تسعى الروائية الجزائرية حكيمة جمانة جريبيع إلى تحويل المذكرات إلى متنٍ سردي، مثلما تسعى إلى جعل المتن السردي يتعالق مع الذاكرة التي تحمل معنى المذكرات. فروايتها "قلب.. خانه يساره"، الصادرة عن دار الدواية الجزائرية، تمثّل ما يمكن تسميته بـ"الميثاق الأخلاقي"، والتي تبدأ من العنوان الذي يُعدّ الباب الرئيس للدخول إلى مدينة الرواية، التي يتم الدخول لها من خلال العتبات "الجينيتية" التي تريد إفساح المجال للمتلقّي/القارئ، أن يكون بمستوى الرؤية التي تريدها المنتجة، وهي عتبات يكون لها محمول الدلالة لتقشير الفكرة والحكاية.
فاعلية العنوان
تتجلّى فاعلية العنوان وكيفية اشتغاله مع الحكاية، كآليةٍ أدبيةٍ وفلسفيةٍ عميقةٍ تهدف بها المنتجة إلى تفكيك ثنائيات الوجع والوطن والذاكرة. ويمكن تحليل ذلك عبر المحاور التالية:
أولاً: مفارقة العضوي والوجودي في فاعلية العنوان.. إذ يُعدّ العنوان عتبةً نصيةً مكثّفةً تعتمد على التورية والمفارقة، من خلال ثلاث نقاط:
1- الانزياح الدلالي، حيث يلعب العنوان على وتر الجسد، "قلب" كعضلة حيوية تقع في الجهة اليسرى من الجسد، و"اليسار" وهنا يغادر يسارية الجسد، ليحمل إيحاءات سياسية وفكرية واجتماعية، بما يطلق عليه تيار اليسار أو الفكر التقدمي.
2- الخيانة كفعل إرادي، إذ إنّ استخدام فعل "خَانَهُ" يضفي على "اليسار" صفة الشخصية الفاعلة أو الضمير الغائب الذي تراجع أو انحرف. وهذا يعني أن "القلب" الذي يرمز للحياة والمشاعر، قد تعرّض للغدر من قِبل "يساره"، سواء كان هذا اليسار هو الجانب العاطفي الذي خذله، أو المبادئ الفكرية التي تلاشت أو تغيّرت في الواقع المحيط بالبطلة.
3- التشخيص:
فقد نجحت المنتجة في تحويل "اليسار" إلى طرفٍ متّهم، مما يدفع المتلقّي للتساؤل منذ البدء: هل القلب مريضٌ عضويًّا، أم أن "يساره"؛ مبادئه أو رفاقه أو معتقداته، هو الذي تسبّب في خذلانه؟
ثانياً: آليات السرد.. الاشتغال مع الحكاية، إذ تمّ الاشتغال مع الحكاية بطريقة تراوح بين "التوثيق الوجداني" و"الترميز السياسي"، وذلك عبر أربعة أدوات:
1- الاسترجاع كعملية جراحية، إذ لم يكن الاشتغال مع الحكاية خطّيًّا، بل كان أشبه بعملية تشريح للذاكرة. فالرواية لم تسرد الأحداث لغرض السرد، بل لتفكيك "خيبات" متراكمة. كان استحضار شخصيات مثل (سحر وهاب) و(المعلّم إسماعيل جودي) وسيلةً لربط ألم البطلة الراهن بـ"انكسارات الوطن" في التسعينيات.
2- التكثيف الشعري، إذ تمّ الابتعاد عن السرد التقريري، واللجوء إلى لغةٍ مكثّفة تدمج فيها الخيبات الشخصية/ فقدان الحبيب أو الصديقة.. مع الخيبات الوطنية/ انحراف المسار العام للبلاد. فالاشتغال قام على تحويل كلّ واقعةٍ صغيرةٍ إلى رمز. فعلى سبيل المثال، الجدار في الرواية ليس مجرّد بناء، بل هو لوحٌ تُكتب عليه فتاوى التكفير أو شعارات الإقصاء، مما يحوّل الحكاية من سيرة ذاتية إلى مرآة للمجتمع.
