انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

موت القصيدة في جسد الأغنية: كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟

عبد المجيد عبوبي
عبد المجيد عبوبي

شاعر وأديب مغربي

3 دقائق للقراءة
23 مشاهدة
موت القصيدة في جسد الأغنية: كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟
مشاركة:

الأغنيةُ العربيةُ لم تخلق من فراغ، بل وُلدت من رحمِ القصيدة، حين كان العربيُّ يقولُ «أنشدني شعرًا» لا «ألقِ عليَّ كلامًا». كانت الكلمةُ جسدًا، واللحنُ روحًا، والنهرُ شاهدًا على الحنين. أما اليوم، فقد صارت الأغنيةُ جسدًا بلا روح، ونغمةً بلا كلمة، وصوتًا بلا ذاكرة.

النهرُ ينبوعُ الصوتِ والذاكرة

على ضفافِ الفراتِ، حيثُ القصبُ يميلُ مع الريح، وُلدَ الموالُ العراقيُّ نشيدَ جرحٍ وفراق. النهرُ يشطرُ الأرضَ والأحبة، والصوتُ ينوحُ كعابرٍ في مركبٍ صغير. وعلى ضفافِ النيل، حيثُ الحضارةُ تتنفسُ الماء، غنَّت أمُّ كلثومَ «النيلَ» قصيدةَ خلود، فصارت الأغنيةُ نهرًا يسري في شرايينِ الذاكرة. وفي المغرب، حيثُ ينبعُ أمُّ الربيعِ من جبالِ الأطلس، صارت العيطةُ طقسَ ماءٍ وخصوبة، والنهرُ حدودًا بين الإمارتين، وذاكرةً للقبائلِ والاحتفال.

ثلاثةُ أنهار، وثلاثةُ أصوات، وحنينٌ واحد: صوتُ الروحِ المشتاقةِ إلى الأصل.

النايُ أنينُ الغابِ وصرخةُ الروح

النايُ ليس آلةً من قصبٍ مجوف، بل هو غابٌ قُطعَ من نهره، ونُفخَ فيه نَفَسُ العازفِ فبكى. في التصوفِ، النايُ نفسٌ بشريةٌ فُصلت عن أصلها الإلهي، فظلت تبكي شوقًا إلى الغاب. في المجالسِ العربية، النايُ طقسُ أنينٍ جماعي، يفتحُ بابَ البكاءِ والبوح، ويوحِّدُ الحضورَ في تجربةِ جرحٍ واحد.

العراقيُ يعزفُ نايَه حزنًا على الحروب، والمصريُّ يعزفُ نايَه طربًا على الحب، والمغربيُّ يعزفُ نايَه ذكرًا في الزوايا. لكن الصوتَ واحد: أنينُ الروحِ التي تُقطعت من غابها.

الموالُ صوتُ الجرحِ المشترك

الموالُ ليس زينةً صوتية، بل هو طقسُ وجع. «يا ليلُ يا عين» ليست عبارةً عابرة، بل هي مفتاحُ فضاءِ الأنين. في بغداد، الموالُ البغداديُ والسبعاويُ رثاءٌ للحروب والنزوح. في القاهرة، الموالُ المصريُّ تمهيدٌ للمطربِ ليظهرَ قدرتهُ قبلَ الأغنية. في فاس ومراكش، الموالُ الشعبيُّ طقسُ احتفالٍ وشكوى من الزمان.

لكن البنيةَ واحدة: شكوى من غدرِ الخلان، وحنينٌ إلى شخصٍ أو مكان، وصوتٌ يحوِّلُ الألمَ الفرديَّ إلى سرْدٍ جمعي.

القصيدةُ حين كانتْ هويةً

في العصورِ الذهبية، كانت القصيدةُ الفصحى عمودَ الأغنيةِ الفقري. أحمدُ شوقي يغني للنيل، والبابطينُ يغني للخليج، وناظمُ الغزالي يغني للفرات. كانت الأغنيةُ شعرًا يُتنفَّس، وذاكرةً تُغنَّى، وجسرًا بين النخبةِ والشارع.

أما اليوم، فقد صارت الأغنيةُ «واوا» و«مهرجان». لغةٌ استهلاكيةٌ سريعةُ الزوال، وصيغٌ كلاميةٌ جاهزة، لا شعرَ عميقَ البنية، ولا ذاكرةَ جمعية. الفصحى تضمر، والعاميةُ تفيض، والقصيدةُ تموتُ في جسدِ الأغنية.

خاتمة: هل من عودةٍ للروح؟

الأغنيةُ العربيةُ ليست مجردَ لحنٍ عابر، بل هي شعرٌ يُتنفَّس، وذاكرةٌ تُغنَّى، وجسرٌ بين الفردِ والجماعة. حين تعودُ القصيدةُ إلى الأغنية، يعودُ العربيُّ إلى لغتهِ وهويتِه. وحين تموتُ القصيدةُ في جسدِ الأغنية، يموتُ الحنينُ مع النهر، ويبقى الصوتُ بلا صدى.

فهل من عودةٍ للنايِ أنينًا، والنهرِ ذاكرةً، والقصيدةِ هوية؟ أم صرنا نغني اغترابَنا بلا لحنٍ ولا كلمة؟

مشاركة:

آخر تحديث: ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٠٩ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

وجوهٌ على تخوم التشكّل.

 قراءة فنية في لوحة الفنان التشكيلي صبري يوسف
فنون

وجوهٌ على تخوم التشكّل.  قراءة فنية في لوحة الفنان التشكيلي صبري يوسف

مقدمة يمثل الوجه الإنساني منذ بدايات الرسم أحد أكثر العناصر قدرة على اختزال الحضور البشري والكشف عن طبقاته الخفية. فالوجه ملامح خارجية ومساحة تتجاور فيها الهوية والذاكرة والانفعال، ويقرأ المتلقي في اتجاه النظر وانحناءة الفم ما يتجاوز الوصف المباشر. لذلك أصبح رسم الوجوه مجالًا فنيًا لاختبار العلاقة…

· 10 د
ثقافي
فنون

الفنانة الدكتورة عربية الغريبي: أعمال فنية جديدة و كتاب علمي ومشاركات و معرض شخصي للموسم الثقافي الجديد...

ضمن أنشطة الفنانة الدكتورة عربية الغريبي: أعمال فنية جديدة و كتاب علمي ومشاركات و معرض شخصي للموسم الثقافي الجديد... شمس الدين العوني الفنانة التشكيلية و الباحثة الدكتورة عربية مصلي الغريبي تواصل نشاطها ضمن العلاقة بالفن التشكيلي في سياقات جامعة بين الابداعي و الأكاديمي العلمي حيث تستعد هذه الأيام…

· 3 د
أنسنة الكرسي في مفهوم أمير الخطيب و تهويمات  خطوط علي النجار
فنون

أنسنة الكرسي في مفهوم أمير الخطيب و تهويمات  خطوط علي النجار

في السرد والشعر، دأبنا على أنسنة الأشياء والأحياء؛ وتُعدّ رواية " منطق الطير " للنيسابوري العطار و نسختها الغربية "مزرعة الحيوان" لجورج أورويل نموذجًا بارزًا. ولكن ماذا لو انتقلت هذه الفكرة إلى الفن، ولا سيما الفن المفاهيمي؟ في المعرض المفاهيمي للفنان أمير الخطيب في هلسنكي و تجولنا كلنا رغبة في…

· 3 د