انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

إضاءات في رواية (جزيرة السلام) لعبد الرحمان بولنوار

عبد الرحيم مفكير
عبد الرحيم مفكير

شاعر وأديب مغربي

7 دقائق للقراءة
51 مشاهدة
إضاءات في رواية (جزيرة السلام) لعبد الرحمان بولنوار
مشاركة:

المصطلح الأدبي الذي يُعنى بنشر قيم السلم، والتسامح، ونبذ العنف والحروب يُعرف بـ "أدب السلام" (Peace Literature).يُركز هذا النوع من الأدب على تفكيك الصراعات، وإبراز المعاناة الإنسانية الناتجة عن النزاعات، وتقديم الحوار والتفاهم كبدائل حتمية للحروب والدمار. ومن خصائصه أنسنة الآخر حيث  يسعى إلى تصوير "العدو" كإنسان يملك مشاعر وعائلة وآمال، مما يقلل من حدة الكراهية، وإدانة العنف وهنا  يركز على كشف بشاعة الحروب وآثارها النفسية والجسدية على الشعوب، بدلاً من تمجيد الانتصارات العسكرية، ويبحث عن المشترك وفيه يركز على القيم الإنسانية العالمية التي تجمع البشر بغض النظر عن عرقهم أو دينهم، كما يتطلع للمستقبل حيث يقدم رؤى تصالحية وحلولاً قائمة على العدالة والتعايش السلمي.

وتعد رواية " جزيرة السلام" إحدى الأعمال التي اهتمت بهذا الجنس الأدبي، وحاولت رسم معالم عالم السلم، وكشفت عن الوجه الكالح للعنف، والمدمر للبشرية، وإنسانية الإنسان.

إن أول ما يشد القارئ في رواية "  جزيرة السلام"  الجمع بين الجزيرة والسلام، وصورة الغلاف باعتبارها عتبة أولى ترسم معالم جزيرة من هندسة، حسن يارتي، بها أشجار مكسوة بالثلج الأبيض وطيور بيضاء ترمز إلى السلام تحلق حول الجزيرة. وفي تصورنا ومخيالنا الشعبي فالجزيرة، ترمز وتوحي في الوقت نفسه إلى الوحشة والعزلة والانفصال، ودموية القراصنة، وسكانها متوحشون؛ وبها كائنات غريبة... كما ترمز عند البعض إلى الهدوء، والتأمل، والسعادة، والبعد عن ضجيج المدينة، وهي سفر في الزمن نحو الصفاء والبراءة والفطرة، والتأمل، والهروب من

عالم استعرت فيه الحرب وكثرت مظاهر الإبادة التي تفاقمت لاسيما بعد الحرب الأوكرانية والسابع من أكتوبر، طوفان الأقصى، ومحاولة إحلال ومحو الفلسطينيين، وأهل غزة على الخصوص، مما يطرح شرعية سؤال إمكانية تمني " حياة السلم والسلام " في عالم بلا معالم.

تأتي رواية عبد الرحمن بولنوار لتفتح باب الأمل، وتمنحنا بصيص الأمل، وحقنا في الحلم بعالم يسوده السلم والأمن والأمان.

إضاءات في رواية (جزيرة السلام) لعبد الرحمان بولنوار

عبد الرحمان بولنوار الروائي:

 كاتب مغربي من مواليد ضواحي مدينة أرفود، يعمل أستاذا بالتعليم الثانوي، وعضوا في اتحاد كتاب الاتحاد العربي للثقافة، حاصل على شهادة الماستر في الأدب المغربي، ونال عدة جوائز وشواهد تقديرية في مسابقات وطنية.

صدر له في مجال السرد عدد من الأعمال، من بينها: بحر الظلمات (2025) ، رقصات الزنبقة (2026) ، موسم البلح (2026) ، إضافة إلى مشاركته في المجموعة القصصية المشتركة سطور الأمل 2025م.

حلم حائر:

إن رواية " جزيرة السلام " لعبد الرحمن بولنوار عمل مغر يشد القارئ إليه، من العتبة الأولى، العنوان، واسم صاحبه الأديب الحاصل على جائزة الرواية العربية.

" جزيرة السلام" صدرت عن منشورات الأطلس ، في طبعتها الأولى سنة 2026، تقع في 75 صفحة. قدم لها المؤلف وهو مما شق عليه.

الرواية، رحلة الأمل والشوق لعالم مختلف، وطمعا في مستقبل زاهر ، رحلة مراهق خرج مهاجرا من مسقط رأسه إلى دول أوروبا، ليذوق في طريقه من صنوف العذاب ما تنأى عن تحمله العصبة من أولي القوة والعزم، ليجد نفسه على تلك الجزيرة التي ما سمع باسمها، ولا ألف مثل أناسها في حياته، من هنا تبدأ الحكاية، وتدور الأحداث التي لا وجود لها في الواقع والحقيقة، وإن وجدت في مخيلة الكاتب. مقدمة الرواية ص 6.

