٍ جديدة، وتغيير اسمه وهويّته، كأنه يريد محو مكانه الأوّل والخلاص من كلّ ما يربطه به. ولهذا عكس مسار الرواية المفارقة الكبرى للمنفى من خلال ثنائيتين:

الأولى: الهروب الذي تحوّل إلى مطاردة:

فقد أراد البطل، من خلال المنفى، أن يقطع صلته بالمكان الأوّل، بغداد، وما ارتبط بها من قمعٍ وكوابيس، لكن المنفى في مدريد، بدلًا من أن يكون مساحةً للنسيان، تحوّل إلى مرآةٍ تكشف أعماق الروح، وتجبره على مواجهة أشباح الماضي والذاكرة المكانية التي تلاحقه في وحدته وعزلته.

الثانية: الذاكرة المكانية بوصفها مقاومة:

فالمكان الأول لم يُنسَ، بل ظلّ حاضرًا في تفاصيل يوميّاته الصامتة ونظراته من النافذة. فالمنفى هنا لم يكن أداةً مقصودةً لاستعادة المكان، بل أصبح البيئة التي أعادت إحياء المكان القديم في الوعي، بصورة أكثر ألمًا وعمقًا.. بمعنى آخر، إن المنفى في الرواية هو محاولة فاشلة للهروب من المكان، إذ يتحوّل تدريجيًا إلى فضاءٍ تتجلّى فيه الذاكرة المكانية بكلّ ثقلها، ويظهر عجز البطل عن التخلّص منها رغم تباعد المسافات.. وهنا تصبح البيئة أكثر من مجرّد فضاءٍ جغرافيّ تتحرّك فيه الشخصيات، إنها قوّة سردية تستدعي الماضي، وتعيد إنتاجه داخل الحاضر، حتى يصبح المكان الجديد امتدادًا نفسيًا للمكان القديم، لا قطيعة معه.

الحكاية وفاعلية المسارات

تدور أحداث الرواية حول رحلة إنسان عراقي هارب من قسوة التاريخ والماضي، هو البطل الذي غيّر اسمه ليتلاءم مع الواقع الجديد، فتحوّل البطل، بعد أن وجد في غربة السبعينيات فرصةً لمغادرة وطنه والاستقرار في مدريد، هربًا من جحيم القمع السياسي والحروب والكوابيس التي طبعت حياته الأولى.. غير أن الحكاية لا تبقى في هذا المنوال النفسي وجلد الذات، بل تتحوّل إلى عملية بحثٍ عن إمكان بناء حياةٍ جديدة، وعن فواعل إثباتية تتوافق مع الواقع الجديد، ومحاولة نزع الجذور أو إخفائها. ومن هنا يتشكّل الصراع الروائي في مجموعة من المسارات المتداخلة:

أولًا: الهروب وتغيير الهوية:

تبدأ الحكاية من محاولةٍ للانسلاخ عن الماضي، حيث يعمد البطل إلى تغيير اسمه وارتداء أقنعةٍ جديدةٍ في المنفى الأوروبي، محاولًا العيش بوصفه شخصًا آخر، وقد قطع صلته بأرضه الأولى وناسها.

ثانيًا: عزلة الشيخوخة والمراقبة:

تنتقل الحكاية إلى واقع البطل في مرحلة متقدّمة من العمر، حيث يعيش حياةً شبه منعزلةٍ في شقّته بمدريد. فتتحوّل نافذته، أو "كُوّته الضيقة"، إلى شاشةٍ يطلّ من خلالها على تفاصيل الحياة اليومية في المهجر، وتصبح مراقبته لجارته السمراء خيطًا رفيعًا يصله بالحياة والحركة، ويمنحه شعورًا بأن العالم ما زال قادرًا على إثارة شيء في داخله.

ثالثًا: مطاردة الماضي:

رغم محاولاته للنسيان، تكشف الرواية استحالة الانفصال الكامل عن الماضي، فالذاكرة تستعيد الوطن والجلّادين والوقائع القديمة، وتحوّل الحاضر المدريدي، إلى مساحةٍ تتقاطع فيها التجربة الجديدة مع آثار التجربة السابقة.

