عندما رأى القائمون القدامى على الكنيس ذلك الفتى النحيل، كانوا على يقين من أن خطأً قد حدث، وتساءلوا: ماذا سيفعلون الآن من دون حَزّان يقود صلاة يوم الغفران؟ لكن عندما فتح داود فمه وبدأ يغني بنطق عراقي واضح وثقيل، اطمأنوا. كانت روحًا قديمة تسكن جسدًا شابًا.
منذ عشرين عامًا، يعمل الحاخام العراقي داود مناحيم، كمنشدديني وموسيقي ومعلم، ينشط من أجل إحياء تقاليد الحَزّانوت والغناء الديني القديم لدى يهود بابل، إلى جانب التقليد السفاردي المقدسي الذي تشربه منذ طفولته من والده وجده. وهذه هي قصته.
في عام 1991، وخلال حرب الخليج، انتقل الجد، المعلم الكبير جورجي يائير، للإقامة في بيت والدي داود مناحيم، في حي «مكور باروخ» في القدس. وكان الجد جورجي يستيقظ كل ليلة عند منتصف الليل لأداء «تيكون حتصوت» — صلاة منتصف الليل — ثم ينشد المزامير والبيوطات حتى طلوع الفجر.
وفي إحدى الليالي، استيقظ داود، وكان في الحادية عشرة من عمره، وطلب أن ينضم إليه. تحولت تلك الأسابيع من الغناء الليلي المشترك مع جده إلى مرحلة تأسيسية حاسمة في حياته وبفضل تعاليم الجد والليالي الروحانية أصبح اليوم من أبرز الشخصيات في حركة إحياء البيوط العبري.
ولد داود مناحيم، ال في القدس، وهو اليوم معلم ومغني وحزان في جماعة «أوريئيل» في مفسيرت تسيون، وأحد أهم المنشدين الدينيين ، ينحدر من عائلة من الحزّانين والمنشدين الذين حملوا تقاليد يهود بابل – العراق. وكان جده، المعلم جورجي يائير، واحدًا من كبار الحزّانين لدى يهود العراق في القرن العشرين. ومن المناسب هنا الإشارة أيضًا إلى ما قاله لي في رسالة صوتية بأنه تعلم أيضًا على يد معلم وحزان يمني وأنه قريب ومتواصل مع البيوط اليمني ونود الإشارة كذلك إلى حفيد مشهور آخر للحاخام جورجي، هو المنشد والموسيقي الكبير موشيه حبوشا.
من المهم جدًا التذكير بأهمية يهود بابل وتُعد واحدة من أقدم الجماعات اليهودية وأكثرها أهمية في التاريخ اليهودي. فهي الجماعة التي أنتجت التلمود البابلي، وكانت مركزًا للقيادة الروحية طوال آلاف السنين من المنفى. ولذلك فإن تقاليد البيوط والصلاة لدى جماعة بهذا القِدم تشكل نسيجًا فنيًا بالغ التعقيد، يتكون من طبقات كثيرة ومتراكمة.
يقول داود: «الأساس الأهم، كما ورّثنا إياه جدنا، هو القدرة على القراءة وفق أنغام وعلامات التلاوة التوراتية. ولا نتحدث هنا فقط عن قراءة التوراة والهَفطاراه المعروفة لنا من مراسم البار ميتسفا. فلكل واحدة من اللفائف الخمس، أستير والمراثي وراعوث والجامعة ونشيد الأنشاد، أنغامها الخاصة، كما توجد عدة أنواع من أنغام التلاوة الخاصة بالمزامير، وسفر أيوب، وسفر الأمثال».
ومن هذه القاعدة تتراكم طبقات أخرى كثيرة من المعرفة، وصيغ الصلاة، والبيوطات، وغير ذلك. ومع ذلك، يمكن تحديد بعض المحطات الأساسية، وربما تبدأ أولى هذه المحطات من مزمور التهاليم: «على أنهار بابل، هناك جلسنا وبكينا أيضًا».
لقد تحول البكاء على المنفى إلى طقس، وكان «تيكون حتصوت» — صلاة أو طقس منتصف الليل — أحد أبرز أشكاله. وهو تقليد لدى القباليين والمتصوفة اليهود يقوم على الاستيقاظ في منتصف الليل والرثاء على منفى الشخيناه، أي الحضور الإلهي. ويجمع هذا الطقس بين مزامير من سفر التهاليم، ومقاطع من كتاب الزوهار، وصلوات وبيوطات تحاول إضاءة ليل المنفى المظلم.
وقد ترسخ هذا التقليد بعمق شديد، إلى درجة أنه حتى بعد الهجرة في القرن العشرين، واصل بعض الأشخاص المميزين المحافظة عليه، وكان الجد جورجي يائير من بينهم، إذ كان يستيقظ كل ليلة لأداء «تيكون حتصوت». وكأن في ذلك محاولة للحفاظ على نوع من الصفاء والبساطة الروحية، وعلى علاقة حميمة مع الشخيناه التي لم تجد بعد مكانها في الهيكل.