إنها رواية طفل "حالم" متدمر وساخط على وضع لم يعد يتنفسه، غادر  أسرته وقريته مدفوعا بحلم الهجرة نحو الضفة الأخرى من البحر، حيث الحياة الرغيدة والعيشة الهنية، والمستقبل الزاهر، إلا أن الحلم تكسر على صخرة الحقيقة الموجعة، فصادف الخوف، وعاش التشرد والتهميش والإقصاء، وأحس بالغربة،  وأصيب باليأس، وقذفت به الأمواج العاتية  إلى “جزيرة السلام” ، ليتنفس الصعداء؛ حيث اكتشف مجتمعا يقوم على الاحترام والتضامن وقبول الآخر، فتتغير نظرته إلى الحياة والإنسان. وتتحول الجزيرة إلى رمز لعالم أكثر عدلا وإنسانية، تُصان فيه الكرامة البشرية وتسود فيه قيم التعايش بدل الصراع.

ومن خلال هذا الفضاء الرمزي، يطرح الكاتب أسئلة جوهرية حول مسؤولية الإنسان في إشعال الحروب، وقدرته في المقابل على بناء السلام وصناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

ومع عودة البطل إلى وطنه، تكتسب الأحداث أبعادا أكثر واقعية، إذ يجد نفسه أمام تحولات تمس الأسرة والمجتمع والبيئة، لتغدو تجربته مرآة تعكس معاناة الإنسان المعاصر بين الفقدان والأمل، وبين الألم والرغبة في التغيير.

إنه تصور الكاتب، وأمله في  عالم بدون حروب، عالم مثالي لا هم فيه ولا حزن، ولا لغو فيه ولا تأثيم، لا ظلم ولا زمهرير، وإنما مجتمع من "المدينة الفاضلة"، يرتبط أفراده برابط المحبة والإخاء قبل الحاجة إلى البنود والقوانين، عالم يعمه السلام، ويسوده الوئام ، إذ لا فرق فيه بين غني وفقير، ولا سلطة فيه لحاكم على محكوم إلا بما يخدم جماعتهم. مقدمة المؤلف ص 6.

جزيرة السلام التي عاش الناس فيها منزهين عن التباهي والأنانية والعنصرية ترابطوا على مواثيق، وأخذوا العهد على بنود تعاهدوا عليها فيما بينهم دون مواربة أو مراء، عهودا بدائية . بسيطة . كانت كفيلة باجتماعهم على الضراء قبل السراء، يتقاسمون ما يصلهم من لقيمات العيش بالتساوي حتى لو كانت قيرا أو قطميرا.

عاش الناس في مجتمعهم . البدائي، سواسية كأسنان المشط لا فضل فيها لمحلي على غريب، ولا لذكر على أنثى، ولا لكبير على صغير إلا بما يخدم المجموعة بالخير والنفع العميم. مقدمة المؤلف ص 6\7.

إنسانية مثالية كونوها من اثني عشرة بندا، تواضعوا عليها طواعية لا مكرهين، فكانت لهم كمالا وجمالا، ونظاما وحكما، اعتبروها كتابهم المقدس، ودستور حياتهم وناظم علاقاتهم العامة، والضامن للحقوق والواجبات، وتجاوزها أو المساس بها يعني الضياع والخسران المبين، الخسارة التي ستزيل مجتمعهم من على الوجود. مقدمة المؤلف ص 7.

نهاية مأساوية:

ما حدث لحالم لم يكن في الحسبان، ارتمى في قرية بثوب الموت، فما أن وطئت قدماه تراب " مدينة القراصنة" " سلا"، حتى تلقفته أراضيها بما لم يخطر على حسبانه، ولا حسب له حساب ... حيث صادف جماعة من المتسكعين المخمورين، الذين جردوه مما يملك،... وقذفوا به نحو المجهول، ودفعوه للتسول ليحصل على ثمن التذكرة للانتقال من العاصمة إلى مسقط رأسه.

"حالم" أطل على مسقط رأسه فلا القرية قرية؛ ولا أهلها أهلها، أصيب والده بحالة مرضية، حزنا على فراق ولديه، أفضت به إلى الموت، واكفهرت السماء، وضاقت " بحيرة الغيث" بزوارها، وحدها أمه، التي ابيضت عيناها من الحزن، عن فراق الزوج وفلدتي كبدها، من احتضنته، وانهمرت دموعها فرحا بولدها" حالم" ورجع لها بصرها.... فأخذت عليه ميثاق غليظا أن لا يهجرها، عمل بالبيضاء، تزوج، انحرف ابنه، "المصائب لا تأتي فرادى" ... قرر الرجوع إلى " جزيرة السلام" تذكر وعده لأمه، شاخ، خارت قواه، أخذ منه الزمن، اشتعل رأسه شيبا، داسه الأجل المحتوم، ارتقت روحه، استراح من عالم مظلم.