رابعًا: العلاقات الإنسانية بوصفها طوق نجاة:

تتخلّل الحكاية تفاعلات مع شخصياتٍ أخرى، مثل رفيقته أو صديقته "سلطانة"، وتفاصيل تعلّقه بالمرأة التي تقترب من عالمه في المهجر، لتضيء الرواية صراع الإنسان بين الرغبة في المحي والنسيان، والحاجة الملحّة إلى الحب والدفء والانتماء، حتى لو جاء هذا الانتماء متأخرًا أو اتخذ شكلًا من أشكال الوهم العاطفي.

وبذلك فإن الحكاية ليست سردًا لأحداثٍ خارجيةٍ صاخبةٍ، بقدر ما هي حكايةٌ نفسيةٌ تتتبع سيرة رجلٍ يحاول إعادة تركيب أشلاء روحه، بين وطنٍ غادره هربًا من قسوته، ومهجرٍ لم يمنحه الطمأنينة الكاملة.. فالحكاية في جوهرها، حكاية إنسانٍ حاول أن يغيّر المكان، كي يغيّر نفسه، فاكتشف أن المكان الأوّل ظلّ يسكنه.

فاعلية العنوان وتصدير الرواية

ثمة ارتباط وثيق بين عنوان الرواية وتصديرها بوصفهما عتبتين أوليين، وبين جوهر الحكاية وأحداثها. وهنا تتشكّل ثلاثية دلالية يتبادل فيها العنوان والتصدير والحكاية إنتاج المعنى.

أولًا: دلالة العنوان:

يحمل عنوان "متنزّه الحريم" مفارقةً ساخرة ومجازية، فـ"المتنزّه" يحيل عادةً إلى فضاء الفسحة والحركة والانفتاح، في حين أن "الحريم" يحيل إلى فضاءٍ أكثر انغلاقًا وخصوصية، بما يجعل اجتماع المفردتين منتجًا لتوتّرٍ دلاليٍ منذ العتبة الأولى.

وفي السياق النفسي للرواية، يمكن قراءة هذا التناقض في ضوء حالة البطل، فالمكان الذي يفترض أن يكون فضاءً للحركة والانطلاق يتقاطع مع حالة العزلة والانكفاء التي يعيشها، حيث تضيق الحياة في شقته، وتتحوّل النافذة، إلى حدّ فاصلٍ بينه وبين العالم، بينما تستمر الذاكرة والحنين والكوابيس في محاصرته.. من هنا يصبح "المتنزّه" مفارقةً أخرى، إذ إن المنفى، الذي يفترض أن يمنح الإنسان فرصةً للخلاص والحرية، لا يؤدّي بالضرورة إلى التحرّر الداخلي. فقد يخرج الجسد من المكان الأوّل، بينما تبقى الروح محاصرة فيه. ولذلك يمكن النظر إلى "متنزّه الحريم" بوصفه مكانًا يتقاطع فيه الانفتاح الخارجي مع الانغلاق الداخلي، والحرية الظاهرية مع الأسر النفسي.

ثانيًا: علاقة التصدير بالحكاية:

اختار مقولةً للكاتب الأرجنتيني إرنستو ساباتو: "إنك كنت على نحو ما تراقب العالم من نافذة".. لا يبدو بعيدًا عن المسار الذي ستأخذه الحكاية، فالنافذة تتحوّل إلى وسيطٍ بين البطل والعالم، وإلى موقعٍ للمراقبة والتأمّل، بل إلى الحدّ الفاصل بين الرغبة في المشاركة في الحياة والعجز عن الاندماج الكامل فيها. ومن خلالها يطلّ البطل على العالم الخارجي، بينما يبقى في عزلته الداخلية.. وهكذا لا يكون التصدير مجرّد قولٍ يسبق الحكاية، بل عتبةٌ تفتح الطريق أمام إحدى الصور المركزية في الرواية، صورة الإنسان الذي يراقب العالم من مسافة، ويرى حركة الحياة من الخارج، في الوقت الذي تعيد فيه الذاكرة تشكيل عالمه من الداخل.

