انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

البحث عن الهُويَّة قراءة نقدية في قصة "ماريا" لنجمان ياسين من مجموعة رائحة التفاح

د. بشار نديم الباججي
د. بشار نديم الباججي

ناقد وأديب عراقي

7 دقائق للقراءة
53 مشاهدة
البحث عن الهُويَّة قراءة نقدية في قصة "ماريا" لنجمان ياسين من مجموعة رائحة التفاح
مشاركة:

البحث عن الهُويَّة 

قراءة نقدية في قصة "ماريا" لنجمان ياسين من مجموعة رائحة التفاح

تُعدُّ قصة "ماريا" واحدة من أكثر نصوص نجمان ياسين قدرةً على تحويل اللقاء الإنساني العابر إلى سؤال حضاري عميق. فالكاتب لا يروي قصة حب تقليدية بين رجل شرقي وامرأة غربية، بل يقيم حوارًا بين عالمين، وبين منظومتين ثقافيتين، وبين رؤيتين للإنسان والحياة. ومن خلال هذا اللقاء يكشف أن أزمة الإنسان المعاصر ليست في اختلاف اللغات، وإنما في كيفية فهم الآخر دون أن يفقد الإنسان ذاته.

منذ الأسطر الأولى يضع الكاتب بطله العراقي المقيم في مدينة غلاسكو حاملاً ذاكرة الشرق المثقلة بالحروب والموت والاغتراب، بينما تبدو المدينة الغربية فضاءً مفتوحًا للموسيقى والرقص والحياة. غير أن هذا التقابل ليس تقابلًا ساذجًا بين شرق كئيب وغرب سعيد؛ إذ سرعان ما يكتشف القارئ أن الغرب نفسه يئن تحت ثقل جراحه ايضاً، وأن الإنسان، مهما اختلفت جنسيته، يظل أسير وحدته وأسئلته الوجودية.

تتجسد قضية الهوية في القصة بوصفها سؤالًا دائمًا لا جوابًا نهائيًا. فالبطل لا يتخلى عن انتمائه إلى العراق، بل يعرّف نفسه من خلاله، ويحمل ذاكرة وطنه أينما ذهب، بينما تقدم ماريا نفسها كونها امرأة أوروبية مستقلة، تؤمن بحرية الاختيار، لكنها لا تخفي هشاشتها الإنسانية. هنا تصبح الهوية حالة حوار لا حالة انغلاق؛ فهي لا تُلغى أمام الآخر، ولا تتحول إلى جدار يمنع التواصل.

ويُبرز الكاتب الحوار بين الشرق والغرب عبر الحوار الطويل بين الشخصيتين، وهو حوار يخلو من الخطابة الأيديولوجية الثقيلة، ويعتمد بدلاً منها الأسئلة الإنسانية التي تنطلق من البديهة الفطرية. فالمرأة الغربية لا تنظر إلى الرجل الشرقي باعتباره صورة نمطية، والرجل الشرقي لا يختزل المرأة الغربية في الحرية الجسدية أو الانفلات الأخلاقي، بل يسعى كل منهما إلى اكتشاف الإنسان الكامن وراء الثقافة. وبهذا يبتعد نجمان ياسين عن الثنائية التقليدية التي تجعل الشرق فضيلة مطلقة أو الغرب فسادًا مطلقًا.

ومن أبرز القضايا التي تثيرها القصة إشكالية التنوع الثقافي. فاختلاف العادات، وطريقة التفكير، والعلاقة بالجسد، والنظرة إلى الحب والزواج، كلها تظهر بوصفها اختلافات طبيعية لا تستدعي الصدام بالضرورة. غير أن القاص يشير في الوقت نفسه إلى أنَّ هذا التنوع قد يتحول إلى مصدر لسوء الفهم إذا دخلت الصور النمطية والأحكام المسبقة على الخط. ولذلك فإن الحوار في القصة ليس حوار ثقافات مجردة، بل حوار أفراد يحاولون تجاوز القوالب الجاهزة.

ولعلَّ الرقص والموسيقى في القصة يؤديان وظيفة رمزية بالغة الدلالة؛ فالرقص ليس مجرد متعة عابرة، بل لغة عالمية تتجاوز حدود اللغة القومية. وعندما يشارك البطل ماريا الرقص، فإنه لا يذوب في ثقافتها، بل يكتشف مساحة مشتركة يستطيع الإنسان فيها أن يلتقي بالآخر دون أن يتنازل عن هويته. وهنا تتحول الموسيقى إلى استعارة للتواصل الإنساني الذي تعجز السياسة والأيديولوجيا عن تحقيقه.

