انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الجيل الجديد بين وهم ثقافة الشاشة ووهن ثقافة النخبة

عدي عدنان البلداوي
عدي عدنان البلداوي

كاتب وناقد عراقي

9 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
الجيل الجديد

بين وهم ثقافة الشاشة ووهن ثقافة النخبة
مشاركة:

ان ازمة الثقافة العربية اليوم هي اكبر من قدرات الكتابة والنشر والطبع والتوزيع ، انها مشكلة متعلقة بالتفاعل إذ لم يعد جيل اليوم - بسبب ظروفه الحياتية غير المستقرة - يحظى بدرجات عالية من التفاعل مع المصادر الموثوقة وان كان يدري ويعرف جيداً مدى موثوقيتها ، ذلك ان أدوات العصر الجديد لم تعد قادرة على التعامل مع الأفكار العميقة والأهداف البعيدة ، لكن هذا لم يكن ليعني ان جيل اليوم يتعالى على عطاءات المفكرين والكتاب من جيل الآباء ، بل هو يتفاعل معهم على أساس التقدير فقط ، لا أساس التقدير والتقرير . هذا ما يجعل وجود المفكرين والفلاسفة غير فاعل في واقع حياة الناس برغم كثرتهم في زماننا ، خلا تلك المناسبات التي تعدّ متنفساً لا يبعث على التغيير كالملتقيات والمنتديات والمؤتمرات والمحاضرات والمهرجانات.

فالكتّاب والمفكرون في زماننا لا يزالون يكتبون ، ولا تزال كتاباتهم تشكّل صرخات واضحة ، لكنها غير مسموعة ، ليس لخلل في آذان المجتمع ، بل لأنها لم تعد آذاناً واعية . لذا هناك فجوة بين قيمة الفكر العميق في الكتب ، وبين الفهم التلقائي في الثقافة الشعبية ، وهو ما يحمل المثقف النخبوي على الانزواء او التقاعد بالمفهوم الوظيفي للخدمة ، وربما يقتصر دوره على الدعوة للعودة الى طبيعة الثقافة في مجالس ثقافية ومنتديات تجمعه بأقرانه ، يبدد فيها شعوره بالغربة  أو الوحشة جرّاء التغييرات التي طالت كل مفاصل الحياة الجديدة في القرن الواحد والعشرين ، فهناك عدد غير قليل من الكتّاب والمفكرين لا يجدون من أبنائهم من يشاركهم همومهم الثقافية . لأن هناك مشكلة جديدة تكمن في ان كثيراً من المؤسسات التربوية والتعليمية التي يتدرج فيها أبناء المجتمع ، لن يكتب لها الإستمرار في مستقبل عصر العولمة والحوسبة والأتمتة والذكاء الإصطناعي ، ما لم تقم بتخريب الهدف الذي قامت لأجله وهو التعليم التثقيفي . إذ لم تعد المدرسة في القرن الواحد والعشرين معنية بتربية الأولاد قدر انغماسها في فرض مناهج دراسية هدفها اجتياز الطالب الامتحان من اجل المرور الى مرحلة دراسية لاحقة تكرّس ابتعاد الطالب عن التفكير وعن قيم التربية العلمية والثقافية ، ليصل الى الجامعة حيث عليه ان يتخصص في مجال يضمن له وظيفة حكومية او فرصة عمل مناسبة في القطاع الخاص ، هكذا تدرّج وتخرّج كثيرون ، حيث رسالة التعليم لم تصل الى الطالب خلال سنوات دراسته في المدرسة والجامعة ، وحيث اصبح الهدف من الدراسة هو المؤهل العلمي فقط ، أما ما يحصل عليه الطالب في البيت من توجيه وتقويم وتقييم ، فهو يسهم في اعداد طبيب مؤدب ، ومهندس مهذب ، لكنه ليس مثقفاً . خطورة ذلك تكمن في ان قوة تأثير ظروف التغيير الإجتماعي ستكون كبيرة على الذين لم يحظوا بقدر كافٍ من الرعاية الثقافية الأسرية يعوّضون به النقص في المؤسسة التعليمية الرسمية ، بحيث يخرج من بين حملة الشهادات طبيباً بلا أخلاق ، ومعلّماً بلا مبادئ ومهندساً بلا ضمير ، وقد كثرت نوعاً ما هكذا نماذج في أيامنا هذه . هكذا يصبح التعليم المجّاني تكليفاً مادياً بالنسبة للحكومة وليس ثقافياً ، لذا كثرت المدارس والكليات الأهلية وفاقت بخدماتها الترفيهية مدارس وكليات الحكومة ، مما دفع بالمعلّم والمدرّس الى الإنتقال من العمل على رسالة المعرفة الى العمل في تجارة المعرفة ، فظهر التقصير في الأداء التعليمي والإداري في مدارس الدولة ونشطت معاهد الدروس الخصوصية ودورات التقوية لتشمل حتى الأطفال الصغار في مراحل الدراسة الأولية .