ثالثًا: التقاطع الثلاثي:

إذا كانت الحكاية حكاية رجل هارب يغيّر اسمه، ويحاول أن يبدأ حياة أخرى، ثم يجد نفسه في شيخوخته يراقب العالم من نافذة شقّته، وتحاصره أطياف الماضي، فإن العلاقة بين العنوان والتصدير والحكاية تصبح أكثر وضوحًا.. فالعنوان يطرح المكان في صورته المجازية، والتصدير يطرح صورة المراقبة من النافذة بوصفها حالةً شعوريةً ونفسية، بينما تمنح الحكاية هذه الدلالات وجودها السردي من خلال تجربة البطل.. من هنا تتشكّل المفارقة، المتنزّه، بوصفه فضاءً للحركة، يقابله الانغلاق الداخلي، والنافذة، بوصفها منفذًا على العالم، تصبح في الوقت نفسه حدًا يفصل البطل عنه، والمنفى، بوصفه خروجًا من المكان الأول، يتحول إلى عودة مستمرة إليه عبر الذاكرة.. وبذلك لا تعمل العتبات الثلاث منفصلة، بل تتضافر في إنتاج المعنى، فالعنوان يفتح أفق المكان، والتصدير يحدّد زاوية النظر، والحكاية تجسّد هذا التقاطع في مصير إنسان يحاول أن يهرب من ذاكرته، لكنه يكتشف أن المسافة الجغرافية لا تكفي لتحريره منها.

البيئة والمنفى وتحوّلات المكان 

ي رواية "متنزه الحريم" لعبد الهادي سعدون

البيئة وتحوّلات المكان

لقد استثمر الكاتب البيئة استثمارًا أدبيًا، فلم يتعامل مع العراق وإسبانيا بوصفهما مكانين تجري فيهما الأحداث فحسب، بل جعل المكان حاملًا للذاكرة والتحوّل والاغتراب، ولا سيما أن حياة الشخصية المحورية موزّعةٍ بين بغداد ومدريد، وبين ماضٍ عراقيّ وحاضرٍ إسباني. ومن هنا لا يعود المكان إطارًا خارجيًا للحكاية، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في إنتاجها، وفي تشكيل وعي الشخصية ومصيرها:

أولًا: البيئة العراقية، المكان بوصفه ذاكرة وجرحًا:

تظهر البيئة العراقية، وخصوصًا بغداد، بوصفها المكان الأوّل الذي تشكّلت فيه الشخصية. فالعراق ليس حاضرًا في الرواية من خلال الوصف الجغرافي وحده، وإنما من خلال ما يتركه المكان في الذاكرة، الأسرة، البيت، الحرب، الاعتقال، الخوف، والغياب. وتتحوّل بغداد إلى فضاءٍ نفسيّ يلاحق الشخصية حتى بعد مغادرتها.. فالكاتب يستعيد العراق من خلال الذاكرة، أكثر ممّا يستعيده من خلال المشهد المباشر، ولهذا نجد أن أخبار بغداد، والحرب الأهلية، وما رافقها من اعتقالاتٍ واختفاءات، ليست خلفيةً تاريخيةً محايدة، بل جزءٌ من القوّة التي دفعت البطل إلى مغادرة المكان أصلًا.

وهنا تصبح البيئة العراقية ضاغطةً على المصير الفردي، فالبيت ليس مجرّد منزل، والمدينة ليست مجرّد شوارع، وإنما كلاهما مرتبطان بما حدث للشخصية، وبالذاكرة التي لم تستطع التخلص منها.

ثانيًا: البيئة الإسبانية، المكان بوصفه حياة بديلة:

تظهر البيئة الإسبانية، ولا سيما مدريد، بوصفها فضاءً مختلفًا، فالشخصية تنتقل إليها لا باعتبارها سائحًا، وإنما بوصفها مهاجرًا يحاول إعادة بناء حياته. ولذلك يكثر حضور الشوارع والمقاهي والساحات والمحال والحدائق والوجوه الإسبانية، لتصبح المدينة جزءًا من التجربة اليومية للبطل، لا مجرّد خلفية تجري فيها الأحداث.. وقد جعل الكاتب من الشوارع وسيلةً للتعرّف إلى المدينة ومعاشرتها، فالبطل يمارس المشي اليومي، ويحفظ الطرق والأحياء والمقاهي، ويعرف المدينة من خلال الاحتكاك بها، حتى لم يعد يتعامل معها بوصفه عابرًا أو سائحًا، بل أصبحت جزءًا من حياته اليومية.. ومن هنا يمكن عقد مقارنة بين البيئتين، لا على أساس التضاد المطلق، وإنما على أساس اختلاف الوظيفة السردية لكل منهما:

البيئة العراقية: مكان الذاكرة- البيئة الإسبانية: مكان الحاضر.. البيئة العراقية: مكان الولادة والتكوين- البيئة الإسبانية: مكان إعادة التكوين.. البيئة العراقية: الأسرة والجذور- البيئة الإسبانية: العلاقات الجديدة.. البيئة العراقية: الحرب والخوف- البيئة الإسبانية: الحركة والانفتاح.. البيئة العراقية: البيت بوصفه ذاكرة- البيئة الإسبانية: الشارع بوصفه حياة..