3- المواجهة بين "النورمال" والوعي، إذ كان أحد أهم جوانب اشتغال العنوان مع الحكاية، هو تعرية المصطلح الاجتماعي "النورمال". إذ جعلت المنتجة بطلتها في حالة تصادمٍ مستمرّ مع هذه الكلمة، التي يستخدمها الناس لتبرير السقوط الأخلاقي والهمجية، مما جعل الحكاية تأخذ طابعًا نقديًّا لاذعًا لكلّ ما هو سائد ومقبول اجتماعيًّا رغم فساده.
4- التأصيل الرمزي للوصايا، إذ تمّ دمج حكاية الجد ووصاياه كخيطٍ ناظمٍ للرواية، مما منح العنوان، وفق الحكاية، ثقلًا أخلاقيًّا ووطنيًّا.
بمعنى أن العنوان كان مفتاحًا للمأساة، وكان الاشتغال مع الحكاية كرحلة ترميمٍ للذاكرة، لتصل إلى تأويلٍ أن الرواية لا تتحدّث عن مرض القلب، بل عن قلب وطن

عتبة الإهداء والعلاقة مع الفكرة
يُعدّ الإهداء في الرواية أكثر من مجرّد لمسة وفاءٍ تقليدية في مقدّمة الكتاب، فهو بمثابة "ميثاق أخلاقي" وعتبة دلالية تضع المتلقّي/القارئ منذ اللحظة الأولى في قلب الصراع الفكري والوجداني للرواية. ويمكن ملاحظة ذلك وفق النقاط التالية:
أوّلًا: تحديد البوصلة القيمية، إذ غالبًا ما يعمل الإهداء في هذا النوع من الروايات التأملية على الكشف عن المرجعية التي تستند إليها البطلة في مواجهتها لواقعها المأزوم. إذا كان الإهداء موجّهًا لأشخاصٍ يمثّلون النزاهة، أو الذاكرة، أو الوطن، فهو يعلن انحياز الكاتبة (والبطلة) لقيمٍ لا تقبل المساومة في وجه ثقافة "النورمال"/التطبيع مع الرداءة.
ثانيًا: ربط الخاص بالعام، فمن خلال الإهداء، تُحوّل الكاتبة حكايتها الشخصية إلى رسالة مؤتمنة عليها. فالإهداء يشير إلى أن الشخصيات التي كُتب الإهداء لأجلها هي شخصيات حقيقية أو رمزية، كان لها دور في تشكيل وعي البطلة، مما يربط الذاكرة الخاصة للكاتبة بالذاكرة الجمعية للوطن، ويجعل من الرواية فعلًا استرداديًّا للحقائق التي طمستها الفتن.
ثالثًا: اعتبار الالتزام فعلًا كتابيًّا، فالإهداء هنا يعكس الطبيعة "الالتزامية" للنص، فهو يؤكّد أن الرواية لم تُكتب للترف الأدبي، بل كشهادة موجّهة لأولئك الذين غادروا، أو أولئك الذين ما زالوا يحملون مشعل الحقيقة. بذلك، يكون الإهداء أمام مسؤولية أخلاقية تجاه الحكاية، ويجعل من فعل القراءة استكمالًا لمشروع استعادة الذاكرة الذي بدأته الكاتبة.
بمعنى إنّ الإهداء يمثّل "الخيط غير المرئي" الذي يربط بين عالم الرواية الداخلي، وعالم الكاتبة الواقعي، ويضفي على النص صبغة الأمانة التي ترفض البطلة التفريط فيها رغم مرض قلبها وظروف وطنها القاسية.
