انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مذبح الحضور المستحيل: تشريح تفكيكي لجنائزية الهيمنة الأمريكية واحتضار الإمبراطورية في الشرق الأوسط

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
6 مشاهدة
مذبح الحضور المستحيل: تشريح تفكيكي لجنائزية الهيمنة الأمريكية واحتضار الإمبراطورية في الشرق الأوسط
مشاركة:

تتبدى السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حين تُخضع للمساءلة التفكيكية الصارمة، بوصفها محاولة ميتافيزيقية مستميتة لفرض نمط وجودي مصمت يقوم على طرد الاستثناء ومحو التاريخ المشتبك بالذاكرة الحية. إن النزوع المتغطرس نحو هندسة "عالم خالٍ من الأشباح" يعبر فلسفياً عن رغبة الهيمنة الغربية في إغلاق أفق الحدث التاريخي، وتطهير الفضاء الجغرافي والسياسي من كل أثر يقاوم التدجين والابتلاع داخل المنظومة الرأسمالية والعسكرية المعولمة. غير أن هذا المشروع الإمبراطوري يرتطم اليوم بأزمات مركبة ناتجة عن تحول نموذج الرأسمالية المحدثة إلى حالة استعصاء عضال تفرز عللاً متفاقمة في بنيتها، في حين تفضي سياسات تقويض الأنظمة والمحو العنيف للمؤسسات إلى تفجير فوضى عارمة بدلاً من الاستقرار المزعوم. تتزامن هذه التحولات مع عجز استراتيجي بنيوي عن حسم الصراع ضد الأقطاب الدولية والإقليمية المنافسة، مما يدفع السياسة الإمبريالية نحو الانحدار إلى "نظام التفاهة" وإبرام الصفقات النفعية التكسّبية السطحية؛ وهو ارتداد ينعكس حتماً على الداخل الأمريكي ذاته عبر تفعيل آليات انتحار مناعي سياسي وأخلاقي يعصف بالأسس المعيارية للديمقراطية الليبرالية في مهدها.

علم الأطياف والتعويذة الإمبريالية

يقدم مفهوم "علم الأطياف" الذي أرساه الفيلسوف جاك ديريدا في أطروحته النقدية "أطياف ماركس" مدخلاً نظرياً صارماً لتفكيك الادعاء الإمبراطوري بإمكانية تدشين فضاء سياسي معقم وناجز. تقوم ميتافيزيقا الحضور الغربية على وهم يقيني مؤداه أن الواقع يمكن اختزاله في كينونة ناجزة، متحققة بذاتها ومطابقة لجوهرها، خاضعة بالكامل للإدارة التقنية والضبط الأداتي المحكم؛ في حين يبرهن التحليل التفكيكي على أن كل حضور راهن يظل مسكوناً ومثقلاً بـ"أثر" غائب لا ينفك يخلخل تماسكه الظاهري ويزعزع ادعاء اكتماله. لقد حاولت العقيدة المنتصرة عقب اندثار الحرب الباردة، استناداً إلى أوهام "نهاية التاريخ"، إعلان الوفاة النهائية للبدائل الفكرية والتحررية قاطبة، والتعامل مع التطلعات الجمعية للعدالة كجثث هامدة يمكن طردها ونفيها عبر طقوس تعويذية تمارسها قوى الرأسمالية الشاملة.

تتعامل الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط مع هذا الحيز الحضاري بوصفه رقعة رخوة مستباحة يجب تطهيرها من كائناتها التاريخية وأشباحها المقاومة:

 شبح حركات التحرر الوطني، وشبح مناهضة الاستعمار، وشبح العدالة التوزيعية، وشبح القضية الفلسطينية التي تأبى الاندثار والمحو. تسعى القوة المهيمنة إلى محاصرة هذه الظلال عبر ممارسة طقس تعويذي مستمر يستهدف تجريد الإنسان في هذه الجغرافيا من امتداده التاريخي وذاكرته النضالية، وتحويله قسراً إلى مجرد رقم نفعي استهلاكي منزوع الإرادة. بيد أن المفارقة التفكيكية القاتلة تكمن في طبيعة "الطيف" ذاته؛ فالطيف في المنظور الديريدي كينونة عصية على الإفناء أو القتل التام، بل هو رجوع أزلي؛ وكلما أمعنت المنظومة في قمعه وتغييبه، عاد ليطارد المركز المهيمن ويفضح هشاشة أركانه وتهافت ادعاءاته الأخلاقية. إن الرغبة الإمبريالية في اصطناع عالم خالٍ من الأشباح تستحيل فلسفياً إلى محاولة لفرض عمى معرفي يرفض تحمل التبعة الأخلاقية تجاه الماضي والمستقبل معاً، مما يوقع السياسة الخارجية في مأزق الارتداد الانتقامي العنيف لتلك الأطياف غير المرئية.