البيئة العراقية: الماضي - البيئة الإسبانية: الحاضر والمستقبل.. البيئة العراقية: الانتماء المؤلم- البيئة الإسبانية: اغتراب يتحوّل تدريجيًا إلى ألفة.

غير أن البيئتين لا تظلّان منفصلتين، فإسبانيا لا تمحو العراق، كما أن الاندماج في مدريد لا يؤدّي إلى محو المكان الأوّل. وعلى العكس، كلما ازداد البطل اقترابًا من المكان الجديد، استمر حضور المكان القديم في داخله. وهنا تتداخل الجغرافيا الخارجية مع الجغرافيا الداخلية، فمدريد تصبح مكانًا للحياة الجديدة، لكنها في الوقت نفسه تتحوّل إلى فضاءٍ تستعاد فيه بغداد عبر الذاكرة.

وبذلك لا يكون انتقال البطل من العراق إلى إسبانيا، انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل انتقالًا بين زمنين ووعيين وتجربتين، فهو يعيش الحاضر في مدريد، لكنه لا يستطيع التحرر من الماضي الذي يحمله معه.

ثالثًا: المكان الثالث، "متنزّه الحريم":

إذا كانت بغداد تمثّل المكان الأوّل، ومدريد تمثّل المكان الجديد، فإن "متنزّه الحريم" يتحوّل إلى مكانٍ ثالثٍ تتقاطع فيه البيئتان نفسيًا ودلاليًا. فهو ليس مكانًا مجرّدًا تلتقي فيه الشخصيات، بل فضاءٌ روائيّ مركّبٌ يتقاطع فيه الماضي بالحاضر، والشيخوخة بالشباب، والاغتراب بالألفة، والشرق بالغرب.. وفي هذا الفضاء تتّخذ علاقة سيدي بسلطانة/ ماريا معنى يتجاوز العلاقة الشخصية، إذ يتحوّل المكان إلى مساحةٍ لاستعادة الحياة، وإلى فرصةٍ لمواجهة الوحدة والشيخوخة. فالمتنزّه يمنح البطل، ولو مؤقتًا، إمكانية الخروج من عزلته والانخراط في حركة العالم من جديد.. ولهذا يصبح "متنزّه الحريم" أشبه بوطنٍ صغيرٍ بديل، فالشخصية التي فقدت مكانها الأوّل تجد في هذا المكان علاقاتٍ وذكرياتٍ وألفةً جديدة. وتتحوّل البيئة الإسبانية من مكانٍ غريبٍ إلى مكانٍ مألوف، ومن فضاءٍ للمنفى، إلى فضاءٍ يمكن أن تستعيد فيه الشخصية شيئًا من إنسانيتها.. وبذلك يكتمل المسار المكاني في الرواية.. من هنا فإن فاعلية البيئة في الرواية لا تكمن في كثرة الأمكنة أو دقّة وصفها فحسب، وإنما في قدرتها على إنتاج التحوّل الداخلي للشخصية، فكلّ مكانٍ يترك أثره في البطل، وكل انتقال جغرافي يقابله انتقال نفسي.

الاشتغال السردي وآليات الإنتاج

اعتمدت الرواية في بناء عالمها الداخلي على مجموعةٍ من الآليات السردية التي تتجاوز الصراع الخارجي التقليدي، لتمنح الاشتغال النفسي والمكاني دورًا أساسيًا في إنتاج الحكاية والمعنى. فالحدث لا يقوم على التصاعد الدرامي القائم على الصراعات الكبرى، وإنما يتشكّل من خلال حركةٍ داخليةٍ تستثمر الذاكرة والمكان والهواجس والانفعالات، بما ينسجم مع طبيعة سرد المنفى.

