انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الاشتغال ومعماريّة النصّ في مجموعة (الأميرة ما تزال تنتظر في شرفتها) للتونسي محمد الخالدي

علي لفتة سعيد
علي لفتة سعيد

روائي وناقد عراقي

13 دقائق للقراءة
38 مشاهدة
الاشتغال ومعماريّة النصّ في مجموعة (الأميرة ما تزال تنتظر في شرفتها) للتونسي محمد الخالدي
مشاركة:

يجيد الشاعر محمد الخالدي، اللعبة التدوينيّة بمهارة شاعر خَبِر دروب القصيدة. فهو شاعر رائد من روّاد قصيدة التفعيلة والنثر. وهو شاعر يدرك معنى الكلمة في سياق الجملة، مثلما يعرف معنى الجملة في سياق القصيدة.

ففي مجموعته الشعرية (الأميرة ما تزال تنتظر في شرفتها) الصادرة عن دار كوى للنشر 2026 ينتظم أفكارها خيطٌ موضوعي وفنّي موحّد، وذلك لعوامل وخصائص فنّية صرّح بها الكاتب الشاعر محمد الخالدي في مقدّمته (كلمة لا بدّ منها)، ومنها أنّ التيمة المركزية تدور امرأة استثنائية (هي أميرة). وتتحوّل هذه المرأة عبر قصائد الديوان من البُعد الواقعي الملموس إلى البُعد الأسطوري، متّخذةً أثناء هذا التحوّل أقنعة وأسماء عديدة، فتظهر مرّة باسم "نوبيّة"، وتارة باسم "نور"، وتارة أخرى باسم "خولة".

المناخ الواحد وتوالد القصائد:

تنتمي قصائد المجموعة كلّها إلى مناخ شعوري وبيئي واحد؛ ولذلك فهي تتوالد من بعضها البعض ويكمل بعضها بعضاً في سلسلة من المتواليات الفنّية. فإذا غاب تفصيل أو مشهد ما في قصيدة، يظهر ويُستكمل في قصيدة أخرى عبر الذاكرة، لمحاولة استحضار صورة هذه المرأة بكامل تفاصيلها. 

وهو ما أدّى إلى أن تكون تقنية السرد غالبة على مجمل قصائد المجموعة، التي تُشكل امتدادًا وتتمّةً لسيرة هذه المرأة الاستثنائية التي بدأها الشاعر قبل أكثر من ثلاثين عامًا في مجموعته الشعرية "سيّدة البيت العالي" الصادرة عام 1999، ثمّ في روايته التي حملت الاسم نفسه الصادرة عام 2006. 

هيمنة الذاكرة وعاطفة الفقد:

 ما يجمع الأفكار والقصائد أيضا هو تغلغل صورة هذه المرأة في ذاكرة الشاعر، إذ لا تبرحها وتطرق بابه دون موعد لاستحضار تفاصيلها اليوميّة ورصدها إكرامًا لذكراها بعد أن تحوّلت إلى برزخ ناءٍ ومجرد ذكرى. لذلك، يدعو الشاعر القارئ ألّا يكتفي بالقراءة الخطّية التقليدية للمجموعة حتى لا تظلّ قراءته مبتورة، بل يتوجّب عليه استيعاب هذا الترابط العضوي والدخول في تخوم المجموعة كبناءٍ متكاملٍ يفسّر بعضه بعضا. 

العنوان والبنية الدلالية

اشتغل الخالدي على العنوان اشتغالًا بنيويًا ودلاليًا ذكيًا، إذ لا يحضر كمجرّد لافتة خارجية للمجموعة، بل كمفتاحٍ قرائي يختزل الرؤية الفكرية والجمالية للنصوص كاملة. ولهذا يمكن تفكيك بنية العنوان واشتغاله عبر المستويات التالية:

أوّلًا: الاشتغال البنيوي والتركيبي، حيث ورد جملة اسمية ممتدّة. كُسرت فيها النمطية، عبر عنوان طويل وهذا ما جعله حدثًا سرديًّا يمتدّ في الزمن، عبر استخدام الفعل المضارع "تنتظر" مسبوقًا بـ "ما تزال" التي تفيد الاستمرارية والديمومة. وهذا الاشتغال الزمني ينقل العنوان من كونه حدثاً عابراً إلى حالة وجودية ممتدّة من الماضي إلى الحاضر، وتستمرّ في المستقبل.