ولدى يهود بابل حتى تسمية خاصة لهذا النوع من الأداء الصوتي، وهي «كول بوخيم»، أي «صوت البكاء». والمقصود حزّان يمتلك نوعًا من التعبير الصوتي القادر على جعل الجمهور يبكي. وكان الجد جورجي معروفًا، من بين أمور أخرى، بهذه القدرة الخاصة التي امتلكها، والتي كانت تكاد تشبه السحر في تأثيرها في مستمعيه ودفعهم إلى ذرف الدموع.
أما داود عندما كان شابًا، فقد تشرب من جده هذه القدرة أيضًا. وفي المرة الأولى التي أُرسل فيها ليكون حزّانًا خلال «الأيام المهيبة» في إحدى القرى التعاونية التي يسكنها يهود من أصول بابلية، كان في السادسة عشرة من عمره. وعندما رأى المسؤولون القدامى عن الكنيس ذلك الفتى النحيل، كانوا مقتنعين بأن خطأ قد حدث، وتساءلوا عمّا سيفعلونه الآن من دون حزّان يقود صلاة يوم الغفران.
لكن عندما فتح داود فمه وبدأ يغني بنطق عراقي واضح وثقيل، هدأوا واطمأنوا.
روح قديمة في جسد شاب.
لكن جمال الغناء وجودته لا يقتصران على البكاء وحده. إذ يُقال إن من يعرف كيف يبكي بصدق، يعرف أيضًا كيف يضحك ويفرح. وفي كتاب البيوط الخاص بيهود بابل، يحتل القسم المخصص لأناشيد الأفراح، ولا سيما أناشيد الأعراس، مساحة واسعة بشكل خاص. وقد عقد الحاخام جورجي قران أكثر من ستة آلاف زوج! وهذا ليس رقمًا يُذكر جزافًا، فكل شيء مكتوب وموثق في سجل محفوظ لدى داود.
ومنذ عشرين عامًا، يعمل الفنان داود، بكونه منشدًا وموسيقيًا ومعلّمًا، على إحياء تقاليد الحَزّانوت والغناء القديمة لدى يهود بابل، إلى جانب التقليد السفاردي المقدسي الذي تشربه منذ طفولته.
يقول داود: «كان أبي لا يريد إطلاقًا أن أصبح موسيقيًا. وعلى خلاف إخوتي الذين تعلموا العزف منذ سن مبكرة، لم يرسلني أبي لتعلم الموسيقى، لأنه كان يريدني أن أصبح معلمًا وحزانًا».
لكن داود تعلم الموسيقى بنفسه. بدأ أولًا بالعزف على الطبل، ثم تعلم العزف على الناي وآلات أخرى، والأهم من ذلك كله أنه تعلم الغناء.
ومن بين أنشطته أيضًا أنه درّس وتعاون مع عدد كبير من المغنين والفنانين في عالم الموسيقى الشعبية . ويقول داود: «لو كان جدي يسمع البيوطات بالطريقة التي يغنونها بها اليوم، فمن المحتمل أنه لم يكن سيتعرف إليها أصلًا»...
ولا شك في أن الواقع في المجتمع العبري اليوم يتغيّر بصورة جذرية فطريقة انتقال هذا التراث من جيل إلى آخر. فالإطار المجتمعي المغلق يكاد لا يكون موجودًا اليوم، كما أخذت جماعات يهود بابل تتفرق وتتوزع، وأصبحت تقاليد الغناء القديمة تتراجع وتختفي تدريجيًا.
وفي المقابل، حدث اللقاء مع المجتمع العبري الأوسع، وخرج البيوط من حدود الطائفة. ويبدو أن فيه سرًا يمنحه القدرة على عبور الحدود والوصول إلى جماعات وبيئات مختلفة، لكن لهذا التحول ثمنه أيضًا، إذ تختفي معه بعض الخصائص والسمات الفنية والتراثية.
من المهم جدًا أن نشير أن داود منفتح على كل الأنواع الموسيقية ونجد له فيديوهات على فيسبوك يغني مع عازف جيتار ويغني بالعراقية وله الكثير من الأغاني نجدها على يوتيوب ويشارك في فعاليات فنية وله علاقات جيدة مع الطوائف والجماعات اليهودية وخاصة يهود اليمن٠
اعتمدت على تقرير نشر عن داود مناحيم فيلمًا وثائقيٌا خلال ورشة أُقيمت ضمن مهرجان «بسود كولوت رابيم» في المكتبة بعام 2023. ومن هناك، يأخذنا داود في رحلة شخصية تعبر الأجيال، وسط الأماكن والمشاهد التي عرفها في طفولته. ويتحدث عن الموسيقى والأصوات التي شكّلت «المسار الصوتي» لحياته ورافقته عبر السنين، وعن الطابع الفريد للتقاليد البابلية، وعن التحديات التي تواجه استمرار هذا التراث القديم وانتقاله إلى الأجيال الجديدة داخل الثقافة العبرية المعاصرة.
وعلى امتداد هذا الفيلم، ينسج اداود بين حديثه مجموعة مختارة من مقاطع البيوط والصلاة.







التعليقات