لم يكن الفنان التشكيلي جبار مجبل ابن الصحراء، بل كان ابن الشمس الساطعة دوما على مدينته الناصرية، وابن البيئة التي تقع في الحدود الفاصلة بين بيئة الريف الزراعي، خاصة بيئة النخيل التي تحتاج دوما للشمس، منطقة السديناوية، وبيئة الماء، الهور على الخصوص المكشوف دوما للشمس. إذ تسكن عشيرة البو محمد (بيت نصر الله) بشكل رئيسي في محافظة ميسان جنوب العراق، وتحديداً في المناطق المحيطة بنهر دجلة، وأهوار العزير.
إذن بيئة العشيرة، وهو ابنها كما يذكر في كتابه، هي بيئة مائية، أضافة لسكن الطفل، وترعرعه الى أن أصبح شابا دخل معهد، ومن ثم أكاديمية، الفنون اللجميلة. كان يسكن الحدود الفاصلة "منطقة الشرقية في الناصرية/ ذي قار" بين المدينة، والقرى الريفية، فكان يعيش بيئة المياه، والريف الزراعي، والمدينة، ولم يسكن بيئة الصحراء.

***
عالم الصحراء المفتوح، عالم ساحر، ومدهش، وعالم مجهول، للذي غريب عنه أو الذي يعيش في جنباته، ولم يغادره. هذا العالم المليء بالرمل الذي تذروه الرياح، وتنقله من مكان الى آخر، أو تشكل منه تلالا صغيرة ما تنفك، وإذا بها قد نقلت الى مكان آخر، وهكذا تتبدل، وتتغير طبيعة الصحراء بين فينة، وأخرى.
يضم هذا العالم بعض الرسوم، والأطلال، والأثار. فهذا الشاعر طَرَفة بن العبد يقول:
لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ
وقول الشاعر السيد الحميري:
لِمَنْ طَللٌ كالوشمِ لم يَتَكلّمِ
ونُؤيٌ وآثارٌ كَتَرقيشِ مُعْجَمِ
مساكن أهل الصحراء عبارة عن خيم، وبيوت شعر، وبعض الآثار الدوارس فهل كان الفنان التشكيلي جبار مجبل مهتما بهذه البيئة كإهتمامة ببيئة الهور، وبيئة النخيل؟
كان هذا الفنان التشكيلي في الأصل غير منتمي لبيئة الصحراء، فهو منتمي أساسا لبيئة الماء، والريف الزراعي، وحتى جاء تكليفه مع خمسة من الفنانين العرب، والأجانب(1)، من قبل المفوضية الأوربية في عمان/ الأردن لتسجيل بيئة وادي رم في الأردن برؤية تشكيلية لم تنتج تلك المشاركة ما يشكل مثل هذه الرؤية عن البيئة الصحراوية، وكما وصفناها في السطور السابقة، وانما خرجت ببعض اللوحات التشكيلية التي تبرز بعض المرتفعات الحجرية كالوشم على ظاهر كف اليد، وهي لاتمنح المتلقي الرؤية التشكيلية للعالم الصحراوي المعروف ببيئته الطبيعية، والاجتماعية، والثقافية.


- لوحة رقم/1:
هذه اللوحة تشير الى وجود صخرتين كبيرتين الواحدة فوق الأخرى، وكثيرا ما نرى مثل هذه الصخور العظيمة في الصحراء التابعة لبعض أقطار الوطن العربي، وقد جاءت هذه اللوحة بتدرجات اللون البني لتشير الى الصحراء، ورمالها المتراكمة.
***
- اللوحة/2:
هذه اللوحة محيرة للمتلقي فهي مرسومة باللون البني المشرب بالحمرة مع ما يخفي ذلك اللون من شبه آثار بالكاد ترى، وهذه تشير الى عالم الصحراء التي تهب فيه الرياح، وتزمجر العواصف، وتنقل الرمال من مكان الى آخر كما هو معهود المناخ الصحراوي.
انه سديم أحمر خلاب إذ يلخص رومانسية الصحراء، بما تحققه سماؤها، ونجومها، وخصوصية ليلها من صفاء، ومساحة للتأمل بعيداً عن ضوضاء المدينة، وشروطها، وأخبارها، وتحالفاتها، ومواجعها. ان الصحراء سعة مطلقة، كما يقول هو.
***
لنتساءل عن الرؤية الفلسفية التي رآها الفنان التشكيلي جبار مجبل في هذا العالم من خلال هاتين اللوحتين؟
يعد الفنان التشكيلي جبار مجبل الصحراء على انها مكانا ميتا وجافا. إنها فضاء كوني حي، ومتحرك. تتنفس عناصرها مع الرياح، وتنبض بالحياة من خلال رمالها، ونجومها، وكائناتها التي تتأقلم بذكاء مع قسوة الطبيعة لتصنع إيقاعا بيئيا فريدا، وخاصا جدا، كالريح التي تحرك الرمال. وكذلك مليئة بالأسرار المجهولة. ويسعى الفنان من خلال تأطيرها بلوحات تشكيلية لاكتشاف اللانهاية التي تعبر عن النقاء الروحي لانسان الصحراء الغائب عن اللوحات التشكيلية، وعن تجسيد صراع البقاء للأفضل، والمعالجة البصرية للضوء، والظل، والخطوط الممتدة بلانهاية، وما مخفي من معالم خلف غبار الرمال المتحركة.
***
الهوامش:
1 – جاءت هذه الجهود كثمرة تعاون بين دار المشرق للفنون، والمفوضية الاوروبية, وكجزء من التفاعل والحوار الحضاري المستند الى القيم الجمالية.
ويقام بعد انتهاء اعمال الخلوة التي يشارك فيها الاردنيان بدر محاسنة، وسعدى (مها ابو عياش)، والعراقي جبار مجبل، والتونسية ميريام، والالمانية دوريتيا، والإيرلندي تومي بار، معرض تشكيلي في دار المشرق.







التعليقات