ثانيًا: الاشتغال الدلالي والرمزي، حيث تمّ مسرحة كلّ مفردةٍ في العنوان بدقّةٍ لخدمة الفكرة المحورية للديوان، من خلال:

1- الأميرة: الساردة المركزية أو الملهمة، فهي ليست مجرّد امرأةٍ عاديةٍ، بل تحيط بها هالة من الرومانسية والرفعة والقداسة الفنّية. إنها الرمز المتغيّر الذي يتّخذ أقنعةً مثل نور، خولة، ونوبية، ليمثّل تيمة "المرأة الاستثنائية".

2- الشرفة: اختيار "الشرفة" كفضاءٍ مكانيّ يحمل دلالةً برزخية، فالشرفة هي الحدّ الفاصل والواصل في آنٍ واحدٍ بين "الداخل" عالم الذات المتمثّل في العزلة والذاكرة و"الخارج" عالم الواقع المتجسّد في الآخرين وفي الغياب. إنّها مكان المراقبة والترقّب.

3- الانتظار: يمثّل الانتظارُ المحرّكَ الفعلي للنصوص، بما هو اشتياق إلى الماضي، ورفض الاستسلام للغياب، ومحاولة لاستعادة تفاصيل هذه السيرة التي انطلقت منذ عقود عبر "سيّدة البيت العالي".

ثالثًا: الاشتغال على العنوان كعتبةٍ نصّيةٍ وموجّهٍ قرائي، أدّى الى التكامل والامتداد الفني، حيث عمل العنوان كبوابّةٍ تلخّص "المتواليات الشعرية" داخل الكتاب. فالشاعر في مقدّمته يشير إلى أنّ القصائد تتوالد ويكمّل بعضها بعضاً، والعنوان يضع القارئ في هذا المناخ، مناخ الترقّب واستكمال المشاهد الناقصة. بمعنى أنّه يريد إثارة الفضول عبر الأفق السردي، لذا يبدو العنوان وكأنّه يطرح أسئلةً مضمرةً في ذهن المتلقّي، لماذا تنتظر؟ ومن تنتظر؟ وهل سيطول هذا الانتظار؟ هذا الاشتغال يحوّل القصائد من مجرّد دفقاتٍ شعوريةٍ منفصلةٍ إلى فصول في "سيرة شعرية" ممتدّةً تحاول الإجابة عن سؤال الانتظار هذا. بمعنى أنّ الشاعر نجح في جعل العنوان عتبةً ديناميكيةً تلخّص المناخ الشعوري الموحّد للمجموعة، وتختزل جدليّة الواقع والأسطورة، والحضور والغياب، المحدّدة لجوهر شخصيّة الأميرة، في هذا الديوان.

الاشتغال ومعماريّة النصّ في مجموعة

(الأميرة ما تزال تنتظر في شرفتها) للتونسي محمد الخالدي

معماريّة النص

إنّ نصوص المجموعة تُمثّل نموذجًا لمعماريّةٍ شعريةٍ صارمٍة ومدروسة. فهي لا تُنتج بوصفها شذراتٍ عفويةً أو دفقاتٍ عاطفيّةً عابرة، بل تُبنى عبر آليّات اشتغالٍ فنّية ونفسية ولغوية محدّدة. ويمكن تلخيص إنتاج النصوص والاشتغال عليها في المجموعة عبر المحاور التالية:

أوّلًا: آليّة التوالد والتكامل العضوي، وتُعَدّ اللبنة الأساسيّة في إنتاج هذه النصوص التي لا تنغلق على نفسها. فالقصيدة الواحدة لا تبدأ وتنتهي في حدود صفحاتها، بل تعمل كجزءٍ من سلسلة متوالية.. إذ يبدأ الشاعر بكتابة مشهدٍ شعري، في حانةٍ أو حارةٍم وحشة، لكنّه يترك هذا المشهد مبتوًرًا أو ناقصًا عن عمد. وفي قصيدة أخرى، وعبر حركة الذاكرة، يستدعي تفصيلًا مفقودًا ليُكمل المشهد السابق. ما يجعل النصوص تتوالد من بعضها البعض، بحيث تصبح عبارة عن نصّ واحدٍ ممتدّ، يُفسّر بعضه بعضا، ويحتاج من القارئ جهدًا لربط خيوطه. ويمكن معاينة هذا الاشتغال الفنّي من خلال تتبّع حركة "الذاكرة" ومشهد "الحانة والليل الموحش"..