الأزمة العضوية وانبثاق الأعراض الشائهة

لم يعد النموذج الاقتصادي والاجتماعي للرأسمالية المحدثة قادراً على العمل عبر أدوات الهيمنة الثقافية الناعمة أو الوعود البراقة بالازدهار والتحديث، بل انحدر نحو طوره الأخير المأزوم؛ طور "الرأسمالية المعطوبة المحتضرة". تحيل هذه الاستحالة مباشرة إلى الاستعارة التشريحية والسياسية التي خطها المفكر أنطونيو غرامشي في دفاتر سجنه لتشخيص حقب البرزخ التاريخي؛ حيث يعلن بوضوح أن الأزمة الكبرى تتفجر تحديداً حين يشارف النظام القديم على الموت بينما يعجز النظام الجديد عن الانبثاق والولادة، وفي رحم هذه الفجوة الزمنية الكالحة تولد طائفة واسعة من المسوخ والأعراض المريضة. وتأسيساً على الواقع السياسي للشرق الأوسط، تتجلى هذه التمظهرات في ما حلله الباحث جلبير الأشقر؛ حيث أضحت الانتكاسات التي أعقبت الحراكات الجماهيرية الوجه العاري لتلك الأعراض، بعدما استحالت البنى الاقتصادية الريعية والسلطوية الأبوية إلى شبكات نهب استنزافي مرتبطة بمراكز المال العالمية.

لقد أسفر فرض برامج التثبيت الهيكلي وإجراءات الخصخصة الجبرية، بتوجيه من المؤسسات المالية الدولية والضغوط الإمبريالية، عن تفريغ الدول الوطنية من أدوارها الرعائية والخدمية، وتحويلها إلى مجرد أجهزة قمعية مسلوبة الإرادة تحرس امتيازات الأقلية المالية المتنفذة وتخمد الاحتجاجات الشعبية. هذا التصدع قاد إلى توطيد "الاستبداد الرأسمالي المعولم"، وهو النمط الذي حلله بعمق باحثون نقديون من أمثال آدم هانية، حيث يجري شل الحريات السياسية وتصعيد القمع المادي الفج لفرض سياسات التقشف القسري وتركيز الثروة في قمة الهرم الطبقي. لم تعد المنظومة الحاكمة تمتلك أي أفق لتوليد الرضا الشعبي الطوعي أو حيازة الشرعية، بل انحصرت أدواتها في تقنيات إدارة الفقر وتأبيد الأزمات وتصريف البؤس، مما راكم احتقاناً مجتمعياً قابلاً للانفجار جعل المجتمعات تعيش حالة قلق وجودي دائم تتفجر في تمردات غاضبة متلاحقة وانهيار مطرد في عرى التماسك الاجتماعي والمدني.

التدمير الإفنائي وتقويض الهياكل الدولتية

تكشف المراجعة التفكيكية للمسار التاريخي في الشرق الأوسط عن تناقض متأصل في صميم العقل الاستعماري الغربي؛ فالقوى الإمبريالية الكلاسيكية غداة الحرب العالمية الأولى هي التي خطت الحدود المصطنعة بالمسطرة، ورعت النظم التسلطية، وأرست دعائم الأجهزة البيروقراطية والأمنية القمعية لضمان تدفق النفط وتأمين خطوط الملاحة والمصالح الحيوية. وظلت واشنطن على مدى عقود متطاولة، ولا سيما خلال الحرب الباردة، الحارس المباشر لتلك الديكتاتوريات التابعة لكبح المد التحرري والقومي والاشتراكي. غير أن التحول الإمبريالي الأمريكي في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 انحرف نحو عقيدة مغامرة تبنت أطروحة "الفوضى الخلاقة" تحت ذرائع "تغيير الأنظمة" ومحاربة ما دُعي بـ"الدول المارقة".