عتبة التوطئة وأثرها على مسار الرواية
في العمل الروائي عمومًا، وفي الأعمال ذات الطابع التأمّلي والنفسي خصوصًا، تلعب التوطئة، أو المقدّمة، دورًا مهندسًا لمسار السرد، وتتحدّد فائدتها على مسار الرواية، فهي تضبط الإيقاع النفسي والفكري، وتهيّئ القارئ نفسيًّا للدخول إلى عالمٍ مغلقٍ ومحمّلٍ بالوجع، حيث تكسر التوقّعات العادية، وتعلن مسبقًا أن النص لا يسعى إلى تقديم حكاية ممتعة بالمعنى البسيط، بل يقتحم منطقة "الصدأ الروحي" والأزمات الوجودية.. مثلما تعمل على تأسيس البوصلة الدلالية، كونها تضع المفاتيح الكبرى، مثل ثنائيات الخيانة، واليسار، والوطن، كإطارٍ ناظمٍ لفهم الأحداث اللاحقة، مما يجعل القارئ يقرأ التفاصيل اللاحقة بعينٍ واعيةٍ لرمزيتها العميقة.. فضلًا عن أنّها ترسم النبرة الصوتية، كونها تمنح السرد نبرته الغالبة، سواء كانت بوحًا ذاتيًّا، أو مناجاةً، أو نقدًا لاذعًا للواقع، مما يمنح مسار الرواية اتساقًا أسلوبيًّا يمنع تشتّت القارئ بين تقلّبات الذاكرة وتداعيها.
الحكاية وواقعية الأحداث
الرواية بمجملها تُعدّ نصًّا أدبيًّا يحمل طابعًا ذاتيًّا وتأمّليًّا عميقًا، يمتزج فيه الخاص بالعام، وتتقاطع فيه حكايات الوجع الفردي مع آلام الوطن. وهو ما يجعلها تقع ما بين المذكرات والسرد. ويمكن تلخيص حكاية الرواية في النقاط التالية:
أوّلًا: رحلة الوجع والمواجهة، فبين بطلة الرواية "ليال" التي تعاني من حالةٍ قلبيةٍ نادرةٍ تشخّصها في عيادة طبيب، لكن هذا التشخيص يتجاوز الجانب العضوي ليصبح مدخلًا لمواجهة "صدأ الروح" والذكريات المكبوتة. لتعيش البطلة صراعًا بين عالم الكتابة والورق كـ"واقٍ من الجنون"، وبين ضغوط واقعٍ مؤلمٍ يفرض عليها "السكينة" والتخلّي عن شغفها.
ثانيًا: سيرة الذكريات والفقد، إذ إنّ الرواية ليست حكايةً آنيةً مجرّدة، بل هي "قبو" لذكرياتٍ قديمةٍ أخرجتها الكاتبة من "الدرج"، لتستحضر من خلال البطلة شخوصًا أثّروا في تكوينها، مثل:
سحر وهاب: وهي صديقة الطفولة التي رحلت إثر لدغة عقرب، والتي تمثّل حلم الطفولة المجهض ونقاء الماضي.
الجد الشريف بن أيوب: الذي غرس في قلبها حب الوطن، وأوصاها بـ"وصايا عشر" أصبحت بوصلتها في الحياة.
المعلّم إسماعيل جودي: الذي اغتالته أيدي الغدر، والذي كان يمثّل شعلة التنوير في مدينة قيل عنها إنّها "قاطعت الجمال".
ثالثًا: الوطن في مرآة "نورمال":
إذ تعكس الرواية قلق البطلة من "الأزمة" التي مرّ بها الوطن (الجزائر)، وكيف تحوّلت إلى "ضمائر منفصلة فرّقتها الفتن والأنانية". وتنتقد الكاتبة بمرارةٍ سلوكيات المجتمع التي أضحت تبرّر الرداءة والهمجية بكلمة "نورمال"/"عادي"، وتستعرض تأثير الإيديولوجيات المتطرّفة على الجيل الجديد.
رابعًا: الصراع بين الأجيال، إذ يتم إبراز الصدام الفكري داخل أسرة البطلة بين الأب، جيل الثورة والمبادئ، والأخ (جلال) الذي تأثّر بخطاباتٍ دينيةٍ متطرّفة، مما يعكس انقسام المجتمع واحتدام الصراع داخل البيت الواحد نتيجة التحوّلات السياسية والاجتماعية.