1- المشهد المبتور، وهو تساؤل الفقد وبداية الأرق، حيث يبدأ الشاعر في قصيدة مبكّرة برصد مشهد الدرب الموحش والحي الغارق في الظلمة، مستنكرًا هذا التحوّل ومتسائلًا عن ليالي الوصل القديمة، لكنّه يترك المشهد معلّقًا عند حدود التساؤل والشعور بالفراغ:

"قال مريدوه، ودون حماها بيد وقفار موحشة

- سيروا، قال فقد نبلغُها

بعد دقائقَ، من أدراكم؟ْ"

وهذا المشهد يظل ناقصًا، فالقارئ لا يعرف هنا لِمَ انطفأ ليل الحيّ، وما الذي حلّ بتلك اللقاءات.

2- استدعاء التفصيل المفقود عبر الذاكرة، من خلال تسمية الغائب. عبر "حركة الذاكرة"، إذ يتقدّم الشاعر خطوةً ليفكّ العتمة المحيطة بالمشهد السابق، فيستدعي التفصيل المفقود، ليكمل مبرّرات ذلك السواد الذي غمر درب الحيّ:

"دارت الأرضون بي.. دار الزمان

لقد مضت نور

لياليها الملاح"

هنا يتكامل هذا النصّ مع النصّ السابق، فرحيل "نور" هو التفسير الخفيّ لكون الدرب غدَا موحشًا والحيّ يغرق في الظلام.

إنّ هذه الشواهد المتفرّقة تُثبت كيف أنّ الأفكار والمشاهد، الظلام، الرحيل، السهد، الحانة، ضياع الهوية، لا تنتهي بانتهاء القصيدة الواحدة. فالجمل الشعرية تظلّ مفتوحةً ممتدّةً كخيوط شبكة، يتلقّفها النصّ التالي ليعيد نسجها، مما يجعل القارئ أمام نصّ واحد ممتد، يتوالد تفصيلًا إثر تفصيل ليصنع سيرة الشخصية في غيابها وحضورها.

ثانيًا:  اشتغال "تقنية السرد الحكائي" بدلًا من الغنائية الساكنة، إذ تُنتج النصوص في المجموعة باعتماد بنيةٍ سرديةٍ حركية، فالشاعر يتخلّى عن البكائية الغنائية التقليدية لصالح بناء حكاية شعرية. فالشاعر يتّكئ في صياغة الجملة على المعجم البصري الحركي وكثافة الأفعال، المضارعة والماضية، التي ترسم حركةً متدفّقةً في الفضاء والنتيجة، إنتاج نصوص تبدو للمتلقّي كأنها مشاهد سينمائيةٍ متلاحقة، فالشعر هنا لا يصف مشاعر مجردة، بل يروي سيرةً تفصيليةً وملموسة. ويمكن ملاحظة ذلك عبر:

1- الكثافة الفعلية ورسم الحركة المتدفّقة في الفضاء، حيث نجد أن  الشاعر يتخلّى عن الغنائية الساكنة ويتحوّل إلى مخرجٍ سينمائي يراقب ويرصد تفاصيل حركة المرأة بدقّة، مستخدمًا تتابعًا حركيًا للأفعال، أراها، تداعب، ترنو، سيعتم، تصعد، تسرع:

"قد أراها عند شرفتها تداعب ـ وهي ساهمة ـ

أصيص الزهر أو ترنو إلى أفق سيعتم بعد حين"

2- السرد الحواري وبناء المشهد الواقعي الملموس، ويلجا الشاعر بدلًا من وصف مشاعر الحزن المجرّدة، يروي سيرة تفصيلية لما يحدث داخل المكانة من خلال حكاية ملموسة وحوار متبادل مع النادل، مع رصد الحركات البصرية الصغرى مثل (سألت، يشكون، فتح، يفرك):

"سألت النادل المخمور:

ـ ما هذي المناحة؟ ما لهم يشكون؟

فتح ـ وهو يفرك وجهه

عينين متعبتين من سكر ومن أرق"

