تقوم العلاقة الناظمة لمتوالية الدين والسلطة والسياسة على وشائج تعاضد بنيوي ووظيفي متبادل، تتوارى فيه المنافع الدنيوية والمطامح الأرضية خلف أقنعة التقديس وما وراء الطبيعة؛ فالسياسة، بوصفها تنازعًا منهجيًا حول الموارد واحتكارًا لأدوات الإلزام والضبط المادي، تجد في الموروث العقدي حقلًا رمزيًا زافرًا بالشحنات الوجدانية والطاقات الحاشدة، القادرة على إلباس الشأن البشري العارض رداء الخلود والثبات. وفي المقابل، تجد المؤسسة الكهنوتية في يد الحاكم القوة القاهرة التي تحمي المذاهب من الانقسام وتفرض الطاعة بالإكراه. لا يقف هذا التداخل عند حدود التوافق المصلحي العابر، بل يرقى إلى اندماج كلي تتلاشى معه الحدود الفاصلة بين الوحي الإلهي المجرد والتدبير الدنيوي البحت، الذي يروم تخليد السيطرة واحتكار الفضاء المشترك بين الناس.
انبرى الفيلسوف باروخ سبينوزا باكرًا لخطورة هذا التداخل المفضي إلى استلاب العقول؛ إذ كرّس مؤلفه التأسيسي "رسالة في اللاهوت والسياسة" لتقويض ركائز هذا الحلف؛ حيث أقام الدليل على أن الخلط بين الإلزام العقدي والتدبير المدني يمثل العائق الأكبر أمام حرية الضمير، والمحرّك الدفين للفتن الداخلية وانحلال المجتمعات. شرّح سبينوزا بنية الخطاب العقائدي النفعي، كاشفًا أن مراكز النفوذ تعمد دومًا إلى توظيف انفعالي الخوف والرجاء في نفوس العامة؛ فتحيل رهبة المجهول والجهل بسنن الطبيعة إلى مستنقع خصب لتفريخ الخرافة وإخضاع الجموع تحت ذريعة الاستسلام للمشيئة العليا. وخلص إلى أن إخضاع النصوص القديمة لمناهج التحقيق اللغوي والتمحيص العقلي الصارم هو مسلك التحرر الضروري؛ لتجلية حقيقة أن جوهر الرسالات مقصور على إقامة العدل وبث التراحم، في حين تنحصر غاية الكيان السياسي في كفالة حرية الفكر وصيانة الحقوق الفطرية للبشر، وقطع دابر كل وصاية دينية تسعى إلى إخماد جذوة النظر العقلي.
وعلى الطرف النقيض من النزعة العقلانية التحررية، قرر المنظر السياسي والدستوري كارل شميت أن المفاهيم السياسية الحاكمة للكيان العام المعاصر ليست إلا مقولات مستعارة من المعجم الديني بعد صبغها بالصبغة الدنيوية؛ إذ انتقلت تاريخيًا ومفهوميًا من أروقة المباحث العقائدية إلى رحاب النظرية الدستورية. بموجب هذا النظر الفاحص، استحال مفهوم "الإله المتعالي القادر على كل شيء" إلى "المشرع الدستوري المطلق" أو رأس الدولة الحائز للسيادة دون منازع، وغدت "المعجزة" الخارقة للنواميس الكونية تقابل "حالة الاستثناء"، وهي اللحظة التي يُعطَّل فيها سريان القانون الوضعي بدعوى درء خطر ماحق يتهدد بقاء المجتمع. ويجزم هذا التحليل بأن جوهر الصراع السياسي لا ينفك عن أصوله العقدية المضمرة؛ حيث تتجدد الطاعة وتترسخ الخصومة عبر الفرز الحاسم بين "الصديق والعدو"، وهو استنساخ دنيوي صريح للتمايز القديم بين المؤمن الموعود بالنجاة والجاحد المهدور دمه.