خامسًا: تعدّد الرموز والأمكنة، فقد تمّ الاعتماد على رموزٍ قوية، مثل نخلة سحر، التي غُرست كحلمٍ وانتهت بمرارة فقدان البيت العتيق. والجدار، الذي يُعاد له الاعتبار في الحكاية ليس كجزءٍ من البيت، بل كمدرسةٍ أو كراسٍ يُكتب عليه أصحاب الفتن شعاراتهم وإيديولوجياتهم، في إشارة إلى قصة "مسمار جحا" التي تستخدمها البطلة لتفسير محاولات الاستيلاء على الذاكرة والهوية.
سادسًا: الرسالة الجوهرية:
إذ تُعدّ الرواية "بوحًا" عن ألم الذات في مواجهة انكسارات الوطن، حيث تحاول البطلة، من خلال الكتابة، استعادة توازنها النفسي والروحي، وترفض أن تسقط في فخ السكينة المصطنعة، متمسّكةً بحبر قلمها كآخر مجدافٍ لمواجهة تيار التلوّث والواقع المأزوم.
الفكرة والناتج التأويلي
دائمًا ما تكون الفكرة مرتبطة بالتأويل، والعكس صحيح. فالرواية تتمحور حول فكرةٍ جوهريةٍ أساسها رفض الاستسلام لواقع الخراب الأخلاقي والروحي، واتخاذ الكتابة والذاكرة أداتين للمقاومة. ويمكن استخلاص الفاعل التأويلي من خلال ما تفرّعت عنه الفكرة من دلالاتٍ عميقة:
أوّلًا: مقاومة السكينة المزيّفة،إذ ترفض البطلة الركون إلى السكون المفروض، أو التطبيع مع واقع الرداءة والهمجية الذي يختصره المجتمع بكلمة "نورمال"، معتبرةً أن هذا النوع من القبول هو خيانة حقيقية للذات والمبادئ.
ثانيًا: أزمة الذاكرة والوطن، إذ تعكس الرواية فكرة أن آلام الفرد وجراحه العضوية/ أزمة القلب، ليست سوى انعكاسٍ لخرابٍ أكبر يمثّله الوطن، وتفكّك نسيجه بسبب الفتن والانحراف الفكري والصراعات الإيديولوجية.
ثالثًا: الكتابة كطوق نجاة، إذ يتم التأكيد على أن التمسّك بالحرف والتدوين والورق هو "الواقي من الجنون"، والملاذ الأخير لإنقاذ الهوية والذاكرة من التلاشي والنسيان.
بمعنى أن الرواية في فكرتها تقول إن شفاء القلب الفردي لا يتم بالعقاقير الطبية وحدها، بل بترميم الذاكرة الجماعية واستعادة المبادئ النبيلة التي غرسها الرعيل الأول، قبل أن يتخطّفها زمن الزيف والخيانة.
الأثر البيئي ومحرّك الصراع
البيئة في الرواية لا تمثّل ديكورًا جغرافيًّا جامدًا مجرّدًا، بل هي عنصرٌ محرّك وفاعلٌ أساسيّ في بناء الحكاية وتوجيه مساراتها الدلالية والنفسية. ويمكن الاستدلال على أثر البيئة، بأبعادها السياسية والاجتماعية والنفسية، على فاعلية الحكاية عبر الجوانب التالية:
أوّلًا: البيئة السياسية كخلفية ضاغطة، عشية الوطن المأزومة، إذ تشكّل فترة التسعينيات وما رافقها من أحداثٍ داميةٍ في الجزائر بيئةً خانقةً تمثّل الخلفية الضاغطة للرواية. وهذا المناخ السياسي المتوتّر لم يرد كتقريرٍ تاريخي، بل ظهر أثره المباشر في تفكّك النسيج الاجتماعي والعائلي، مثل اغتيال المعلّم إسماعيل جودي، ومصير الأب الذي اغتيل بسيارةٍ مفخّخة، وانخراط الأخ في تياراتٍ متطرّفة. فقد جعلت هذه البيئة المأزومة الحكاية محمّلةً بوجعٍ جمعيٍّ يبرّر ويغذّي الانكسار الفردي للبطلة "ليال".