لقد أفرز هذا الهدم المنهجي للدول فراغاً سيادياً مهولاً أحيا العصبيات الفرعية الطائفية والعشائرية، ودفع بالمجتمعات إلى جحيم النزاعات الأهلية واقتصادات الميليشيات المسلحة وتجار الحروب. وأثبتت خطيئة تدمير الأجهزة الدولتية أن الآلة الحربية الأمريكية بارعة في السحق وإشاعة الخراب، لكنها عاجزة عجزاً بنيوياً عن إعادة التأسيس السياسي أو إرساء منظومات استقرار حقيقية؛ مما جعل الشرق الأوسط ساحة مفتوحة من الأطلال والحرائق الدائمة التي باتت ألسنتها ترتد لتطارد مهندسي السياسة في واشنطن أنفسهم. وتزامن هذا الفشل الإقليمي مع انكسار جيوسياسي فادح في البنية الكونية؛ إذ تبخرت قدرة القطب الإمبراطوري الأوحد على حسم الصراعات الكبرى أو فرض سطوته الأحادية كما توهم إبان سقوط المنظومة الاشتراكية. إن الصعود الاقتصادي الصيني وتمدده الواسع، والحضور العسكري والسياسي الحازم لروسيا، جنباً إلى جنب مع تجذر جبهات الردع والمقاومة غير المتكافئة، كل ذلك وضع واشنطن أمام طريق مسدود واستعصاء استراتيجي غير مسبوق؛ فلم تعد العقوبات ولا الضربات الجوية كافية لفرض الإذعان، بل استحال الصراع إلى حرب استنزاف شاملة ومتعددة الجبهات تعجز فيها الإمبراطورية عن حسم أي مسار لمصلحتها.

انتحار المناعة الذاتية في الجسد الإمبراطوري

إن الإخفاق الميداني في إخضاع الشرق الأوسط والارتهان لمنطق الإبادة والعنف المفرط لم يبقيا محبوسين داخل مسارحهما الخارجية، بل ارتدت شظاياهما لتصيب الجسد السياسي الأمريكي في مقتل، مفجرة دينامية فلسفية بالغة الدلالة صاغها ديريدا تحت مصطلح "انتحار المناعة الذاتية". استعار ديريدا هذا المفهوم من علم الأحياء ليفضح المفارقة التدميرية المتأصلة في كينونة الديمقراطية الغربية المعاصرة؛ إذ يعبر عن تلك الحالة السريرية القاتلة التي ينقلب فيها الجهاز المناعي للكائن الحي ليهاجم ويدمر أنسجته وخلاياه الدفاعية ذاتها، متوهماً أنه بذلك يحمي جسده من خطر داهم أو عدو متسلل.

يمثل هذا السقوط انتحاراً معيارياً وأخلاقياً للديمقراطية الليبرالية؛ ففي سبيل حماية قرارات سياستها العدوانية المأزومة وضمان مصالح شبكاتها الاحتكارية والعسكرية، تُقدم الدولة على نحر واجتثاث المبادئ التي ادعت تفوقها المعياري على أساسها:

 حرية الرأي والتعبير، والحق في الاعتصام السلمي، واستقلال الصروح الأكاديمية والجامعية، وحرمة المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. إن النظام الغربي المهيمن، في سعيه المحموم لتحصين ذاته من النقد الجذري ومن صدمة هزائمه الخارجية، يلتهم قيمه التأسيسية ليفرز ممارسات قمعية فاشية لا تختلف في جوهرها عن الأنظمة الاستبدادية التي ادعى لعقود أنه النقيض الأخلاقي لها؛ كاشفاً بذلك عن تهتك شنيع في شرعيته، وسقوط مدوٍ للنموذج أمام مجتمعه وأمام العالم.