ولا ينحصر هذا التوظيف في الأطر القانونية المجردة، بل يمتد عميقًا في نسيج العلاقات الإنتاجية والاجتماعية؛ إذ يعري الفكر النقدي لدى لوي ألتوسير قنوات الهيمنة المتخفية عبر ما أسماه "أجهزة التوجيه الفكري التابعة للدولة"، وفي مقدمتها المنابر الوعظية التقليدية التي مارست دور الحراسة الفكرية قبل اتساع شبكات التعليم النظامي. تمارس هذه القنوات قسرًا هادئًا غير مرئي يستهدف ترسيخ التفاوت الاجتماعي وإعادة إنتاج الامتيازات الطبقية عبر ترويض الوعي الجمعي؛ فالمنظومات الاعتقادية التبريرية لا تعكس شروط العيش الواقعية بأمانة، بل تبني صلة وهمية تربط الأفراد بواقعهم المادي. وبذلك، تشيّد البنى الدينية الخاضعة للحكم نسقًا من الإذعان التلقائي، يقبل فيه المستضعفون التفاوت القائم كما لو كان قضاءً كونيًا لا رادّ له، الأمر الذي يعفي الفئات المتسلطة من مشقة اللجوء المستمر إلى البطش المادي المكشوف الذي تتولاه السجون وثكنات الجند.
يتكامل هذا المسار مع ما قرره بيير بورديو في تشريح "المجال العقائدي التنافسي" وأشكال "القهر الرمزي"؛ حيث تتدافع النخب المستفيدة لاحتكار ما يُعرف بـ"رأس المال المعنوي" والتحكم في منح صكوك الرضا وتصنيف خصومها في دوائر الخروج عن الإجماع. ويتجلى القهر الرمزي في كونه خضوعًا يُمارَس بمباركة الخاضع نفسه دون وعي منه بحقيقة وقوعه تحت طائلته؛ إذ يستبطن المقهورون التصنيفات والتراتبيات التي رسمتها القوى النافذة، فتتحول على مر الأجيال إلى طبائع متجذرة واستعدادات نفسية وسلوكية عفوية. تجعل هذه التنشئة الحيف مألوفًا والجور قدرًا سائغًا لا مطمع في رده. وبفضل هذا الترويض الوجداني، يستقر بنيان الاستبداد دون تكلفة باهظة، بعد أن تحول الخوف من العقاب الحسي إلى تعظيم قلبي مكرس في أعماق الأنفس.
إن هذا التغييب الممنهج للإدراك ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسار مدروس يقتلع الوقائع الزمنية المعاشرة من طبيعتها النسبية ليلحقها بمرتبة الفرائض التي لا تقبل التبديل؛ فالطغيان يستشعر وهن الاتكاء على السياط وحدها، فيجهد في هندسة البصائر حتى تغدو طاعة المتسلط التماسًا لمرضاة الخالق وطريقًا لخلاص الأرواح. ويعيدنا هذا النقد إلى أطروحات إتيان دي لابويسيه في مصنفه "مقالة في العبودية الطوعية"، حين كشف النقاب عن محنة الشعوب التي تنسج أغلالها بأيديها وتفرط في كرامتها الفطرية لحاكم لا يملك من أسباب القوة الخارقة إلا ما منحه إياه رعاياه من استكانة وتخلٍّ طوعي عن الإرادة.
ويتفاقم هذا البلاء حين يتدثر القهر بلغة التأويل النصي الجامد؛ حيث تنقلب الألفاظ الدينية إلى سدود تمنع تدفق العقل وتحرّم إعمال الفكر. فيُنبذ كل صوت يطلب الإنصاف خارج الجماعة، ويُرمى بتهم "الخروج على الإجماع"، و"الزندقة"، و"شق عصا الجماعة"، وهي أحكام معنوية تسلب المخالف آدميته وتشرعن محوه جسديًا وحرمانه مدنيًا. وتكمن الذروة التراجيدية لهذا التدجين في إفقار المظلومين من أدوات الاحتجاج الذاتية؛ إذ يُدفع المقهور إلى صياغة شكايته وتظلمه مستعيرًا ذات المعجم التبريري الذي صاغه سدنته، فيقع في فخ تسويغ هوانه، مقرًا بصحة الأصول والمقدمات التي انتهت إلى قهره واستلاب حقوقه الأساسية.