ثانيًا: البيئة الاجتماعية وصراع القيم، إذ انعكس التصدّع الاجتماعي بوضوحٍ على سلوكيات الناس، وتبريرهم للرداءة عبر لغةٍ يوميةٍ شائعة، مثل كلمة "نورمال". وهذه البيئة المتهالكة فكريًّا خلقت صدامًا حادًّا جعل الحكاية تدور في فلك الرفض والمقاومة الثقافية والأخلاقية، حيث تحاول البطلة حماية وعيها من التلوّث السائد.
ثالثًا: البيئة النفسية والمكانية/ الجسد والمنفى، إذ تحوّلت بيئة الجسد الداخلية للبطلة إلى ساحة صراع، بعد تشخيص مرض قلبها وغرابة موضعه. ومع تطوّر الأحداث، فإن الانتقال إلى بيئةٍ خارجيةٍ علاجية، والسفر إلى فرنسا وتعديل مكان القلب جراحيًّا، منح الحكاية دلالةً رمزيةً عميقةً، تعكس الاغتراب والتحوّل إلى كائنٍ مستلب، أو "دمية متحرّكة"، تفقد دفء هويتها الأولى.
بمعنى أن الحكاية مُنحت عمقها الواقعي والتأمّلي بفضل هذه البيئة المتداخلة، التي جعلت من وجع القلب الفردي مرآةً لانعكاس خراب الوطن وتغيّر ملامحه.
اللغة وفاعلية الاشتغال
تميّز الاشتغال على اللغة في الرواية بخصائص أسلوبيةٍ وفنيةٍ بارزة، عكست عمق التجربة النفسية والفكرية للبطلة، ويمكن تفصيل هذا الاشتغال عبر الجوانب التالية:
أوّلًا: اللغة الشعرية والمجازية، حيث ابتعدت الكاتبة عن التقريرية المباشرة، واعتمدت على لغةٍ مشحونةٍ بالصور البليغة والاستعارات التي تترجم وجع الروح وانكسارات الذات.
ثانيًا: تكثيف الدلالات الرمزية، حيث حملت المفردات أبعادًا أعمق من معناها الظاهري، وتحوّلت الأشياء والكلمات اليومية مثل "الجدار"، و"النورمال"، والقلب، إلى رموزٍ تعبّر عن أزمة الوطن وضياع المبادئ.
ثالثًا: التأمّل الذاتي والمناجاة، إذ غلب على السرد طابع البوح الداخلي والمونولوج، مما جعل اللغة تقترب من شكل الرسائل المفتوحة، أو التداعي الحر للذاكرة، التي تنقّب في دفاتر الماضي وتستحضر الشخصيات الراحلة.
رابعًا: التوتّر والتشويق الأسلوبي، إذ استُخدمت جملٌ تتراوح بين القصر والتكثيف، وبين الاسترسال التأمّلي، مما خلق إيقاعًا لغويًّا يتوافق مع حالة الاضطراب النفسي والصراع الفكري والسياسي الذي تعيشه البطلة.
التأرجح بين الكلاسيكية والتجريب
تتأرجح الرواية بين الشكل السردي الكلاسيكي وبعض التقنيات الحديثة، إلّا أنّها تقترب أكثر من الرواية التقليدية ذات النفس التأمّلي والسيري، أكثر من كونها تجريبية بالمعنى الاصطلاحي للتجريب، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال:
أوّلًا: البنية الحكائية التقليدية،إذ تمّ الاعتماد على حكايةٍ واضحة المعالم، وشخصياتٍ ذات أبعادٍ واقعيةٍ ورمزيةٍ جليّة، مثل الأب، والجد، والصديقة، وخطٍّ سارٍ يربط بين الماضي والحاضر، مما يجعلها بعيدةً عن مغامرات التجريب الراديكالي أو تفكيك الحبكة كليًّا.
