يوما ما سيأتي جيل لن يسأل من أنت حتى يمنحك حق الحديث، ولن يقتنع بفكرة لمجرد أن صاحبها يحمل لقبا أكاديميا أو اسما معروفا في عالم الثقافة. جيل سيهتم بما تقوله، ويناقش حجتك، وقد يختلف معك حتى لو كنت أستاذا جامعيا أو صاحب مؤلفات كثيرة. لن ينشغل كثيرا بمكانتك الاجتماعية أو بعدد الكتب التي ألفتها، وإنما بما أضفته أنت إلى المعرفة، وما تملكه من أفكار تستحق النقاش. قد يبدو هذا الكلام بعيدا، لكن ما يحدث حولنا يستحق التأمل. شاب يجلس في غرفة متواضعة، يحمل هاتفا صغيرا، يستطيع في دقائق أن يستمع إلى محاضرة لفيلسوف، ويتابع نقاشا لعالم، ويقرأ مقالا لناقد، ويطلع على تجارب أشخاص لم تكن وسائل الإعلام التقليدية تمنحه فرصة للتعرف إليهم. المعرفة لم تعد حكرا على المؤسسات أو أصحاب المنابر، وأصبح الوصول إليها متاحا لمن يريد البحث والتعلم. لقد تعودنا زمنا طويلا أن هناك من يفكر ويكتب، وهناك من يقرأ ويستمع. كان الكاتب يتحدث والقارئ يتلقى، وكان اسم الشخص ومكانته يمنحان كلامه قدرا من الاحترام قبل مناقشة مضمونه. أما اليوم فقد أصبح القارئ يسأل ويناقش ويعترض، وقد يطرح شاب لم يكتب كتابا سؤالا يعجز عن الإجابة عنه شخص قضى سنوات في التأليف. لا يعني ذلك التقليل من قيمة العلماء والكتاب، وإنما يعني أن المعرفة لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز يمنح صاحبه حق الوصاية على الآخرين. الفكرة الجيدة تستحق الاهتمام مهما كان قائلها، والخطأ يبقى خطأ حتى لو صدر عن شخصية مشهورة. أتمنى أن يكون الجيل القادم أكثر استقلالا في تفكيره، يأخذ من اليمين فكرة ومن اليسار أخرى، ويقرأ التراث والفلسفة والعلوم، ثم يحاول الوصول إلى قناعته الخاصة. لا أريده أن يكون نسخة من أستاذه أو والده، وإنما إنسانا قادرا على تكوين رأيه ومناقشة ما ورثه من أفكار. المشكلة أن بعض ما نقدمه لأبنائنا على أنه حقائق نهائية قد يكون مجرد أفكار ورثناها دون نقاش. وهناك من يتحدث عن الثقافة ويكثر من أسماء الفلاسفة والمفكرين، لكنه عندما تسأله عن رأيه الشخصي لا تجد لديه شيئا يضيفه. لقد أصبح من السهل استعراض ما قرأناه، لكن الأصعب أن نخرج من القراءة بفكرة تخصنا. ولا يمكن تجاهل دور مواقع التواصل الاجتماعي في هذا التغير. صحيح أن تيك توك وفيسبوك مليئان بالمعلومات المغلوطة والمحتوى السطحي، لكنهما فتحا المجال أمام أشخاص لم تكن لديهم فرصة للظهور أو المشاركة في النقاش العام. لم يعد الوصول إلى الجمهور يحتاج دائما إلى مؤسسة إعلامية أو دار نشر أو منبر ثقافي. وقد يكون لهذا الجيل تأثير يتجاوز حدود مجتمعاته، وربما يخلط أوراق الغرب نفسه، بفضل ما سيحمله من مزيج ثقافي وعلمي، وبقدرته على الانفتاح والاندماج في الفضاء الغربي عبر المواقع والمنصات الرقمية. فهو جيل يستطيع متابعة الفلسفة الغربية وعلومها وتجاربها، وفي الوقت نفسه يحمل تراثه وثقافته وأسئلته الخاصة. لن يكون مجرد متلق لما ينتجه الآخرون، وإنما قد يصبح شريكا في إنتاج المعرفة ومناقشتها والتأثير فيها. وعندما تلتقي ثقافات مختلفة بعقول مستقلة، تظهر أفكار جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية والمدارس الفكرية التقليدية. ومع ذلك، فإن حرية التفكير لا تعني ترك الأبناء دون توجيه. نحن بحاجة إلى أن نقدم لهم الدين بصورة تقوم على الفهم والحكمة، لا على التخويف وحده. علينا أن نعلمهم أن السؤال ليس عدوا للإيمان، وأن التأمل والتدبر من أبواب المعرفة، وأن الحوار لا ينتقص من قيمة العقيدة. فحين يجد الشاب من يناقشه ويجيبه باحترام، لن يضطر إلى البحث عن كل إجاباته بعيدا عن أسرته ومجتمعه. إن ترك فراغ فكري لدى الأبناء ثم لومهم على ما يقرؤونه ويسمعونه لا يحل المشكلة. من واجب الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية أن تقدم خطابا مقنعا يلامس أسئلة الجيل الجديد ويخاطب عقله. لكن احتكار العقول لا يظهر في الكتب والجامعات وحدها، وإنما نجده أيضا داخل البيوت. الطبيب الذي يريد أن يصبح ابنه طبيبا مثله، والأستاذ الجامعي الذي يتمنى أن يحمل أبناؤه الشهادة نفسها، والتاجر الذي يريد أن يرث أبناؤه تجارته وطريقته في التفكير، والموظف