3- المشهد السينمائي المتلاحق، عبر الحركة في الفضاء الموحش، إذ يتحرك النص ككاميرا تتابع خطوات البطل في مكان مظلم، حيث يعتمد على سرد حكائي ملموس تتوارد فيه الأفعال والتحركات البصرية لتعكس الوحشة عبر الحركة لا عبر النحيب:

" أمضي إليها خطاي التيه والتعب

أسعى حثيثا ولا أدري متى أصل

هل غامت السبل؟

أم أنني وجل؟

في خطوه تعب

من شد التعب"

تثبت هذه الشواهد كيف تبتعد الجمل الشعرية عن التجريد البكائي، فالقصيدة لديه حكاية لها شخوص وفضاء وحركة (الدرب، الشرفة، الحانة، النادل)، والأفعال هي المحرّك الأساسي الذي يمنح النصوص طابعها السردي الحركي المتميز، مما يؤسّس لاشتغال نصي جديد.

ثالثًا: اشتغال، عبر تعدّد الأقنعة والأسماء، من خلال تجريد الواقع وتحويله لأسطورة، بهدف النأي بنصوصه عن التقريرية أو السيرة الذاتية الضيقة، يشتغل على آلية تعدد الأقنعة اللغوية للشخصية المحورية ، ولهذا ينطلق من تجربة واقعية وعاطفة حقيقية تجاه امرأة استثنائية، ولكنه أثناء إنتاج النص يقوم بتذويب هذه الكينونة الواقعية ويمنحها أقنعة وأسماءً متعدّدةً، فتارةً يكتب عنها بوصفها "نور"، وتارة "خولة"، وتارة "نوبية".

 بمعنى أن هذا الاشتغال قناعي، يرفع النص من مستواه الشخصي المباشر، إلى مستوىً كونيّ وأسطوري. تصبح المرأة في النص رمًزً مطلقًا لـ "الآخر" الغائب، ويتداخل الواقع بالوهم والبرزخ.

1- التصريح بالآلية في المقدمة حيث يعلن بوضوح في مستهل ديوانه عن تبنيه لهذه الآلية لفكّ ارتباط النص بالواقع المباشر:

 2- قناع نور هو يرمز  الى الضياء الآفل وانكسار الحي، :يظهر اسم "نور" كأول الأقنعة التي تستدعيها الذاكرة في لحظة الموت والغياب، حيث يتداخل رحيلها العاطفي مع ظلمة الوجود المادي المحيط بالشاعر:

"دارت الأرضون بي.. دار الزمان

لقد مضت نور

لياليها الملاح"

ويتأكّد هذا القناع في مشهد الحانة، حين يصبح غياب "نور" سببًا جماعيًا لسهد العشاق وانطفاء بهجة المدينة:

"سألت النادل المخمور.. متى ؟..

- ما هذي المناحة؟ ما لهم شكون؟"

3- قناع "نوبية" وهو رمز الشبق، الأسطورة الأفريقية، والجسد المرمري، حيث ينتقل الشاعر إلى هذا ال قناع ليخلع على المحبوبة أبعادًا شبقيةً طقسيةً مأخوذةً من تاريخٍ عريقٍ وسحرٍ أفريقيّ خالص، مجرّدًا إياها من تفاصيل المرأة العادية ليجعلها كائناً من عاج وأبنوس، وفي نهاية المطاف، تلتقي هذه الأقنعة كلها لترسم ملامح "المرأة الأسطورة". ويتبيّن أن الشاعر يكتب من منطقة برزخية تقع ما بين الواقع والوهم.

 رابعًا: اشتغال والبنية الحوارية وتعدّد الأصوات

لا تقتصر النصوص على صوت الشاعر المفرد، الأنا الغنائية المعزولة، بل تُنتج من خلال فتح فضاء النص لأصوات وأجواء أخرى. ويكون الاشتغال الانتاجي عبر حوارات مباشرة، مثل الحوار مع النادل:

"قال الشبيه يحثنّي:

- بلغنا أتدري خيمة الشاعر الذي

إذا ما انتشى عند العشي وقد زها"

كما يستدعي فضاءات جماعية صاخبة كالحانات، والرواد المكدودين، والعشاق المخذولين. وبهذا فان إنتاج نصوص حية تتصارع فيها الأصوات، حيث يمتزج انكسار الشاعر الفردي بمرارة وانكسار الجماعة المحيطة به، مما يعطي النص عمقاً درامياً واضحا.