ثانيًا: التقنيات الوجدانية والحديثة، إذ تمّ استخدام بعض الآليات الأسلوبية المعاصرة، مثل تيار الوعي، والمونولوج الداخلي، والاتكاء على الرمز المكثّف، كالعنوان والمجازات العضوية، واسترجاع الذاكرة المبعثرة خارج الترتيب الخطي الصارم.
ثالثًا: التصنيف الأدبي، إذ يمكن اعتبارها روايةً سيرذاتيةً وتأمّلية، تزاوج بين الواقعية والبوح النفسي، وظّفت قالبًا سرديًّا مألوفًا لتمرير رسائل نقدية وفكرية عميقة، دون أن تنخرط في التجريب التجريدي أو الحداثوي المتطرّف.
رابعًا: التأرجح وأثره في المفارقة العضوية والرمزية، أعطاها التأرجح فرصةً لخلق المفارقة العضوية والرمزية في العنوان، إذ يرتكز العمل على عتبةٍ نصيةٍ غير تقليدية، تربط بين المفارقة الطبية (مكان القلب في الجسد) والإيحاءات الفكرية والسياسية، مما يجعل "الخيانة" صفةً موجّهةً للجانب الأيسر في ثنائية الوجع والوطن.
خامسًا: الاشتباك الحي بين الذاتي والموضوعي، إذ لم يتم الاكتفاء بسرد حكايةٍ فردية، بل تمّ الدمج بين أزمة بطلةٍ تعاني من حالةٍ قلبيةٍ نادرة، وبين مخاضات وطنٍ يمرّ بأزماتٍ كبرى وانقساماتٍ إيديولوجيةٍ عميقة.
سادسًا: التشريح الأدبي للذاكرة المكبوتة، إذ تمّ الاعتماد على تقنية إخراج الذكريات من "الدرج" واستحضار شخصيات محورية، مثل الجد، والصديقة الراحلة، والمعلّم المغدور، ليس لمجرّد الحنين، بل لتفكيك جذور الخراب والتحوّلات المؤلمة في المجتمع.
الملاحظات السردية
لا كتابة تخلو من وجود السلبيات. ورغم أنّ الرواية تُعدّ ناجحةً بالمقاييس الإنتاجية/ التدوينية والاشتغال على الفكرة والحكاية، بل والوصول إلى ما أُطلقت عليه "الأدب الغاضب"، فالرواية طغت عليها النبرة الخطابية والتقريرية أحيانًا، ولا سيّما عند استعراض مواقف نقدية تجاه المجتمع أو تفسير الأزمات السياسية والفكرية.
وكذلك ثقل الحمولة الرمزية، إذ إنّ إحاطة الأحداث والشخصيات برموزٍ مكثّفة طوال الوقت قد تشكّل عبئًا على القارئ، وتفقد بعض المواقف عفويتها الواقعية، حيث تبدو الشخصيات أحيانًا كأصواتٍ تعبّر عن أفكار الكاتبة أكثر من كونها شخصياتٍ روائيةً تتحرّك باستقلاليةٍ تامّة.
فضلًا عن بطء الإيقاع السردي، لكون الرواية اعتمدت بشكلٍ مكثّف على المونولوج الداخلي، والتأمّل الذاتي، واسترجاع الذاكرة، مما جعل الربط بين التلقّي والفكرة يعاني بطئًا في تطوّر الحبكة الدرامية لصالح التأمّلات النفسية المستمرّة.
بمعنى أنّ هناك طابعًا خطابيًّا يميل إلى الانغماس في السيرة أكثر من الحكاية الواقعية، وكأنّ الرواية حصرت نفسها في زاوية النخبوية الفكرية، وجعلتها نصًّا يتطلّب قارئًا متأصّلًا، صبورًا على التفكيك والتحليل. وهذا ليس سُبّةً بقدر ما هو تحليق في الفنيات، وجعل حتى السلبيات غير منفصلة عن بنية النص، بل كانت امتدادًا لطبيعة الرواية بوصفها نصًّا تأمّليًّا ونقديًّا، وإن كان ذلك على حساب بعض الديناميكية الدرامية والحيوية الواقعية.







التعليقات