تتلاقى هذه المحنة المتوارثة مع ما أثاره والتر بنيامين وجورجو أغامبين حول "العنف المؤسس للتشريع"؛ فالقوة المحضة تبسط هيمنتها على القانون فتعطله وتنفذه في آن واحد عبر حالة استثناء دائمة. إن هذا التلاقي يكشف بوضوح أن الارتباط بين بعض سدنة الفتوى وأصحاب الصولة السياسية ليس تقاطعًا عفويًا، بل هو تحالف وظيفي محكم يُلجم مدارك الفهم، ويغتال حرية الاختيار، ويحوّل الجور المفروض بقوة السلاح إلى ابتلاء غيبي يُتطلب من الرعية الرضا به وحمد مقترفيه.
إن الانعتاق من أسر هذه الترسانة المتشابكة لا يتحقق بالترقيعات الشكلية، بل يستوجب عملًا تفكيكيًا يقوض جذور "فقه الغلبة"، ويفصل بين قداسة المعتقدات الضميرية واجتهادات التدبير المدني الدنيوي. وهنا تتجلى الحقيقة الفلسفية الناظمة: إن بناء دولة مدنية حديثة أمرٌ مستحيلٌ تمامًا خارج الإطار التعاقدي المؤسس على الإرادة الشعبية الحرة.
تستمد هذه الاستحالة برهانها من حقيقة أن أي نظام يستند إلى "التفويض الغيبي" أو "الحق الإلهي" أو "شوكة المتغلب" يلغي بالضرورة مبدأ الأهلية الإنسانية؛ إذ ينقل مركز الشرعية من المجموع الخاضع للقانون إلى كيان مفارق لا يخضع للمساءلة ولا يقبل التداول. إن الدولة المدنية، وفق التصور التحرري الراسخ من جون لوك إلى جان جاك روسو وإيمانويل كانط، لا تقوم إلا على ميثاق اجتماعي واعٍ، يتخلى بموجبه الأفراد عن حالة التنازع الفردي ليس لصالح حاكم متأله، بل لصالح "شخص اعتباري عام" يخضع للإرادة العامة المشتركة ويدير شؤون المجتمع وفق قوانين وضعية مجردة وشفافة.
في النظام التعاقدي، لا يُعد الحاكم ظلًا للذات العليا في الأرض، بل هو وكيل ومؤتمن على تنفيذ بنود الاتفاق؛ فإن أخلّ بالأمانة أو استبد بالسلطان انفسخ العقد وعادت السيادة إلى منبعها الأصيل:
المواطنون الأحرار المتساوون في الحقوق والواجبات دون اعتبار لأي تمايز مذهبي أو عرقي. إن الدولة التعاقدية هي الكيان الوحيد القادر على إبطال حالة الاستثناء الدائمة وتفكيك أجهزة القهر المعنوي؛ لأنها تستبدل الولاء للأشخاص بالولاء للدستور النابع من إرادة الجمع.
بدون هذا الأساس التعاقدي الصارم، تظل "الدولة المدنية" مجرد واجهة براقة تعيد إنتاج الاستبداد القديم بلبوس عصري؛ فتتحول المؤسسات إلى أدوات لخدمة الغالب، ويبقى المواطن رهينة لصكوك التكفير ودعاوى الامتثال الأعمى. إن استرداد السيادة الشعبية بوصفها المرتكز الحصري للسلطات هو الشرط الوجودي لحماية إنسانية الإنسان؛ حيث يتحرر الإيمان من أغلال التوظيف السلطوي الخسيس ليعود تجربة ضميرية نقية تُعنى بالفضائل وتزكية النفس، وتتحول السياسة إلى حقل عقلاني دنيوي لإدارة الاختلاف وتكريس العدالة الاجتماعية وتثبيت أركان العيش المشترك على قاعدة الحرية والمساواة.







التعليقات