وجه الإنسان هو الهوية الأولى لشخصيته والتعبير الواضح عن الجمال أو القبح، والخوف والغضب والقوة وكل ما يدخل ضمن معايير التعبير البشري الصارخ عن النفس.
أما القناع فهو وسيلة التنكر الأولى، كما وصفه صاحب كتاب "الأنا ـ الآخر: ازدواجية الفن التمثيلي"، أو الممثل الأول الذي يقدم مثالاً آخر يختلف عن حامله.
إذن، كيف عرف الإنسان التنكر بقناع غير وجهه أو جسده؟ وما علاقة القناع بالشعائر والطقوس والسحر؟ وما أنواع الأقنعة التي عرفتها البشرية؟ هذا ما نجيب عنه في التحقيق التالي.
عرف الإنسان الظواهر الطبيعية فأحبها وخاف منها في الوقت ذاته، فابتدع طقوساً معينة للتماهي معها واستدرار عطفها لتمنحه القوة وتجنبه الشرور، كما كان يعتقد. فعرف القناع بوصفه شكلاً من أشكال محاكاة الطبيعة من حوله، وللتعبير عن كائنات كان الإنسان البدائي يعتقد بوجودها ولا يراها، فجسدها بأشكال مختلفة للحيوانات المحيطة به. إذن فالقناع ــ كما وصفه جارودي ــ حامل مرئي لقوى لا مرئية؛ لذا ارتبطت بارتداء الأقنعة طقوس وشعائر خاصة لدى كثير من الشعوب، وما زالت بعض القبائل البدائية تستخدم الأقنعة في رقصاتها المقدسة كقبائل الدوجون في مالي.
تاريخ ممتد:
استخدم المصريون القدماء الأقنعة في حياتهم، وكان للموت أهمية طقوسية خاصة جعلتهم يصنعون توابيت الفراعنة على أشكال أصحابها، حيث يمثل التابوت قناعاً جسدياً كاملاً للمومياء بداخله، وكأنه يربط اتصالها بالحياة أو يعطيها ديمومة الشكل.
وفي اليونان كانت الأقنعة أحد المكملات الطقوسية في المراسيم التقليدية، إضافة إلى استخدامها في التمثيل المسرحي.
واستخدم صناع الأقنعة في الصين القديمة مجموعة واسعة من المواد التي ميزت ألوان الأقنعة وأشكالها.
وبشكل عام، فقد عبّرت الأقنعة عن أغراض مختلفة، كتخويف الأعداء أو التعبير الجمالي أو الطقوس الدينية؛ لذا شكلت عبر العصور رموزاً حضارية وثقافية تمثل فكر صانعها وخياله.
طقوس الجمال والرعب:
تتميز الأقنعة بالسحر والجمال وهي مدهشة لجميع الثقافات والأعمار، فعندما يلبس المرء قناعاً فإنه يخفي شخصيته وراء الفن الجميل أو المخيف.
وفي الوقت الحاضر أصبح استخدام الأقنعة للترفيه وجذب السياح، إضافة إلى الطقوس التقليدية الأخرى التي تقتضي وجود القناع. ويكون لبس الأقنعة في بعض الأحيان جزءاً من عملية تنكر كبيرة تشمل الملابس والشعر. وتقاليد الأقنعة تؤدى في جميع أنحاء القارة الأفريقية، وقد أخذت أشكالاً مختلفة وتندمج بطقوس أخرى مثل الرقص والغناء والموسيقى والتمثيل.
والتشكيلة الضخمة للأقنعة الأفريقية منها ما يغطي الوجه، ومنها ما يشكل خوذة على الرأس، ومنها ما يلبس على الصدر.
وكثير من تلك الأقنعة مصنوع من الخشب ومزين بالشعر البشري أو الليف النباتي أو الخرز والمعادن وجلود الحيوانات. ومعظم الأقنعة الخشبية يكون عمرها أقل من مائة عام لأنها لا تصمد أكثر أمام الرطوبة والحرارة، بينما يمكن أن تبقى الأقنعة العاجية أو المعدنية لقرون عديدة دون أن تتعرض للتلف.

