في الميثولوجيا القديمة، ارتبط اسم جزر الواق الواق بأرض أسطورية غامضة تتخبط فيها الحقائق بالخيال، وتجري فيها الأشياء وفق قوانين لا تخضع للعقل والمنطق الإنساني، واليوم يتكرر هذا المشهد السوريالي ذاته ولكن داخل الفضاء الرقمي لمنصة الفيسبوك حيث يتحول كل منشور يُكتب إلى رسالة تُلقى في محيط هذه الأسطورة الرقمية، ليتلاشى السلطان التقليدي للناقد أو المفكر، وتنعدم المعايير الجمالية والمعرفية المعتادة لنقد الأدب والفكر. تُستهل رحلة النص داخل هذه الواق الواق الرقمية عبر الخوارزمية، وهي العقل الآلي المنفصل تمامًا عن المعنى الإنساني،إذ لا تملك تذوقًا أدبيًا ولا تقرأ بلاغة الأسلوب أو عمق الفكرة، بل تقيس سلوك القطيع البشري من خلال معدلات التفاعل والإعجابات ومدة القراءة الزائفة، مستندةً في ذلك إلى مبدأ سكينر السلوكي للتعزيز المتقطع، فتطرح النص لعيّنة عشوائية فإن حقق استجابة غريزية سريعة تمنحه صك القيمة وتدفعه إلى واجهة العرض المشترك. وبمجرد عبور النص لهذه البوابة الآلية، يُطرح في ساحة نظرية التلقي المعاصرة، حيث تتحدد قيمته لحظة استهلاكه لا بفعل خصائصه الذاتية، فتؤكد أخصائية علم النفس بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (د. شيري توركل )أن القيمة في الفضاء الرقمي لا تُستمد من الحقيقة المجردة للنص بل من قدرته على العمل كـ (أداة لاستعراض الهوية)فالقارئ هنا لا يتفاعل مع النص لأنه جميل، بل لأنه يقول للآخرين عبارة: (هذا يعبر عني).وفي إطار ما تسميه أستاذة علم النفس الاجتماعي بجامعة هارفارد (د. شوكانا زوبوف )بـرأسمالية المراقبة،ترتفع قيمة النصوص التي تحمل شحنة عالية من الاستثارة العاطفية،فالغضب والتعاطف الشديد والانحياز الأيديولوجي هي المحركات الأساسية التي تضمن استبقاء العقول معلقة داخل خرافة المنصة لأطول فترة ممكنة، وهو ما يتقاطع مع طرح خبير علم النفس الاجتماعي (جونا بيكر) بأن النص يتحول على فيسبوك إلى عملة اجتماعية تتحدد جودتها الظاهرية بمدى قدرتها على جعل مُشاركِها يبدو ذكيًا أو مطلعًا أو منتصرًا لفكرته. إنها حالة سوريالية مكتملة الأركان يُعاد فيها ابتكار معايير النجاح والفشل، وتُحكم فيها قيمة النص وفق تحيزات معرفية غريزية مثل الدليل الاجتماعي الذي يدفع القارئ لتقييم المنشور كعظيم لمجرد حشده آلاف التفاعلات، أو ارتهانه داخل غرف الصدى التي تعيد إنتاج الآراء المتشابهة لتغذية الانحياز التأكيدي، لتجرّد المنصةُ النصَّ في نهاية المطاف من قيمته الجمالية أو الفكرية المستقلة، وتبني قيمته الأسطورية الجديدة بناءً على عدوى نفسية سريعة وشحنة عاطفية عابرة، تحسبها خوارزمية صماء وتستهلكها الجماهير في أرض الواق الواق الرقمية.
عن خرافة الواق الواق: من يحدد قيمة النص على فيسبوك؟

آخر تحديث: ٢٩ آب ٢٠٢٦ في ٠٧:١٩ م






التعليقات