 

■ وحدة الثقافة..

دعم هذا التراجع في البلاد وجود سلطات سياسية وقيادية لا تفهم معنى وحدة الثقافة ولا ترى في تقطيع أجزاء الثقافة ضرراً بقدر ما تراه مقتضى حال واقع البلاد التي أصبحت بشكل وبآخر خاضعة لقوة النظام العالمي التي تدير مشاريع استثمار اقتصادية وسياسية هدفها دفع المجتمعات بعيداً عن مراكزها الطبيعية ، اعتماداً على تسويق الحرية كمفهوم شخصي غير مرتبط بالمجتمع بقدر ارتباطه بالفردانية الثقافية عبر تقنية رقمية متطورة تتيح للشباب الانتقال والتنقل بين الثقافات طلباً لمزيد من النمو الاقتصادي والترفيه والتسوق ، خصوصاً بعد تراجع في قدرات المجتمعات على دعم  البيئة المحلية لإعداد جيل قادر على فهم الواقع فهماً يعبر بالجميع الى الجانب الآمن ـ ويوفر حلولاً صحيحة لا حلولاً ترقيعية  . هذا الحال يسمح بظهور بيئات جديدة داخل البيئة الطبيعية للمجتمع . تسمح هذه البيئات الجديدة للشاب بأن يستنسخ مشهداً من ثقافة جيل آخر في مجتمع آخر ويلصقه في شريط ثقافته الشخصية دون الحاجة الى تقييم مدى مطابقة مكونات ذلك المشهد مع طبيعة ثقافة المجتمع ، يساعد هذا الحال على إزاحة الثقافة العامة للمجتمع بعيداً عن نقطة ارتكازها ، فيصبح مقبولاً ممارسة سلوك جديد وان بدا غريباً أو شاذاً مثل قصّات الشعر وازياء الملابس وانماط السلوك وطرق التفكير وأساليب التعبير .

 

■ هدم التراث الثقافي..

لذا تواجه الثقافة العربية المعاصرة من بين ما تواجهه من مشاكل وهموم ، مشروع هدم التراث الثقافي بإسلوب ثقافي يتمثل بملئ الفراغ الثقافي للمجتمع  بنقد يثير طبقة الثقافة الشعبية ، فيؤتى بأشخاص لا يتمتعون بأرصدة كافية من الثقافة  تؤهلهم لممارسة النقد ، بقدر ما يتمتعون برصيد وافر من ممارسة حرية التعبير ، تلك الحرية التي تعمل مشاريع التطور التقني اليوم على منحها ظروفاً عابرة للمألوف ، فبدل ان نفتقد في أيامنا هذه وجود باحث اجتماعي مثل الدكتور علي الوردي ، ننتقد اعمال علي الوردي فنصف بحوثه وكتبه التي شغلت الناس وملأت المكتبات ، بانها  حكايات مقاهي وبحوث عامية غير علمية  ..

وبدل ان نفتقد وجود خطيب بمستوى الدكتور احمد الوائلي ، ننتقد الوائلي ونصف محاضراته التي لا تزال حاضرة مؤثرة في الثقافة الشعبية والنخبوية ، بأن الجزء الأكبر منها لم يكن من بنات أفكار الدكتور الوائلي  بل كان مستعاراً من كتب أخرى ..