زواج الأقنعة:
وتدل الأقنعة في زائير بين قبائل التشوكو وسوكو وياكا على وظائف اجتماعية مهمة، فالرؤساء قد يلبسون الأقنعة في المناسبات أو حين يؤدون التضحيات الى الأسلاف لطلب البركات من أجل الخير والرفاهية.
وقد تكون وظيفة الأقنعة تلقين الأبناء طقوس الأسلاف أو الوساطة بين الأرواح والبشر. فمثلاً، قناع "الفيل" يستخدم في الطقوس الجنائزية لقبائل "الكوبو"، ويزين هذا القناع بالصدف الأبيض لارتباط البياض بالموت والحداد عندهم.
وتؤدي قبائل "الياكا" طقوس لبس الأقنعة عند بلوغ الذكور لتحقق لهم الأمان والخصوبة المستقبلية.
وتمثل تلك الأقنعة المخلوقات الموجودة في الطبيعة من حولهم، ونادراً ما تمثل البشر، لذا يتخذ القناع قوة خاصة يُعتقد بوجودها، كالطاقة السحرية التي يُعتقد بتأثيرها في من يرتديه. فقناع أنثى قبيلة "التشوكو" يلبس ضمن طقوس خاصة أثناء مراسم دخول مرحلة الشباب، حيث يؤدي الحاضرون مجموعة رقصات يقوم خلالها الشاب بدفع حلقة نحاسية للنحات تشكل مهراً للعروس المتمثلة بالقناع، ويكون ارتداؤه شكلاً من أشكال الزواج الباطني، ويكون دوره منع روح صاحبه من مطاردة عائلته بعد موتها، لاعتقادهم أن القناع سيكون مانعاً لشرور صاحبه بعد الموت. ويقال إن القناع صُنع في القرن العشرين لأحد فناني قبيلة التشوكو.
أما قناع مملكة بينين فقد صُنع من العاج في القرن السادس عشر، وهو على خلاف الأقنعة الأفريقية يمثل شخصية حقيقية هي الملكة الأم لمملكة "بينين".
وعلى الرغم من أن شكل القناع يمثل وجهاً، فإنه يلبس في الغالب على الصدر لتقديم الاحترام للأم الميتة. وقد كانت مملكة "بينين" قوية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وكانت تملك نظاماً خاصاً وسلطة قوية في زائير، وتعززت سلطاتها بالمراسيم الرائعة التي يقدمون فيها الأقنعة للعائلة المالكة والشخصيات البارزة في المملكة.
وكانت تلك المراسيم تقوم بحضور الشخصيات المميزة والموسيقى والرقص والأقزام والنمور المقيدة. ويجري ارتداء قناع الملكة الأم عند تعيين ملكة أم جديدة، ولا يشترط فيها أن تكون أم الملك، وإنما أي قريبة كبيرة السن يمكن أن يقع عليها اختيار الملك.
ويعد رقص الأقنعة من أهم عادات قبائل الدوجون في مالي، ويكون الرقص فيه مخصصاً لذكور القبيلة فقط. ويرتدي الراقصون في تلك الطقوس مجموعة من الأقنعة الأنثوية التي تمثل نساء القبيلة، إضافة إلى أقنعة أخرى تمثل الحيوانات المختلفة كالقرود والأبقار والثعالب التي تأخذ قداسة خاصة عند الدوجون. وتمثل أقنعة الحيوانات رموزاً لمقدسات قبائل الدوجون التي يشترطون حضورها في طقوسهم.
أقنعة للإجهاض:
أما استعمال الأقنعة في المسرح فيعود إلى قرون طويلة سابقة؛ ففي المسرحيات اليونانية والرومانية نحو عام 400 قبل الميلاد، لبس الممثلون قناعاً كاملاً على الرأس صُنع من قماش الكتان الصلب، وكان الشخص الواحد يلبس أقنعة عدة ليؤدي بها أدواراً مختلفة في المسرحية.