ويمكن ملاحظة ذلك من خلال:

1. انكسار الذات الفردية واستدعاء الفضاء الجماعي المكدود، إذ يبدأ الشاعر ببناء فضاء المكان لغويًا، لا بوصفه مكانًا عادياً، بل بوصفه مسرحًا تتلاقى فيه ذوات متعبة تشبهه في الفقد؛ فيرصد بعين الفاحص وجوه الرواد المنكسرين:

2- اشتغال الحوار المباشر، (تصارع وتداخل الأصوات، إذ لا يظل الشاعر صامتًا في هذا الفضاء، بل يكسر عزلة الوجوم بفتح حوار مباشر ومسرحي مع شخصية "النادل"، ليتداخل صوت التساؤل المأزوم للشاعر مع صوت النادل المتعب الساهر.

3- ذوبان صوت الشاعر واستسلامه لصوت الجماعة الغريبة، حيث تبلغ البوليفونية ذروتها حين يضيع صوت الشاعر وسط صخب المكان والأصوات المحيطة به، ليصبح صوته مجرّد صدى يسأل، بينما يجيبه صوت الآخر (الذي يليه) ليعلن ضياع الجميع في زمن الانتظار:

بمعنى ان الاشتغال عند الخالدي موزّع هندسيا بين دفتي الكتاب، وقد نجح في منح نصوصه عمقًا دراميًا حيًّا، تتبادل فيه الشخوص والأصوات أدوار الشجن، لتشكل مجتمعةً جوقة (كورال) تنوح على زمن الوصل الضائع وصورة الأميرة التي ما تزال تنتظر في شرفتها.

خامسًا: اشتغال الذاكرة والزمن الدائري كمحرّك بنيوي، فالزمن في هذه النصوص ليس خطّيًا ماضٍ ثم حاضر، بل هو زمن دائري برزخي.. وهو يشتغل على إلغاء الفواصل الزمنية. فلحظة المكوث في المكان يعني الحاضر، لكنه ينفتح بضربةٍ باغتة من الذاكرة على حدثٍ ماضوي، فالشاعر يكتب من منطقة برزخية تقع بين حضور الطيف، وغياب الجسد.

وهذا الاشتغال الزمني يُنتج نصوصًا مشحونةً بالشجن الوجودي والتيه، حيث تنتهي بذوبان هوية الشاعر نفسه وتماهيه الكامل في كينونة هذه الأميرة الغائبة كما في التساؤل الختامي للديوان:

"شربت حتى لم أعد أذكر من أنا

 ومن أكون؟".

بمعنى إن إنتاج النصوص يقوم على تطويع أدوات الشعر وسرديته لبناء معمارٍ شعريّ ممتّدٍ ومتكامل. والشاعر يشتغل بنحتٍ لغويّ دقيق يجعل من كلّ قصيدةٍ لبنة في بناء السيرة الأسطورية للشخصية المحورية، مستعينًا بالحركة البصرية، وتعدّد الأقنعة، والزمن المتداخل، ليخرج بنصّ شعريّ جديدٍ ومتطوّرٍ ومغايرٍ للتجارب السائدة

التنظيم الشعري والصياغة الجملية

الشاعر هنا لا يفصل بين الاثنين، بل يدمجهما معا، فهو يهتم بالمنظومة الشعرية الكلية وفي الوقت ذاته يولي صياغة الجملة الشعرية الفردية عناية فائقة، غير أن الكفّة ترجح لديه لصالح المنظومة والكل البنيوي كهدفٍ نهائي، وتكون الجملة الشعرية هي الأداة الدقيقة لبناء هذا الكل.

ويمكن تحديد هذا الاهتمام التكاملي من خلال:

1-  الانحياز للمنظومة الشعرية، المتوالية الشعرية والنص الواحد، حيث يهتم الشاعر بالمنظومة اهتمامًا كبيرًا، وهو ما صرّح به في مقدّمته حذّر فيه القارئ من القراءة المجتزأة. المنظومة عنده تتجلّى في، الهندسة الكلية للديوان، القصائد ليست قصائد مناسبات، أو دفقات معزولة، بل هي أشبه بفصولٍ في روايةٍ أو لوحاتٍ في معرضٍ واحد. وكذلك عبر التوالد العضوي، فالجملة الشعرية قد لا تكتمل دلالتها إلّا بجملةٍ أخرى في قصيدة تالية. هذا يعني أن تفكير الشاعر أثناء الكتابة كان منصباً على المعمار الكلي كمنظومة، كونها تستوعب سيرة الشخصية وتحولاتها.