أولًا: آلية بناء الحدث الداخلي:

اعتمد الكاتب ما يمكن تسميته بـ"الحدث الضئيل" أو "الحدث الصامت"، إذ لا تقوم الرواية على حبكةٍ معقّدةٍ أو صراعاتٍ ماديةٍ واسعة، وإنما تتشكّل الحكاية من أحداثٍ يوميةٍ تبدو هامشيةً في ظاهرها، لكنها تكتسب قدرةً كبيرةً على إنتاج الدلالة. فمراقبة ما يجري من خلف النافذة، واحتساء القهوة، وتأمّل وجه جار، أو حتى رمشة عين، يمكن أن تتحوّل إلى محفّزٍ سرديّ ينقل الشخصية من مدريد إلى بغداد، ومن الحاضر إلى الماضي.. وبذلك لا تقاس أهمية الحدث بحجمه الخارجي، وإنما بقدرته على استدعاء الذاكرة وفتح مسارات جديدة للحكاية. فالحدث الصغير يصبح مدخلًا إلى حدث أكبر، والتفصيل العابر يتحول إلى محفز لاستعادة تاريخ شخصي وجمعي.

ثانيًا: آلية بناء الزمن والمكان:

تقوم الرواية على حركةٍ متقاطعةٍ بين الأزمنة والأمكنة، من خلال الانتقال المستمر بين الحاضر الأوروبي، والماضي العراقي. ولا يتحرّك الزمن وفق خطّ سرديّ مستقيم، بل يتشكّل تبعًا لحركة الذاكرة التي تستدعي الماضي كلّما واجهت الشخصية محفزًا مكانيًا أو نفسيًا في الحاضر.. وتعمل هذه الآلية وفق ما يمكن تسميته بـ"المونتاج الزمني والمكاني"، إذ ينتقل السرد من مشهدٍ آنيّ في مدريد إلى مشهدٍ من بغداد، أو من واقعةٍ حاضرةٍ إلى تجربةٍ ماضية، من دون أن يكون الانتقال مجرّد استرجاعٍ زمني تقليدي. فالذاكرة هنا لا تفسّر الحاضر فحسب، وإنما تشارك في إنتاجه وإعادة تشكيله.

ثالثًا: آلية بناء الشخصية والدفاع النفسي:

اعتمد الكاتب في بناء الشخصية المحورية على مجموعةٍ من الوسائل التي تكشف علاقتها بذاتها وبالمكان وبالماضي، ومنها الأسماء المستعارة والعزلة والتقوقع داخل فضاء الشقّة، والابتعاد عن الاحتكاك المباشر بالعالم الخارجي. ويمكن النظر إلى هذه الوسائل بوصفها آليات دفاعٍ نفسي، تحاول الشخصية من خلالها المحافظة على توازنها الهش.. غير أن هذه الآليات لا تحقّق حمايةً نهائيةً للشخصية، بل تتحوّل تدريجيًا إلى شكلٍ من أشكال الانغلاق، لأن العزلة عن المكان الخارجي لا تعني العزلة عن الماضي. ولذلك يصبح المكان المغلق فضاءً لاستعادة ما تحاول الشخصية نسيانه.

تفاعل ثلاث آليات رئيسة، بناء الحدث الداخلي، بناء الزمن والمكان، بناء الشخصية والدفاع النفسي، وهي آلياتٌ متداخلةٌ تتفاعل في إنتاج سردٍ يجعل من المنفى تجربةً داخليةً قبل أن يكون انتقالًا جغرافيًا.

البيئة والمنفى وتحوّلات المكان 

ي رواية "متنزه الحريم" لعبد الهادي سعدون

اللغة والصراع الدرامي

أدّت اللغة دورًا أساسيًا في تجسيد الصراع النفسي والدرامي في الرواية، فلم تكن أداةً محايدةً لنقل الأحداث، وإنما أصبحت وسيطًا لكشف العالم الداخلي للشخصية المحورية، وتجسيد التوتّر بين التذكّر والنسيان، وبين المنفى والوطن، وبين الرغبة في الانفصال عن الماضي والعجز عن التخلص من آثاره. ومن خلال هذا الاشتغال اللغوي، يتحوّل الصراع من مستوى الحدث الخارجي، إلى مستوى الوعي والذاكرة والانفعال.

