انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مأزق التشريع بين حماية الإنسان وتأطير الحصار الوجودي

د.أحمد فاتح محمد
د.أحمد فاتح محمد

باحث وأديب عراقي

3 دقائق للقراءة
25 مشاهدة
مأزق التشريع بين حماية الإنسان وتأطير الحصار الوجودي
مشاركة:

في أواخر القرن الثامن عشر كان الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام يجلس في غرفته الباردة، غارقاً في رسم مخطط هندسي غريب أطلق عليه اسم "البانوبتيكون". كان بنثام يحلم بسجن مثالي، يتيح لحارس واحد يختبئ في برج مركزي أن يراقب جميع السجناء في زنازينهم الدائرية دون أن يروه هم. اعتقد بنثام بجرعة زائدة من التفاؤل التنويري، أن هذا التصميم هو قمة العقلانية التشريعية التي ستحقق الانضباط والعدالة بأقل جهد ممكن. لم يكن يدرك أنه ومن حيث لا يحتسب، لم يصمم مجرد سجن جدرانه من حجر، بل وضع الحجر الأساس الفلسفي لأخطر معضلة ستواجه البشرية في عصرنا الحالي. حيث تحول العالم كله إلى برج مراقبة لامرئي، وغدت التكنولوجيا هي الحارس والمشرع في آن واحد. هذه الحكاية تضعنا مباشرة أمام المعضلة الجوهرية حول ماهية القانون ووظيفته الوجودية في عصرنا الرقمي. إن القانون في جوهره الأصيل ليس مجرد حزمة من القواعد الإلزامية والتشريعات الجافة التي تفرضها السلطة لتنظيم السلوك الخارجي للأفراد، بل هو في المقام الأول تعبير عن الكينونة الإنسانية، وأداة وُجدت أساساً لحماية الحرية وتنظيم شروط التعايش السلمي.

مأزق التشريع بين حماية الإنسان وتأطير الحصار الوجودي

فالقانون الحقيقي، في عمقه الفلسفي، هو تجسيد لقيم العدالة والحرية. وعندما ينفصل عن هذه الأصول الوجودية، فإنه يفقد شرعيته المعنوية ويتحول إلى مجرد آلة شكلية للإكراه والضبط التقني. اليوم نواجه أزمة كبرى تتمثل في اغتراب القانون عن جوهره الإنساني. فمع تدفق البيانات الضخمة وهيمنة خوارزميات المراقبة، تراجع دور القانون كدرع يحمي الفرد وحرمته الشخصية، ليتحول بدلاً من ذلك إلى إطار تنظيمي يشرعن المراقبة ويوفر لها الغطاء القانوني. لم تعد القوانين المعاصرة تسعى لتوسيع مساحات الحرية أو صون كرامة الفرد الوجودية، بل باتت تنشغل بـ "هندسة الحصار" وتأطير القيود تحت مسميات "الأمن الرقمي" و"النظام العام المحدث"، مما جعل الإنسان محاصراً بنصوص تدعي حمايته لكنها في الواقع تنظم آليات تطويقه. عندما يصاغ التشريع لخدمة آليات الرقابة التقنية، فإنه يتخلى عن طابعه القيمي ليصبح مجرد أداة إجرائية مفرغة من المعنى الإنساني. فالقانون هنا لا يدافع عن كينونة الإنسان وتفرده، بل يعيد تعريفه بوصفه "مجموعة بيانات" قابلة للتحليل والتنبؤ والتوجيه. هذا النزوع نحو ترويض السلوك الفردي وجعله متوقعاً بالكامل عبر الوسائل الرقمية، يمثل ضرباً للحرية الإنسانية في مقتل لأن الحرية في أصلها هي القدرة على الاختيار والمغامرة والخطأ، وليس الخضوع لسيناريوهات خوارزمية مسبقة الصنع برعاية تشريعية. إننا نعيش في زمن يعاني فيه التشريع من "فقر دم فلسفي"، حيث طغت الإجراءات التقنية على المبادئ الوجودية للعدالة. وإذا استمر القانون في كونه شريكاً في هندسة هذا الحصار الرقمي بدلاً من كونه حصناً يذود عن تفرد الإنسان، فإننا سننتهي إلى عالم تحكمه "شكلية قانونية جوفاء" عالم تتوفر فيه القوانين بكثرة، لكن يغيب عنه القانون في معناه السامي والنبيل بوصفه حارساً للروح البشرية.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٣٤ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت
آراء

عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت

منذُ أن وقفَ أجدادُنا النياندرتال أمامَ النارِ الأولى وحرقوا ألسنتهم لأنهم ظنوا أن الضوءَ طعمُهُ لذيذ ونحنُ نكررُ الخطيئةَ ذاتها بنفسِ الحماسِ الأعمى ، اخترعنا العجلةَ كي نصلَ أسرع لكننا اكتشفنا أن المكانَ الذي وصلنا إليهِ ليس بأفضلَ من المكانِ الذي هربنا منه ، اخترعنا الكتابةَ لنخلّدَ أفكارنا…

· 8 د
فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني
آراء

فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني

الكتابة بوصفها اعترافًا بالعجز وانتصارًا للإنسان مقال فكري تأملي في فلسفة الكتابة وأسئلة الذات والوجع الإنساني حسن غريب أحمد كاتب ناقد باحث روائي مصري ليست الكتابة دائمًا فعلًا صادرًا عن روح واثقة من نفسها، ولا هي بالضرورة ثمرة عقل استقر على إجابات نهائية، أو نفس امتلكت من اليقين ما يجعلها قادرة…

· 13 د
 إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ 
الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين
آراء

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين بقلم: د. زُبير سُلطان رَبّانِيْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا كان الله سبحانه وتعالى قد عَلِمَ أعمال…

· 12 د