قيل في الشيخ محمد متولي الشعراوي انه لم يكن يحمل شهادة دكتوراه ، وقيل في نزار قبّاني انه ليس شاعراً ، وقيل في عبد الرزاق عبد الواحد انه ليس شاعراً كبيراً بل هو مجرد شاعر .. هذا ما جاء على السنة شباب هيأ لهم الفراغ الثقافي وغياب النقد الموضوعي ، كما هيأت لهم قاعات التصوير والكاميرات والمونتاج والإضاءة  ، أجواء الجرأة الأدبية ..

 تشترك الشخصيات التي نالت منها ثقافة بعض شباب الجيل الجديد بعاملين : العامل الأول انها كانت شخصيات لها شعبية واسعة ، والعامل الثاني ان شعبية تلك الشخصيات لم تقف عند حدود الفترة الزمنية التي عاشوا فيها ، بل امتدت الى عصر اللهاث وراء الشهرة ( الطشّة ) ، عصر الظمأ الثقافي للابداع الطبيعي ، ولعل هذا يكشف لنا الدافع وراء نقد أي شخصية من تلك الشخصيات ، ذلك النقد الذي لم يكن يستهدف شخصية بعينها ، بل هو يستهدف الوصول الى اكبر عدد من القرّاء والمشاهدين للفت انتباههم من اجل مزيد من المتابعات والاعجابات التي أصبحت معياراً لتبيان ثقافة الشخص ، فكلما كانت اعداد المتابعين كبيرة دلّ ذلك على أهمية ثقافته ، ودلّت أهمية ثقافته على اهليته لدخول كتاب الأرقام القياسية للشخصيات المؤثرة في المجتمع ، وان لم يحقق أدنى المتطلبات الموضوعية للشخصية المؤثرة.

 

■ الوقت يعني المال..

برغم السماحية العالية التي يعطيها العالم الافتراضي لمستخدميه في الحصول على مصادر معرفية متنوعة وكثيرة ، لم يفلح كثير من المستخدمين في صناعة وعيهم الثقافي ، لأن الوقت اصبح يعني المال ، واستثمار الوقت اصبح يعني التفكير بكسب المال وانفاقه ، وهو ما دفع العقل الاستهلاكي الى التفكير المادي ، بحيث قلّت فرص وحظوظ الجانب الروحي ، وثقافة الاعتبارات الأخلاقية ، بحيث لم يعد المُنتَج مهماً لذاته ، المهم هو شراء المنتج لأجل عملية الشراء فقط ، فكثير من الناس يشترون حاجيات ليسوا مضطرين لها ، لكنهم بحاجة الى الشعور بالارتياح النفسي الذي تحققه عملية الشراء هذه .

 

■ الإستعداد النفسي ..

في القرن الواحد والعشرين دخل المجتمع العربي عصر التقنية الذكية وهو غير مستعد نفسياً لتوقع وتقبّل ما سيترتب على تلك التقنية من تغييرات في حياتهم ، لذا ظهرت المشاكل الاجتماعية التي ترجع أسباب اغلبها الى القلق والإضطراب العام الذي يعيشه جيل القرن الحالي ، مضافاً الى ذلك ان المجتمع فقدَ جزءاً من وظيفته ، فقد كان في السابق يشخّص أسباب المشكلة الاجتماعية ويوفّر لها العلاج ، بينما هو اليوم يشخّص المشكلة لكنه لم يعد قادراً على توفير العلاج ، لأن أدوات المجتمع لم تعد فاعلة  في عصر التقنية الرقمية الذي وفّر اداوت جديدة جذبت الجيل الجديد واغرته بدقتها وسرعتها وفاعليتها ، فنتج عن هذا الخلل الاجتماعي في التشخيص والعلاج ، ظهور مذهب جديد يجيز اعتبار المرض النفسي والشذوذ الأخلاقي والتطرف الفكري ، نوعاً من أنواع الحرية الشخصية التي ينبغي باسم المدنية والتطور العلمي احترامها وتوفير الظروف المناسبة لنموها وممارستها ، ومن ذلك ما صرنا نراه ونسمعه عن المثليين وعن المتطرفين و ...