أولًا: التكثيف اللغوي والشعرية وتجسيد الهشاشة النفسية:

جاءت اللغة مشحونةً بطاقةٍ تصويريةٍ وإيحائية، مبتعدةً عن التقريرية المباشرة، ومعتمدةً على الجمل القصيرة والمقاطع المكثّفة التي تتناسب مع طبيعة الحالة النفسية للشخصية. فالإيقاع اللغوي المتقطع يوحي بحركةٍ داخليةٍ متوتّرة، ويسهم في نقل حالة الاختناق النفسي التي يعيشها البطل.. ولا تبدو الكلمات في هذا السياق مجرّد وسيلةٍ للتعبير، وإنما تتحوّل إلى معادلٍ للحذر الداخلي، إذ يبدو البطل وكأنه يتحرّك بحذرٍ داخل ذاكرته، خشية أن يؤدّي استحضار الماضي إلى تفجير ما يحاول كتمانه. ومن هنا تنشأ مفارقةً بين رغبته في الصمت والخلاص من الذاكرة، وحاجته في الوقت نفسه إلى استعادتها.

ثانيًا: لغة التداعي والانزياح الزمني والمكاني:

ينعكس الصراع بين فضاء المنفى الأوروبي وذاكرة الوطن العراقي على اللغة نفسها، إذ تنتقل من مفردات الحياة اليومية في مدريد، بما فيها الشوارع والنوافذ والمقاهي والفضاءات الأوروبية الهادئة، إلى مفرداتٍ أكثر قتامةٍ ترتبط بالذاكرة العراقية، مثل المعتقلات والأشباح والجلادين ونصب الحرية وغبار الموت.. وهذا الانتقال لا يأتي بوصفه تبدلًا معجميًا فحسب، وإنما يكشف عن حركة الوعي بين مكانين وزمنين. فاللغة التي تصف الحاضر الأوروبي، تستدعي لغة الماضي العراقي، وكأن الذاكرة تعيد تشكيل الحاضر من داخله. ومن ثم يتحوّل الانزياح الزمني والمكاني إلى آلية سردية تكشف الانقسام الذي يعيشه المنفي.

ثالثًا: لغة العزلة والمراقبة والصمت الدال:

اشتغلت اللغة كذلك على تفاصيل العزلة والمراقبة، ولا سيما من خلال حضور النافذة بوصفها حدًا فاصلًا بين الشخصية والعالم الخارجي. فالمراقبة من خلف النافذة لا تنتج حدثًا خارجيًا كبيرًا، لكنها تفتح مجالًا للتأمل والتداعي واستعادة الذاكرة.. وفي بعض المواضع تبدو اللغة وكأنها تتراجع أمام ثقل الفجيعة، فيصبح الصمت نفسه جزءًا من عملية إنتاج الدلالة. فالنظرات والرمشات والتنهّدات وحركات الجارة السمراء لا تأتي بوصفها تفاصيل وصفية عابرة، وإنما تتحوّل إلى علاماتٍ تكشف عن عزلة الشخصية ووحشتها وحاجتها إلى التواصل مع العالم. وهنا يصبح الصمت لغةً دالة، لا غيابًا للغة، لأن ما تعجز الشخصية عن قوله يتحول إلى حركة أو نظرة أو انتظار.

الشخصيات وتنمية الذاكرة

اعتمدت الرواية على شخصيةٍ محورية ينكمش حولها العالم السردي، وتتحرّك الشخصيات الأخرى في فضائها بوصفها عناصر فاعلة في الكشف عن جوانب مختلفة من أزمتها النفسية والوجودية. وهي ليست جميعًا متساويةً في حضورها، أو وظيفتها، إذ تتفاوت أدوارها بين الفعل المباشر، والاستدعاء الذاكري، والتأثير النفسي، والوظيفة الرمزية.

