انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

موت القصيدة في جسد الأغنية: كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟

عبد المجيد عبوبي
عبد المجيد عبوبي

شاعر وأديب مغربي

3 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
موت القصيدة في جسد الأغنية: كيف خانت النغمةُ الكلمةَ في المشرق والمغرب؟
مشاركة:

الأغنيةُ العربيةُ لم تخلق من فراغ، بل وُلدت من رحمِ القصيدة، حين كان العربيُّ يقولُ «أنشدني شعرًا» لا «ألقِ عليَّ كلامًا». كانت الكلمةُ جسدًا، واللحنُ روحًا، والنهرُ شاهدًا على الحنين. أما اليوم، فقد صارت الأغنيةُ جسدًا بلا روح، ونغمةً بلا كلمة، وصوتًا بلا ذاكرة.

النهرُ ينبوعُ الصوتِ والذاكرة

على ضفافِ الفراتِ، حيثُ القصبُ يميلُ مع الريح، وُلدَ الموالُ العراقيُّ نشيدَ جرحٍ وفراق. النهرُ يشطرُ الأرضَ والأحبة، والصوتُ ينوحُ كعابرٍ في مركبٍ صغير. وعلى ضفافِ النيل، حيثُ الحضارةُ تتنفسُ الماء، غنَّت أمُّ كلثومَ «النيلَ» قصيدةَ خلود، فصارت الأغنيةُ نهرًا يسري في شرايينِ الذاكرة. وفي المغرب، حيثُ ينبعُ أمُّ الربيعِ من جبالِ الأطلس، صارت العيطةُ طقسَ ماءٍ وخصوبة، والنهرُ حدودًا بين الإمارتين، وذاكرةً للقبائلِ والاحتفال.

ثلاثةُ أنهار، وثلاثةُ أصوات، وحنينٌ واحد: صوتُ الروحِ المشتاقةِ إلى الأصل.

النايُ أنينُ الغابِ وصرخةُ الروح

النايُ ليس آلةً من قصبٍ مجوف، بل هو غابٌ قُطعَ من نهره، ونُفخَ فيه نَفَسُ العازفِ فبكى. في التصوفِ، النايُ نفسٌ بشريةٌ فُصلت عن أصلها الإلهي، فظلت تبكي شوقًا إلى الغاب. في المجالسِ العربية، النايُ طقسُ أنينٍ جماعي، يفتحُ بابَ البكاءِ والبوح، ويوحِّدُ الحضورَ في تجربةِ جرحٍ واحد.

العراقيُ يعزفُ نايَه حزنًا على الحروب، والمصريُّ يعزفُ نايَه طربًا على الحب، والمغربيُّ يعزفُ نايَه ذكرًا في الزوايا. لكن الصوتَ واحد: أنينُ الروحِ التي تُقطعت من غابها.

الموالُ صوتُ الجرحِ المشترك

الموالُ ليس زينةً صوتية، بل هو طقسُ وجع. «يا ليلُ يا عين» ليست عبارةً عابرة، بل هي مفتاحُ فضاءِ الأنين. في بغداد، الموالُ البغداديُ والسبعاويُ رثاءٌ للحروب والنزوح. في القاهرة، الموالُ المصريُّ تمهيدٌ للمطربِ ليظهرَ قدرتهُ قبلَ الأغنية. في فاس ومراكش، الموالُ الشعبيُّ طقسُ احتفالٍ وشكوى من الزمان.

لكن البنيةَ واحدة: شكوى من غدرِ الخلان، وحنينٌ إلى شخصٍ أو مكان، وصوتٌ يحوِّلُ الألمَ الفرديَّ إلى سرْدٍ جمعي.

القصيدةُ حين كانتْ هويةً

في العصورِ الذهبية، كانت القصيدةُ الفصحى عمودَ الأغنيةِ الفقري. أحمدُ شوقي يغني للنيل، والبابطينُ يغني للخليج، وناظمُ الغزالي يغني للفرات. كانت الأغنيةُ شعرًا يُتنفَّس، وذاكرةً تُغنَّى، وجسرًا بين النخبةِ والشارع.

أما اليوم، فقد صارت الأغنيةُ «واوا» و«مهرجان». لغةٌ استهلاكيةٌ سريعةُ الزوال، وصيغٌ كلاميةٌ جاهزة، لا شعرَ عميقَ البنية، ولا ذاكرةَ جمعية. الفصحى تضمر، والعاميةُ تفيض، والقصيدةُ تموتُ في جسدِ الأغنية.

خاتمة: هل من عودةٍ للروح؟

الأغنيةُ العربيةُ ليست مجردَ لحنٍ عابر، بل هي شعرٌ يُتنفَّس، وذاكرةٌ تُغنَّى، وجسرٌ بين الفردِ والجماعة. حين تعودُ القصيدةُ إلى الأغنية، يعودُ العربيُّ إلى لغتهِ وهويتِه. وحين تموتُ القصيدةُ في جسدِ الأغنية، يموتُ الحنينُ مع النهر، ويبقى الصوتُ بلا صدى.

فهل من عودةٍ للنايِ أنينًا، والنهرِ ذاكرةً، والقصيدةِ هوية؟ أم صرنا نغني اغترابَنا بلا لحنٍ ولا كلمة؟

مشاركة:

آخر تحديث: ١٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٢:٠٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: 
مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي
فنون

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي

رقصة الحقفة الزرنوقية من تهامة اليمن: مسرح تشاركي شعبي يقاوم الاندثار حميد عقبي كنت اشاهد فيديو عن رقصة جماعية تؤديها فرقة زرانيق بيت الفقيه في تهامة اليمن والتي ربطتني بها علاقة جيدة قبل سفري إلى فرنسا. تسمى الرقصة «الحقفة»، وهي واحدة من رقصات تهامية كثيرة تقوم على التماسك بين أجساد الراقصين…

· 6 د
لوحة تجليات الداخل للفنانة السورية احلام الجراش
فنون

لوحة تجليات الداخل للفنانة السورية احلام الجراش

تعكس اللوحة حالة من الهشاشة والقوة في آن واحد؛ فالملامح المتموجة والخطوط الحادة توحي بآثار الزمن أو التجارب القاسية التي تصقل الروح، بينما تعبر الإغماضة عن الانكفاء على الذات والهروب نحو الداخل. والألوان المستخدمة في اللوحة البني والبيج وهي الوان ترابية تعكس على الانتماء والارتباط بالأرض والاستقرار…

· 1 د
لوحة حنين عباس: ذاكرة الماكينة.. خيوط وحنين
فنون

لوحة حنين عباس: ذاكرة الماكينة.. خيوط وحنين

تتحرك الفنانة حنين عباس بين الذاكرة والهوية، محملةً فضاء لوحتها التعبيرية والسريالية الرمزية بعواطف مشحونة؛ فهي تطرز الفضاء البصري بقصص وحكايات الأمس، والفقد، والحنين إلى الماضي المقدس، بعد أن غادرت تلك الأجواء وخزنتها الذاكرة كمتحف مهاجر ومتنقل من أرض إلى أرض دون أن يفقد قدسيته. وظفت حنين عباس…

· 1 د