2- العناية بصياغة الجملة الشعرية كمِعمار تفصيلي، فعلى الرغم من هيمنة المنظومة، إلّا أن الشاعر لا يضحي بجمالية الجملة الشعرية، فالمنظومة القوية لا تبنى إلا بلبنات جمل متّقنة الصنع. وتتميز صياغته للجملة الشعرية بالصياغة السردية المشهدية، الجملة ليست غنائية طائرة، بل جملة محملة بحركة واقعية وسينمائية. على سبيل المثال، صياغته لجملة مثل:

" وهي ترنو نحو أفق غائم

تتعامد الساقان منها خلسة "

فهي جملة شعرية مصاغة بدقّة عالية، تجمع بين البساطة البصرية والعمق الدلالي، فضلا عن التكثيف واللازمات اللغوية، حيث يعتني بصياغة جملٍ محوريةٍ تتكرّر داخل المجموعة كعناصر رابطة، مثل العودة الدائمة إلى المكان الأثير/ الشرفة مثلا.. أو وصف الأمكنة المجاورة/ حانات العشاق المكدودين. فالصياغة هنا تلعب على وتر الإيقاع الداخلي للجملة لتوليد الشجن.

إن الاشتغال يبدو في عملية صياغة الجملة الشعرية تُساق وتُوجَّه لخدمة المنظومة. فالشاعر لا يصيغ جملة لمجرد الاستعراض البلاغي أو الزخرفة اللفظية، بل يصيغها لتكون، جزءًا من الحكاية، تخدم تقنية السرد المعتمدة في الديوان. أو لبنة في بناء الرمز، حيث كل جملة تساهم في تحويل الشخصية من واقعية إلى كائن أسطوري.

بمعنى أن الشاعر اشتغل كمهندسٍ معمارّي، وعملية صياغة الجملة الشعرية عنده هي بمثابة نحت الحجارة وتجهيزها بدقة فائقة، أما اهتمامه بالمنظومة الشعرية فهو النظرة الإستراتيجية لشكل البناء النهائي وتماسكه. إنهما وجهان لعملية إبداعية واحدة تنتج في النهاية "النص الممتد والواحد".

الأنا - الآخر وطريقة المناجاة

في المجموعة، يشتغل الخالدي على معادلةٍ صوفيةٍ وفلسفيةٍ عميقةٍ في بناء التجربة الشعرية، فهو يناجي الآخر عبر الذات، وفي الوقت نفسه يتخذ من "الأنا" جسرًا وعبورًا تكويني للوصول إلى هذا الآخر وعولمته. بمعنى أدق، إن العملية الإبداعية لا تسير في اتجاهٍ واحد، بل هي حركةٍ بندوليةٍ ارتداديةٍ تبدأ من الذات، لتبحث عن الآخر، ثم تعود لتجد أن الآخر قد تماهى في الذات وأصبح جزءاً من كينونتها.

ويمكن تفصيل هذا الاشتغال التكويني من خلال نصوص المجموعة على النحو التالي:

1- مناجاة الآخر عبر مصفاة الذات، الذات كمرآة، فالشاعر لا يكتب عن الشخصية بوصفها كائنًا خارجيًا منفصلًا يرصده رصدًا موضوعيًا، بل هي مستبطنة داخل وجدانه. إنها غائبة في الواقع لكنها مهيمنة على الذات، ولذلك فإن مناجاته لها تمر دائمًا عبر عذاباته الشخصية، وسهده، وانكساراته في الحانات والأزقة:

"يئن فجأة وها أنا

في مقعدي قبل ثلاثين انقضت

من هؤلاء يا ترى"

فالحدث الخارجي المرتبط بالآخر/الذات الغائبة، لا يحدث في الفضاء الخارجي، بل يحدث داخل مقعد الشاعر وفي عمق ذاكرته. إنه يناجي طيفها الذي يطرق جدران ذاته من الداخل.