مضامين الرواية:

لقد تمت صياغة هذه الرواية بعد  المقدمة، في خمسة فصول جاءت عناوينها على الشكل التالي: بلد الأحلام، السجن، جزيرة السلام،  الروتين اليومي،  القرية بثوب الموت، وخاتمة، كل فصل تضمن أحداثا، ترتبط ارتباطا بمن قبلها وبما بعدها، وتختلف بعض الاختلاف طولا وقصرا، وعلى القدر الذي سمح به المقام والمقال واتسع له الكتاب في سرد الوقائع والمواقف، وربما تجاوزت بأسلوب  الكاتب حكي القصة إلى أسلوب حياة، ذلك الأسلوب الذي لا ينتبه إلا نفسه، لتنقل مقترحا يستحق النشر والمشاركة مع القائ الأريب، لعله يكون طريقا إلى سلام يعم أرجاء المعمور. مقدمة المؤلف ص 7\8.

إن ما يميز الرواية، هو بعدها التربوي والإنساني، حيث لا تقتصر على سرد الوقائع، بل تسعى إلى ترسيخ قيم التسامح والتكافل واحترام الإنسان، مؤكدة أن السلام الحقيقي يُبنى بالوعي المشترك والإيمان بحق الجميع في العيش الكريم.

خلاصة:

إن الإنسانية اليوم في حاجة  إلى القليل من الصبر والحكمة، لأنهما كفيلان بجعل العالم يعيش بسلام، ففي مرات نجد الثروات والخيرات هنا وهناك ، ولكن رغم ذلك تجد حروبا طاحنة، إلى درجة يترك الناس القصور، بقتالهم؛ ويصيرون إلى القبور بمحض إرادتهم وكامل عقلهم، وقد تركوا الأقوات والأرزاق وراءهم ظهرياً.

ألا ما أحوجنا اليوم إلى جزر السلام، لا جزر الشياطين والعذاب المبين، جزر يعم فيها الأمان، وينتشر الاطمئنان، وإنا لفي أشد حاجة إلى سلام يجمع البشرية كل البشر، ....

.....ألم يأتي لهذه البشرية أن تحقن دماء الأبرياء من الأطفال والرضع والنساء لتنام مطمئنة البال قريرة العين؟ وكم يلزمها من هيروشيما، غزة، حلب، الموصل، وارسو، برلين....، لتكف عن فعلها العدواني ضد البشر والشجر والحجر ؟! كم وكم من "كاف" و"ميم" لنكون إنسانيين، ونتوقف عن سباق التسلح، ذلك (الماراثون) الذي بدأ في العقود المنصرمة ولم يحدد نقطة وصوله ولا تاريخ نهايته ؟! ....

وإذا كان الأدب روح الأمة الإنسانية ولسانها، الذي تعكس هويتها وتعبر به من خلاله عن روحها، فإن الأمن والسلام هما حياتها فعلية ومستقرها القرير الذى لا يمكنها الاستغناء عنه أو العيش من دونه. خاتمة الرواية ص 72\74.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٥١ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد
قراءات

التحول السردي و تفكيك الأسطورة في عالم الأديب محمد فيض خالد

.... بقلم / __________________ عن (بقعة ضوء فوق جدار معتم تراب الحكايات) "ظلّ ذلك الصندوق الخشبي الكبير موضع شغفه، شغلت به نفسه، ثبت في خاطره أن العالم استقر في جوفه، البشر، الحكايات، الأغاني، الأنغام الشجية التي يميل على وقعها الأنفار في الحقول بين شجيرات القطن، تراه.......... " ليأخذناالكاتب فر…

· 3 د
بين رخام التمثال وخرير النهر: 

قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي
قراءات

بين رخام التمثال وخرير النهر: قراءة نقدية في «أنشودة الحجر» للشاعرة علياء المالكي

تقف الشاعرة علياء المالكي على منصة قاعة الجواهري في اتحاد الأدباء، لا لكي تسرد نصاً عابراً في مدونة الشعر المعاصر، بل لتمارس طقساً حوارياً يستحضر أرواح الرواد، معلنةً منذ اللحظة الأولى أنها جاءت لتحاور رائد الشعر الحر بدر شاكر السياب في زخات مطره، وتستأذن الحاضرين لتتلو «أنشودة الحجر». إنها ليست…

· 5 د
قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟
قراءات

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟

قراءة نقدية: هل يُحاكم الشعر بالأخلاق أَمْ بالفن؟ بغداد- حمدي العطار ليس الشعر مجرد كلمات موزونة أو قوافٍ متناسقة، بل هو أحد أعمق أشكال التعبير عن التجربة الإنسانية، بما تنطوي عليه من أحلام ومخاوف وتناقضات وأسئلة وجودية، ومن هنا فإن الحكم على الشعراء لا يتوقف عند مضمون قصائدهم أو مدى توافقها مع…

· 9 د