الذي يتصور أن الوظيفة التي اختارها لنفسه هي الطريق الأفضل لأبنائه. قد يقضي الأب سنوات في تعليم ابنه، لكنه لا يتقبل أن يختار مهنة مختلفة عن مهنته. وقد تشجع الأم ابنتها على الاستقلال، لكنها تعترض عندما تتخذ قرارا لا يوافق تصوراتها. نريد لأبنائنا أن ينجحوا، لكننا كثيرا ما نحدد لهم مسبقا شكل النجاح والطريق الذي ينبغي أن يسلكوه. تأملوا مثلا طالبا درس الطب وتخرج فيه، ثم اكتشف أنه لا يجد نفسه في ممارسة المهنة، فاختار مجالا آخر ووجد فيه سعادته. أو خريج حقوق لم يعمل محاميا، واتجه إلى عالم الأعمال أو الكتابة. هل نعتبر سنوات دراسته ضائعة لأنه لم يعمل في التخصص الذي اختاره في مرحلة معينة من حياته؟ وهناك شاب لم يتحصل على شهادة البكالوريا، فاعتبره المحيطون به فاشلا، بينما كان يتعلم ويطور مهاراته في مجال آخر، حتى أصبح مبدعا في التسويق الإلكتروني وقادرا على بناء مشروعه الخاص. وهناك لاعب استغنى عنه ناد رياضي لأنه لم يكن ضمن حسابات المدرب أو المسؤول، لكنه واصل التدريب حتى أصبح من أفضل اللاعبين. وقد نجد عاملا بسيطا في مؤسسة، يقضي سنوات خلف مكتب الحراسة، لا يلتفت إليه أحد، ثم يكتشف قدراته في العمل العام ويصبح شخصية مؤثرة في مجتمعه. هذه الأمثلة تجعلنا نتساءل عن الطريقة التي نحكم بها على الناس. هل الشهادة وحدها تحدد ذكاء الإنسان؟ وهل المنصب هو المقياس الحقيقي لقيمته؟ وهل من لم ينجح في طريق معين يكون عاجزا عن النجاح في طريق آخر؟ أحيانا لا يكون الفشل سوى تأخر في اكتشاف الموهبة، وقد يكون الباب الذي أغلق في وجه شخص سببا في بحثه عن فرصة أخرى لم يكن يفكر فيها من قبل. ليست كل الطرق التي لا تنتهي عند الجامعة أو المكتب أو المنصب طرقا ضائعة. التربية ليست استنساخا، والأبوة لا تعني امتلاك مستقبل الأبناء. قد يكون الابن طبيبا ناجحا لكنه لم يكن يرغب في الطب، وقد تكون الابنة صاحبة مشروع أو فنانة أو باحثة، وتجد في طريقها ما لم يجده أبواها في حياتهما. ليس المطلوب أن يتمرد الأبناء على تجارب آبائهم، وإنما أن يستفيدوا منها دون أن يصبحوا أسرى لها. الأب الذي يحب ابنه لا يبحث عن نسخة منه، وإنما يساعده على اختيار طريقه وتحمل مسؤولية قراراته. هؤلاء هم الذين يمكن أن يؤثروا في المجتمع ويغيروا نظرته إلى النجاح والكفاءة. الشاب الذي اكتشف موهبته خارج الجامعة، والفتاة التي اختارت طريقا لم ترسمه لها عائلتها، واللاعب الذي لم يستسلم لحكم مسؤول أخطأ في تقديره، والإنسان الذي استطاع أن يخرج من موقع لم يكن أحد يتوقع أن يغادره. إنهم جزء من ثورة فكرية لا تقوم على الشعارات، وإنما على تغيير طريقة النظر إلى الإنسان وإمكاناته. ثورة تجعل الكفاءة مرتبطة بما يستطيع الإنسان تقديمه، لا باللقب الذي يحمله أو الطريق الذي اختاره له الآخرون. عندما يصبح الاختلاف أمرا طبيعيا، ويكون من حق كل شخص أن يختار مجاله ويجرب قدراته، سنكون أمام مجتمع أكثر انفتاحا على المواهب. وقد يأتي جيل يسألنا عما أضفناه، لا عن عدد الكتب التي قرأناها، ويناقش أفكارنا بدلا من الاكتفاء بترديدها. لا أعتقد أن احترام الأجيال السابقة يعني السير على خطاها في كل شيء. لكل جيل ظروفه وأسئلته ووسائله، وما كان مناسبا لنا قد لا يكون مناسبا لأبنائنا. ومن حقهم أن يختاروا، وأن يخطئوا ويتعلموا، وأن ينجحوا بطريقتهم. ربما يأتي هذا الجيل بأفكار لا نتفق معها، ويختار طرقا لم نكن نراها مناسبة، وقد ينجح في مجالات لم نعترف يوما بأهميتها. علينا حينها أن نتعلم كيف نستمع إليه، كما نطالبه اليوم بأن يستمع إلينا. فليس من المعقول أن نفتح أمام أبنائنا أبواب المعرفة ثم نغلقها عندما يبدأون في مناقشة أفكارنا. لقد تغير العالم من حولنا، ولم تعد تجاربنا وحدها كافية لتحديد مستقبلهم. قد نكون قد علمناهم كيف يقرؤون ويكتبون ويفكرون، لكن علينا أن نقبل أيضا أن يصلوا إلى نتائج مختلفة عما وصلنا إليه. فربما يكون أجمل ما يتركه جيل لجيل يأتي بعده هو ألا يضطر هذا الأخير إلى تكرار حياته حتى يثبت له أنه تعلم منه
الجيل الذي سيكسر احتكار العقول

آخر تحديث: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:١٢ م






التعليقات