كما تكشف القصة عن نقد ضمني لكل من الشرق والغرب. فالشرق يحمل آثار الحروب والقمع والاغتراب، بينما يحمل الغرب نزعة الفردانية والوحدة والبحث المضني عن معنى الحياة. ولذلك فإن الكاتب لا يمنح أي حضارة تفوقًا أخلاقيًا مطلقًا، بل يؤكد أن الحضارات تتكامل حين تعترف بنواقصها، لا حين تدّعي امتلاك الحقيقة كاملة.

أما على المستوى الفني، فقد نجح نجمان ياسين في بناء قصة تعتمد على الحوار بوصفه محركًا للأحداث وكاشفًا للشخصيات. فالسرد هادئ، واللغة شفافة، تتداخل فيها الوصفية مع التأمل الفلسفي دون افتعال، بينما تكتسب الشخصيات عمقها من خلال ما تقوله أكثر مما يرويه السارد عنها. كما أن النهاية المفتوحة، بانقطاع الاتصال بماريا، تمنح النص بعدًا رمزيًا؛ فالحوار بين الشرق والغرب يبقى مشروعًا غير مكتمل، يحتاج دائمًا إلى محاولات جديدة.

في المحصلة، لا تقدم "ماريا" قصة حب بقدر ما تُقدم رؤية إنسانية تؤمن بأن الهوية لا تُصان بالعزلة، وأن التنوع الثقافي ليس تهديدًا، بل فرصة لاكتشاف الذات عبر الآخر. إنها قصة تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يبقى وفيًا لجذوره، وفي الوقت نفسه منفتحًا على العالم، وأن اللقاء الحقيقي بين الشرق والغرب لا يبدأ من السياسة، بل من الاعتراف المتبادل بإنسانية كل طرف. ولهذا تبدو "ماريا" نصًا يتجاوز زمن كتابته، لأنه يناقش واحدة من أكثر قضايا عصرنا إلحاحًا: كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نحافظ على هويتنا دون أن ننكر حق الآخرين في امتلاك هوياتهم.

هذه القصة لاتعتمد الحدث الخارجي الصاخب، بل الحدث النفسي؛ فكل ما يجري فيها هو حوار قصير بين رجل وامرأة، غير أنَّ هذا الحوار يكشف طبقات عميقة من الذاكرة والهوية والاختلاف الثقافي. وهذه من أبرز سمات القصة القصيرة الحديثة التي تفضّل الاقتصاد في الحكاية، وتوسيع فضاء التأويل.

البحث عن الهُويَّة 

قراءة نقدية في قصة "ماريا" لنجمان ياسين من مجموعة رائحة التفاح

واعتمد نجمان ياسين على السرد الحواري أكثر من اعتماده على الوصف أو التعليق. فالراوي يتراجع إلى الخلف، تاركاً الشخصيتين تتبادلان الحديث بحرية، حتى يشعر القارئ أنه يستمع إلى مشهد حي لا إلى حكاية يرويها شخص آخر.

والحوار هنا ليس وسيلة لنقل المعلومات فحسب، وإنما هو أداة لكشف الشخصيات. فمن خلال كلمات ماريا نكتشف امرأة غربية تعيش هاجس المساواة والكرامة الشخصية، بينما تكشف إجابات البطل عن إنسان شرقي يحمل قيماً اجتماعية مختلفة، لكنه يحاول في الوقت نفسه أن يفسرها بلغة عقلانية.

كما يعتمد الكاتب على الإيقاع الهادئ، فلا توجد مفاجآت درامية كبيرة، وإنما تصاعد نفسي تدريجي، يبدأ من سؤال بسيط، ثم يتحول إلى نقاش حول المرأة، لينتهي باعتذار ورسالة، وهي خاتمة مفتوحة لا تحسم العلاقة، وإنما تتركها معلقة بين إمكان اللقاء وإمكان الفراق.

ومن التقنيات اللافتة أيضاً الحذف؛ فالكاتب لا يخبرنا بكل شيء. فنحن لا نعرف تفاصيل الماضي، ولا طبيعة العلاقة كاملة، ولا ما سيحدث بعد الرسالة. هذا البياض السردي يجعل القارئ شريكاً في بناء النص، ويمنحه حرية ملء الفراغات بما ينسجم مع فهمه.

