(نادي القراءة السري في كابول) ، فيلم وثائقي أعاد إلى ذهني أجواء رواية (الطائرة الورقية) للكاتب (خالد حسيني) ، خصوصًا في مشاهده التي تظهر أطفال كابول وهم يطلقون الطائرات الورقية في السماء. بدا واضحًا أن الروائية والمخرجة الفنلندية الصديقة (ايلينا هيرفونين) أرادت استحضار هذا الإرث البصري والوجداني للربط بين الأدب والسينما، وبين الذاكرة الفردية والمأساة الجماعية.الفيلم من إخراج إلينا هيرفونن من فنلندا، والمخرجة الأفغانية (شكيبة عديل) ، ويتابع حياة ثلاث فتيات أفغانيات يعشن في كابول بعد عودة طالبان إلى السلطة. تحلم إحداهن بأن تصبح أول رئيسة لأفغانستان، بينما تطمح الثانية إلى أن تكون كاتبة عالمية، أما الثالثة فتحلم بمستقبل رياضي والفوز بالبطولات، ونراهن يمارسن الرياضة والقراءة سرًا، فيما تقرر عائلاتهم تزويجهن قبل بلوغ الثامنة عشرة.
تعتمد البنية السردية للفيلم على تسجيلات يومية ترسلها الفتيات عبر تطبيق واتساب إلى المخرجة شكيبة عديل، حيث يوثّقن تفاصيل حياتهن اليومية تحت حكم طالبان: الخوف، والعزلة، وإغلاق أبواب التعليم والعمل أمام النساء. وفي الوقت نفسه يواصلن سرًا مشروع القراءة الجماعية لكتاب يوميات آن فرانك، ويتعلمن داخل المنازل بعيدًا عن أعين رجال طالبان المتشددين. ويوثق الفيلم شهادات حية ويومية، أشبه بالمذكرات، عن التهديدات التي تتعرض لها النساء، والتي تصل في بعض المشاهد إلى التلويح بالعنف الجنسي. ينتهي الفيلم بتفرّق الفتيات الثلاث وهروبهن إلى دول مختلفة؛ إيران وباكستان وألمانيا، من دون أن يمنح المشاهد خاتمة نهائية أو يقينًا بشأن مصيرهن، وكأن المخرجتين تتعمدان ترك الحكاية مفتوحة، مثل واقع أفغانستان نفسه. تكمن قوة الفيلم في بساطته وصدقه البصري. فالكاميرا المهتزة، والتصوير عبر الهواتف المحمولة، والأصوات المرتبكة أو غير الواضحة أحيانًا، كلها عناصر لم تُضعف العمل، بل زادت من واقعيته ومنحت المشاهد إحساسًا دائمًا بالخطر والترقب. نسمع طرقات الأبواب، ونرى الخوف من شرطة الأمر بالمعروف التابعة لطالبان، ونتابع لحظات التوتر حين تُصوَّر المشاهد سرًا داخل البيوت والشوارع.

كما تشارك (شكيبة عديل) بصوتها في السرد، متحدثة عن طفولتها في كابول، وعن تجربتها بوصفها أول امرأة تظهر على شاشة التلفزيون الأفغاني، قبل أن تضطر إلى مغادرة البلاد نهائيًا بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، عقب الانسحاب الأميركي من أفغانستان.
ففي 30 أغسطس/آب 2021، غادرت آخر طائرة عسكرية أميركية مطار كابول. ونشاهد لقطات صوّرتها شكيبة من داخل أفغانستان في تلك اللحظات الحاسمة، وهي تحاول اللحاق، مع أفراد عائلتها، بإحدى الطائرات الفنلندية التي ربما كانت الرحلة الأخيرة قبل إغلاق مطار كابول من قبل طالبان.
ويعرض الفيلم مقارنة مؤلمة بين صور النساء الأفغانيات في سبعينيات القرن العشرين، حين كن يعملن ويدرسن ويرتدين ملابس عصرية، وبين واقع النساء اليوم تحت حكم طالبان، مع لقطات أرشيفية صادمة توثق الجلد والإعدامات العلنية في الشوارع. هذا المزج بين الماضي والحاضر يمنح الفيلم بعدًا تاريخيًا يتجاوز الحكاية الفردية للفتيات الثلاث.
فنيًا، ينجح الفيلم في خلق حالة إنسانية مؤثرة، أكثر من اعتماده على البناء الدرامي التقليدي. قوته الأساسية تكمن في قربه من الشخصيات، وفي منح الفتيات مساحة للكلام والحلم، بدل الاكتفاء بعرض معاناتهن. وربما لهذا السبب وصفته مجلة POV Magazine بأنه “مؤثر وقوي إنسانيًا”، مشيدة بطريقة الربط بين يوميات آن فرانك وحياة الفتيات الأفغانيات تحت حكم طالبان اليوم. في المقابل، رأى بعض النقاد أن “نادي القراءة” نفسه لم يكن دائمًا المحور الدرامي الأقوى في الفيلم، وأن العلاقة بين الشخصيات الثلاث لم تُمنح العمق الدرامي الكافي، إلا أن ذلك لا ينتقص من القيمة الإنسانية والسياسية للعمل.وقد حاز الفيلم اهتمامًا واسعًا بعد عرضه الأول في مهرجا CPH:DOX، وفوزه بجائزة NORDIC:DOX، ليكرّس مكانته واحدًا من أبرز الأفلام الوثائقية الإنسانية والسياسية لهذا العام.







التعليقات