2- اشتغال التكوين بطريقة "الأنا" للوصول إلى الآخر. ونجد أن الشاعر يستخدم "الأنا" كمنطلقٍ تكوينيّ وتجريبي. فتجربة الفقد تجربة شخصية جداً، لكن الشاعر يرفض أن تظلّ هذه "الأنا" غارقةً في بكائيةٍ فرديةٍ ضيّقة. لذا، يشتغل لغويًّا وفنيًّا على تضخيم هذه الأنا وتحويل عاطفتها الفردية إلى فضاءٍ يتّسع للآخرين. وهذا يأتي كذلك من خلال تعدّد الأقنعة والأسماء، لكي تصل "الأنا" إلى "الآخر" المطلق، حيث يقوم بتجريد الحبيبة الواقعية ومنحها أسماء وهذا التعدّد هو اشتغال تكويني ذكي، كونه ينطلق من ذكرياته الشخصية ليصنع رمزًا كليًا يمثل "الآخر" في أبهى تجلياته الأسطورية. وهو ما يعني تحويل المعاناة الفردية إلى حالة جماعية، المكان الحالة النفسية النطق الداخلي، مشاركة الآخرين

3- التماهي والالتباس بين الأنا والآخر، حيث يصل الاشتغال التدويني ذروته عندما تذوب الحدود بين الشاعر/الأنا.. والشخصية/ الآخر، فتصبح المناجاة نوعًا من حوار الذات مع ذاتها بعد أن استدمجت الآخر داخلها.

" فأقمت مملكة لها لأكون سيدّها

وساكنها الوحيد"

هذا الادماج الوجودي يوضح أن مناجاة الآخر قد استهلكت كينونة "الأنا" بالكامل، فأصبح الشاعر لا يعرف إن كان يعبّر عن نفسه أم يعبّر عن طيفها الذي يسكنه.

بمعنى أن المجموعة هي مزيج عبقري بين الأمرين، هو ينطلق من "الأنا" ويشتغل عليها بصدق تجريبي وتكثيف سردي لكي لا يقع في التقريرية، ومن خلال هذه الأنا المنكسرة يمد خيوط لغته لـ"يناجي الآخر". لكنه في نهاية المطاف، يكشف لنا أن هذا الآخر، ليس سوى الوجه البديل لروح الشاعر نفسها، وهي تنتظر الانعتاق والخلود عبر قصيدة النثر الجديدة وكذلك التفعيلة

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

 من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟
اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:
قراءات

من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى:

اختفاء المترجمتين خلف اسم بثينة العيسى: من الفائز الحقيقي بجائزة «إنسايد» الأمريكية؟ حميد عقبي فازت النسخة الإنجليزية من رواية «حارس سطح العالم» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، الصادرة بعنوان «مكتبة رقيب الكتب»، بجائزة «إنسايد الأدبية» الأميركية لعام 2026. وقد اختارها نحو مئتي قارئ من نزلاء السجون…

· 6 د
الدكتور حامد الظالمي..

باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة
قراءات

الدكتور حامد الظالمي.. باحث يزرع شجرة في عمق المعرفة

إن دراسة تاريخ الأمة الحضاري بصورة عميقة وشاملة تتطلب البدء بدراسة تاريخ المدن التي أسهمت بنشأة تلك الحضارة لأنها كانت بمثابة المراكز التي نمت في داخلها بذور الحضارة وترعرعت على يد أبنائها قيمها وأشكالها المختلفة، فللمكان رائحة مثلما للبشر وللمكان المدينة والقرية والدربونة والزقاق جسد يمتد ويتسع…

· 10 د

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار 

قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين
قراءات

من أجل عالم متوازن ، انذارما قبل  الانهيار  قراءة في  (عالــم  زي ... زو) للأديب مهدي علي ازبين

رواية (عالم زي... زو) للاديب مهدي علي أزبين، صوت يناهض الواقع القائم في عصر محو القيم الإنسانية ، وموت المشاعر والأحاسيس التي تعبر عن روح الإسان ، بمعى آخر هو عالم قتل الروح الاإسانية ، وتحول دماغ الاإسان الى مجرد آلة بدون إحساس وشعور ... حيث يحضر الروبوت أكس كشخصية محورية في العالم الرقمي لحل…

· 4 د