ولغة القصة بعيدة عن الزخرفة البلاغية والاستعراض اللغوي، فهي لغة اقتصادية لا تقول إلا ما يخدم الفكرة والموقف. فالجمل قصيرة غالباً، والحوار مقتضب، لكنَّ كل عبارة تحمل دلالة نفسية وثقافية.

والتكثيف هنا ليس اختصاراً شكلياً، بل هو تكثيف دلالي؛ فعبارة واحدة مثل: "أنتِ الآن حرة" تختزن تاريخاً من سوء الفهم والصراع بين مفهومين للحرية. وكذلك اعتذار ماريا لا يمثل مجرد اعتذار شخصي، بل يعكس مراجعة ثقافية لموقف سابق.

وتتسم اللغة أيضاً بقدرتها على الإيحاء؛ فهي لا تصرح بالأفكار الكبرى، بل تلمح إليها عبر المواقف. فالهُوية لا تُناقش في خطاب فكري مباشر، وإنما تظهر في طريقة كل شخصية في تفسير السلوك الإنساني، وفي اختلاف دلالات الكلمات نفسها بين الثقافتين.

أما الحوار في هذه القصة فليس زينة أسلوبية، بل هو البنية الأساسية للنص. فمن خلاله تتشكل العقدة، ويتطور الحدث، وتنكشف الشخصيات، ويُطرح السؤال الحضاري الكبير: هل نستطيع فهم الآخر من داخل منظومته الثقافية، أم نحاكمه دائماً بمعاييرنا الخاصة؟

ويمتاز الحوار بطبيعته الواقعية؛ فهو يخلو من الخطابة أو التنظير، ويشبه الحديث اليومي، لكنه يحمل في أعماقه أسئلة فلسفية حول الحرية، والكرامة، والاختلاف، وسوء الفهم بين الحضارات.

ولم يحتج الكاتب إلى رموز معقدة؛ فالرسالة، والهاتف، والسفر، كلها عناصر واقعية، لكنها تتحول إلى رموز للتواصل والانقطاع. فالرسالة محاولة لترميم ما هدمه سوء الفهم، والهاتف يمثل الرغبة في استعادة الحوار، أما عدم الاتصال بماريا في النهاية فيترك الباب مفتوحاً أمام تأويلات متعددة، ويمنح النهاية بعداً إنسانياً مؤثراً.

والقصة تنتمي إلى تقاليد القصة الحديثة التي ترفض النهايات المغلقة. فالقارئ لا يعرف هل التقى الحبيبان أم لا؟ ولا هل نجح الحوار بين الثقافتين أم بقي مجرد أمنية؟ وهكذا تتحول النهاية إلى سؤال مفتوح أكثر منها جواباً، وهو ما يزيد من القيمة الفنية للنص.

حتى البدايات كانت مغلفة بشيء من الغموض حين ابتدأت القصة بالحديث عن شحن جثة طبيب عراقي سيء الحظ نام فلم يستيقظ ومات غريبا من هو هذا الطبيب؟ وكيف مات؟ ولمَ كان سيء الحظ ؟ إنها أسئلة تحيط بدايات القصة بالغموض، ويبدو أن القاص حاول تجاوز أية عقبات تقف في طريق رسالته التي أراد قولها وهي  التعرف على العالم الجديد من خلال ماريا.

نجح نجمان ياسين في تحويل حكاية شخصية بسيطة إلى نص إنساني واسع الدلالة. فبفضل السرد الهادئ، والحوار المكثف، واللغة المقتصدة، والنهاية المفتوحة، إستطاع أن يجعل القصة تتجاوز حدود العلاقة العاطفية لتصبح تأملاً في إشكالية التواصل بين الشرق والغرب، وفي صعوبة فهم الآخر حين نحاكمه بمنظومتنا الثقافية الخاصة. وهكذا تتجلى براعة الكاتب فالقصة تقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات، وهو ما يُعد إحدى أبرز سمات فن القصة القصيرة الحديثة.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٢٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د
بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري

المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني
قراءات

بنية الرؤيا وجماليات التشكيل الشعري المفارقات الدلالية والإيقاعية في ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المصطفى حناني

/ المغرب مقدمة تشكل قصيدة الحداثة المغربية المعاصرة بنية دينامية، تسعى باستمرار إلى تكسير الأنماط اللغوية الجاهزة واستبدالها برؤى شعرية تتأرجح بين اليومي والكوني، والواقعي والصوفي. ويندرج ديوان "النوم على سرير الله" للشاعر المغربي المصطفى حناني (الصادر عن دار الدراويش للنشر والترجمة) ضمن هذا الأفق…

· 12 د