حتمية عودة الأطياف وهزيمة التعقيم الإمبراطوري

تبرهن المقاربة التفكيكية بما لا يدع مجالاً للشك أن النزوع الأمريكي لاصطناع "عالم خالٍ من الأشباح" في الشرق الأوسط كان محكوماً عليه بالموت البنيوي والتهافت الميتافيزيقي منذ لحظة تدشينه الأولى؛ فالأرواح التي سعت واشنطن إلى استئصالها بالصواريخ والبارود وأكاذيب الصفقات أرواح التحرر المتجذرة، وحق الشعوب الراسخ في امتلاك مصيرها، وذاكرة الجرائم الاستعمارية غير القابلة للتقادم هي كينونات حية مستعصية على التبخير والمحو. إن لجوء المركز الاستعماري إلى تسليع الوجود وتفكيك الدول لم يجلب له السيادة، بل أغرقه في رمال الفوضى والاستنزاف، في لحظة شهدت تآكل عرش الأحادية القطبية وانسداد مسارب الحسم العسكري.

في المقابل، فإن انفجار آلية الانتحار المناعي في القلب الأمريكي يثبت أن تصدير الفاشية إلى الأطراف لا ينفك عن تدمير نسيج المركز ذاته؛ حيث غدت انتفاضات الجامعات وصرخات الطلاب في واشنطن ونيويورك شاهداً ساطعاً على وحدة المعركة الإنسانية ضد التشييء والاستلاب. وكما يقرر التفكير التفكيكي الراديكالي:

 لا يمكن لأي عدالة أن تقوم على جثث الذاكرة، ولا سلام يمكنه أن يعبر فوق حقوق الأطياف ومظالمها؛ فالشرق الأوسط، بحمولته التاريخية وعناده الوجودي، لم ولن يكون أرضاً مستباحة للمختبرات الإمبراطورية الميتة، بل هو فضاء يعج بأشباح شهدائه المقاومين ونداءات أجياله الآتية، تلك الأشباح التي تمزق اليوم رداء الهيمنة، وتعلن بلهجة قاطعة لا رجعة فيها:

 إن التاريخ لم ينتهِ، ولن ينتهي وفق مشيئتكم، وإن أرواح المغدورين التي طاردتموها ستظل كابوسكم المقيم حتى يدك صرح الاستكبار وتتحطم أصنام تعقيمكم الزائف على صخرة الانعتاق الإنساني المستحيل تدجينه.

مشاركة:

آخر تحديث: ٧ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠١:٢٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

كيف نرصد معضلات الثقافة في عراق اليوم؟ وكيف نقرأها ونعالجها؟
آراء

كيف نرصد معضلات الثقافة في عراق اليوم؟ وكيف نقرأها ونعالجها؟

منذ التغيير الراديكالي في العام 2003 جابه البلاد والعباد انحداراً خطيراً قادته قوى الدجل والتضليل وإسقاطاتها القدسية زيفا وبهتاناً، بقصد تفريغ العقل العراقي من أية فرصة بناء وتقدم واغتناء فكري فلسفي ومن ثمَّ تفاقمت عقبات كأداء بوجه المشهد الثقافي والاجتماعي في العراق الجديد لتختلق أزمة بنيوية…

· 5 د
جلجامش : ماذا بعد انكيدو ؟
آراء

جلجامش : ماذا بعد انكيدو ؟

بعد موت انكيدو ، صار النوم بابا يخشاه كلكامش . كلما اغمض عينيه عاد انكيدو ، وكلما فتحهما ، لم يجد سوى الغرفة الفارغة . كان الضوء يتسلل الى المكان بحذر ، كأنه يخشى ان يوقظ الماضي . اما الغبار فظل يتراكم في زوايا الغرفة ، حتى العنكبوت لم يبق من بيتها سوى بضع خويطات متهرئة . لم يجرؤ كلمكامش على إزالة…

· 4 د
الجيل الذي سيكسر احتكار العقول
آراء

الجيل الذي سيكسر احتكار العقول

يوما ما سيأتي جيل لن يسأل من أنت حتى يمنحك حق الحديث، ولن يقتنع بفكرة لمجرد أن صاحبها يحمل لقبا أكاديميا أو اسما معروفا في عالم الثقافة. جيل سيهتم بما تقوله، ويناقش حجتك، وقد يختلف معك حتى لو كنت أستاذا جامعيا أو صاحب مؤلفات كثيرة. لن ينشغل كثيرا بمكانتك الاجتماعية أو بعدد الكتب التي ألفتها، وإنما…

· 6 د