أولًا: الجارة السمراء ووظيفة الحضور اليومي:

تأتي شخصية الجارة السمراء بوصفها إحدى الشخصيات الفاعلة في بناء العلاقة بين الشخصية المحورية والعالم الخارجي. فهي امرأة تسكن في الجوار الإسباني، يراقبها البطل من خلف النافذة، ويتابع حركتها اليومية في صمت. وعلى الرغم من أن حضورها قد يبدو عابرًا، فإن وظيفتها السردية تتجاوز هذا الحضور، إذ تمنح الشخصية المحورية سببًا لمراقبة الحياة والاستمرار في متابعتها.. وتتحوّل الجارة تدريجيًا من شخصيةٍ واقعيةٍ، إلى علامةٍ دلاليةٍ تمثّل العالم الخارجي واستمرار الحياة، في مقابل انغلاق البطل على ماضيه. ومن خلال مراقبتها يستعيد شيئًا من الإحساس بالحياة اليومية، فتغدو صورتها مرآة يرى فيها ما افتقده من الألفة والتواصل الإنساني.

ثانيًا: سلطانة ووظيفة الذاكرة العاطفية:

تمثّل سلطانة، بوصفها الحبيبة أو الصديقة التي يتداخل حضورها بين الذاكرة والمنفى، جانبًا آخر من العالم الداخلي للبطل. فهي لا تحضر بوصفها شخصية عاطفية فحسب، وإنما ترتبط بمراحل مختلفة من حياته، ولذلك يصبح استدعاؤها جزءًا من استعادة الماضي الشخصي.. وتؤدّي الشخصية وظيفةً وجدانيةً واضحة، إذ تمنح الذاكرة بعدًا عاطفيًا يختلف عن ثقل الأحداث السياسية والقمعية. ومن خلالها يطرح السرد الحب بوصفه إمكانية للتشبث بالحياة، أو طوقًا عاطفيًا يحاول البطل من خلاله مقاومة العزلة والانكسار.

ثالثًا: الأشباح والجلادون ووظيفة الماضي:

أما الأشباح والجلّادون فيمثّلون الشخصيات الغائبة الحاضرة، لأنها لا تتحرّك بالضرورة داخل الزمن المدريدي بوصفها شخصيات فاعلة، لكنها تستمر في التأثير في الشخصية المحورية من خلال الذاكرة. وهم يحيلون إلى الماضي العراقي، وإلى الرفاق القدامى، وإلى الجلادين الذين تركوا آثارهم في جسد البطل ووعيه.. من هنا يصبح غيابهم المادي حضورًا نفسيًا مستمرًا، بل إنهم يمثّلون المحرّك الأعمق للصراع الداخلي. فحضورهم الطيفي يفسّر حالة القلق والخوف والرغبة في الاختباء وراء الأسماء المستعارة، كما يفسّر استمرار محاولة البطل الابتعاد عن ماضٍ يصر على ملاحقته.

ومن هنا لا تبدو "متنزه الحريم" حكاية مجرّدة عن الهروب من الوطن، وإنما رواية عن استحالة الهروب من الذاكرة. فالمنفى الذي يفترض أن يكون ملجأً يتحوّل إلى فضاءٍ يعيد إنتاج الماضي، والعزلة التي تبدو وسيلة للحماية، تصبح طريقًا إلى مواجهة ما تحاول الشخصية الابتعاد عنه، بينما تتحوّل مراقبة جارة، إلى شكلٍ من أشكال التشبّث بالحياة.

إنها رواية عن ثقل الذاكرة وعذابات الهوية، وعن محاولة الإنسان أن يعيد بناء ذاته وسط انقسام حادّ بين ماضٍ يلاحقه وحاضر لا يستطيع الاندماج فيه. ولذلك فإن الصراع الحقيقي في الرواية لا يقع بين شخصياتٍ متصارعةٍ، بقدر ما يقع داخل الشخصية نفسها، بين ما تريد نسيانه وما لا تستطيع نسيانه، وبين وطن غادرته جغرافيًا وظل حاضرًا في وعيها، ومنفًى لم يتحوّل رغم المسافة إلى وطنٍ بديل.

مشاركة:

آخر تحديث: ٩ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د
بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري

المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني
قراءات

بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني

/ المغرب مقدمة تشكل قصيدة الحداثة المغربية المعاصرة بنية دينامية، تسعى باستمرار إلى تكسير الأنماط اللغوية الجاهزة واستبدالها برؤى شعرية تتأرجح بين اليومي والكوني، والواقعي والصوفي. ويندرج ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني (الصادر عن دار الدراويش للنشر والترجمة) ضمن هذا الأفق…

· 12 د