لكن لم تبقَ أي أقنعة من اليونان القديمة لأنها صُنعت من مواد سريعة التلف، وإن استهدفت راحة الممثل، حيث اشترط أن تكون خفيفة ليسهل حملها. وكانت هذه الأقنعة تغطي كامل الرأس وتزين بالشعر البشري أو الحيواني لتأخذ تصفيفات مختلفة. وكان شكل الأقنعة يسهل على الجمهور معرفة طبيعة الشخصية التي تقدم على المسرح، وكانت تصور الناس العاديين، إضافة إلى الشخصيات الأسطورية المخيفة التي يكون شكل القناع فيها مرعباً. فيقال إن بعض الأطفال ماتوا من الخوف، وإن النساء أجهضن عندما شاهدن تلك الشخصيات المقنعة المرعبة، وقد تكون هذه مبالغة للتدليل على قوة حضور الأقنعة في المسرح اليوناني آنذاك. أيضاً استعمل المصريون الأقنعة الحيوانية في الاحتفالات منذ عام 600 قبل الميلاد، وقد مثلت تلك الأقنعة طقوساً أسطورية تشبه إلى حد بعيد التمثيل المسرحي.
وفي أفريقيا والأمريكيتين أصبح القناع جزءاً أساسياً من الأداء المسرحي، فقد كانت القبائل البدائية تؤدي رقصاتها وطقوسها باستخدام الأقنعة فيما يشبه التمثيل.
وفي العصور الوسطى في أوروبا، ارتدى الممثلون الأقنعة في التمثيل الصامت، يرافقهم أداء شعري.
وفي عام 1300 ميلادية طُوِّرت الأقنعة لاستخدامها في الكرنفالات في إيطاليا، وفي عام 1400 أُنشئت ورش خاصة لصناعة الأقنعة، وفي القرن الخامس عشر استُخدمت في مسرحية كوميدية في إيطاليا، ثم استخدم المسرح الجوال الإيطالي الأقنعة في الأداء المسرحي عام 1600. وفي عام 1800 استخدم هنود كولومبيا البريطانية الأقنعة في رقصهم المسرحي التقليدي، وبعدها ظهرت أقنعة المسرح وعالم الدمى المسرحية لتنتشر في جميع أنحاء العالم.
وطن إلى حين:
الأوبرا الصينية التقليدية شاعت في أنحاء الصين من دون أن يكون لهذا الفن اسم خاص، وقد نشأت ما بين عامي 1368 و1398 في عهد سلالة الإمبراطور "مينج هونجو" حين ذهب الجيش إلى شمال الصين، وبدأ الجنود والقادة يشعرون بالحنين إلى الوطن؛ لذا نشأ المسرح التقليدي الصيني للتعبير عن حياة الصين والتعويض عن حالة الافتقاد التي شعر بها الجنود.
ويرتبط الأداء المسرحي بالغناء ويتحدث عن العائلات الصينية الكبرى وأمجادها. وكان من أهم أدوات المسرح الصيني أو الأوبرا الصينية الأقنعة التي أخذت بعداً فنياً خاصاً وحملت رموزاً مختلفة حسب دلالتها اللونية.
وقد مثلت الأقنعة على مر العصور أيقونات للقوة تضيف لصاحبها بعداً آخر يتجاوز شخصيته الحقيقية. والأقنعة، مثلها مثل كثير من مصنوعات البشر، يمكن أن تكون ذات بعدين في استخدامها؛ فهي آلة للخوف والرعب والقوة، كما يمكن أن تكون لعبة طفل تمثل شخصياته الكرتونية المحببة إلى نفسه، فيتماهى معها بلبس القناع الكرتوني الصغير الذي كثيراً ما أسعدنا ولعبنا به، واختلفنا حول الأقوى والأجمل في أقنعة طفولتنا التي لا تعود.







التعليقات