انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يتحول وجع الروح إلى حساب مصرفي!

د.أحمد فاتح محمد
د.أحمد فاتح محمد

باحث وأديب عراقي

2 دقائق للقراءة
19 مشاهدة
حين يتحول وجع الروح إلى حساب مصرفي!
مشاركة:

في كتابه الرائع عزاءات الفلسفة، يذكرنا أندريه غيد بأن المصيبة الكبرى لا تكمن في غياب العدالة، بل في مأسستها وتحويلها إلى
آلة صماء لا تشعر بوجع البشر. تذكرت هذه العبارة وأنا أتأمل متون القانون المدني وشروح نظرية الالتزام، التي تحولت بمرور
الأيام من فضاء إنساني يهدف إلى صون كرامة الكائن، إلى مجرد معادلات حسابية وأرقام جافة تُكتب ببرود في غرف القضاة
المغلقة.
كيف يمكن لـ مادة قانونية أن تقيس أنين الضمير البشري؟ وكيف استطاع المشرع المعاصر، في رحلته الطويلة نحو المادية المفرطة
أن يفصل بين التعويض وبين روح الإنسان المنتهك؟ إن ما يحدث اليوم في قاعات المحاكم هو نوع من الاغتراب الوجودي حيث
يُطلب من الإنسان الذي تحطمت كرامته أو هُدرت إنسانيته، أن يقف أمام منصة القضاء ليُترجِم مشاعره وأوجاعه إلى صك مالي
جاف، وكأن المال قادر على ترميم التصدعات التي تصيب الروح الحية.
وهنا اتذكر جان بول سارتر عندما قال و من اعماق وجدانه: العدالة ليست قانوناً يطبق بل هي حرية تعاش وكرامة تُسترد، وحين
يفقد القانون بعده الأخلاقي، يتحول إلى أداة تشيؤ الإنسان واغترابه.
إن هذه المقولة تكشف لنا عمق الأزمة فالأصل في المسؤولية لم يكن يوماً مجرد التزام ميكانيكي ينتهي بإيداع تعويض نقدي في ذمة
المتضرر المالية. كانت موقفاً أخلاقياً ووجودياً متكاملاً يعيد التوازن النفسي والوجداني للفرد داخل المجتمع. أما اليوم، فقد استسلمنا
لبلادة الضمير التشريعي؛ وأصبحت النصوص عبئاً ثقيلاً يخنق العدالة بدلاً من أن يحررها، فتحول القانون من حارس للحقوق إلى
مجرد دفتر حسابات يديره موظفون لا تعنيهم لوعة الوجدان.
إن القانون دون منبع أخلاقي إنساني ليس سوى جسد ميت، والتعويض المادي البحت الذي يتجاهل الضرر المعنوي والنفسي ليس
في حقيقته إلا تشريعاً مبطناً للانتهاك. نحن بحاجة ماسة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إنقاذ الفكر القانوني من هاوية التشيؤ
والآلية الصماء، وإعادة الاعتبار للإنسان؛ ليس كطرف في معادلة تعاقدية ضيقة، بل باعتباره القيمة العليا والمبتدأ والمنتهى الذي من
أجله وُجد النص أصلاً.

مشاركة:

آخر تحديث: ٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

كيف نرصد معضلات الثقافة في عراق اليوم؟ وكيف نقرأها ونعالجها؟
آراء

كيف نرصد معضلات الثقافة في عراق اليوم؟ وكيف نقرأها ونعالجها؟

منذ التغيير الراديكالي في العام 2003 جابه البلاد والعباد انحداراً خطيراً قادته قوى الدجل والتضليل وإسقاطاتها القدسية زيفا وبهتاناً، بقصد تفريغ العقل العراقي من أية فرصة بناء وتقدم واغتناء فكري فلسفي ومن ثمَّ تفاقمت عقبات كأداء بوجه المشهد الثقافي والاجتماعي في العراق الجديد لتختلق أزمة بنيوية…

· 5 د
جلجامش : ماذا بعد انكيدو ؟
آراء

جلجامش : ماذا بعد انكيدو ؟

بعد موت انكيدو ، صار النوم بابا يخشاه كلكامش . كلما اغمض عينيه عاد انكيدو ، وكلما فتحهما ، لم يجد سوى الغرفة الفارغة . كان الضوء يتسلل الى المكان بحذر ، كأنه يخشى ان يوقظ الماضي . اما الغبار فظل يتراكم في زوايا الغرفة ، حتى العنكبوت لم يبق من بيتها سوى بضع خويطات متهرئة . لم يجرؤ كلمكامش على إزالة…

· 4 د
مذبح الحضور المستحيل: 
تشريح تفكيكي لجنائزية الهيمنة الأمريكية واحتضار الإمبراطورية في الشرق الأوسط
آراء

مذبح الحضور المستحيل: تشريح تفكيكي لجنائزية الهيمنة الأمريكية واحتضار الإمبراطورية في الشرق الأوسط

غالب المسعودي تتبدى السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حين تُخضع للمساءلة التفكيكية الصارمة، بوصفها محاولة ميتافيزيقية مستميتة لفرض نمط وجودي مصمت يقوم على طرد الاستثناء ومحو التاريخ المشتبك بالذاكرة الحية. إن النزوع المتغطرس نحو هندسة "عالم خالٍ من الأشباح" يعبر فلسفياً عن رغبة…

· 7 د