 

■ مزيداً من التعب النفسي..

لذا يشعر الجيل الجديد بالتعب النفسي ويشكو استمرار هذا التعب  ، الأمر الذي جعل بعض الشباب يستخدمون اجسامهم لتحقيق الإرتياح النفسي ، فصرنا نرى شبّاناً وشاباّت بأشكال مريبة ، وملابس غريبة ، وسلوكيات عجيبة .. ما يحملني على عدم وصف كثير منهم بالشواذ هو اني وجّدتهم لا يفتقرون الى روح العمل الإنساني في المجتمع ، لكنهم يفتقرون الى الراحة النفسية ، وبسبب اختلاف واختلال معنى الراحة النفسية وكيفية تحققها لجأ بعض الشباب الى الظهور في الشارع بـ (البرمودا) وبشعر رأس طويل ورسم ووشم على الذراع والكتف والساق ، وظهور شابّات بعمليات تجميل فاقدة لمعنى الجمال ، بملابس تظهر ما امكن اظهاره من أجزاء الجسم وتجسيم الباقي بقماش فاقد لمعنى استخدامه .

ان عدم ايجاد علاج ثقافي للإرتياح النفسي سيرفع من قيمة لغة الجسم البشري في سوق الإستهلاك الحياتي المادي بحيث يعتاد المجتمع العربي على تقبل رؤية العربي في الخليج بالدشداشة والعقال الى جانب زوجته ببنطال الجينز ، ورؤية الشاب العراقي بالبرمودا في شارع المتنبي والاماكن الرسمية ، ويظهر الرجل المصري بالجلابية مع زوجته بتنورة قصيرة فوق الركبة.

■ الشاشة الملونة

هناك عامل مهم وجب الوقوف عنده الى جانب العوامل التي ذكرناها ، وهو ان تعقيداً في حياة الجيل الجديد الاجتماعية قد رافق دخوله عصر التطور التقني الرقمي ، ففي السابق كان الناس يظهرون أمام بعضهم طبيعيين وعفويين ، وعندما دخلت الكاميرا ، أصيبت تلك الطبيعة والعفوية بشيء من التكلف ، هو التزام اكثر منه تمثيلاً ، فالشخص امام الكاميرا يريد ان يظهر على افضل حالة ، ويتكلم افضل الكلام . بعد ان تطورت صناعة الكاميرات وظهرت الشاشات الملونة ، وبعد ان اصبح هذا التطور متاحاً للجميع ، دخلت العلاقات الاجتماعية مرحلة التمثيل ، هذا التدرج من العفوية الى التقيد الى التمثيل ، شغل الناس بالمظهر اكثر مما كانوا عليه في السابق منشغلين بالجوهر ، ومن نتائج ذلك جاءت المجاملات على حساب النقد ، وجاءت الابتسامات المتكلفة على حساب الانفعالات الحقيقية ، الأمر الذي جعل الشخص مضطراً للظهور امام الناس بشخصية تكاد تكون مختلفة عن طبيعتها ، وهو ما اصطلح عليه بالازدواجية في الشخصية ، او النفاق الاجتماعي ، او فن الأتكيت . الصعوبة في ذلك ان مشروعنا في تمكين المجتمع ثقافياً لكي ينجح سيحتاج الى حثّ الفرد والمجتمع على العودة الى الطبيعة لكي يدرك ان وجود الكاميرا او الشاشة ليسا مدعاة للتظاهر او للتمثيل على حساب الواقع ، وانما هما من اداوت رصد الواقع وتوصيفه كاحداث حقيقية وليست مشاهد تمثيلية ، هذا الإدراك سيسهّل عملية التفكير بالواقع ، لدعم الوصول الى نتائج عملية لحل مشاكل الناس ، ولتطوير طريقة حياتهم . 

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ تموز ٢٠٢٦ في ٠١:٥٨ م

مقالات ذات صلة

شيئيات الوعي والذاكرة
فكر

شيئيات الوعي والذاكرة

"جماليات المكان" كتاب باشلار منذ أنْ اطلَّعت في ثمانينيات القرن العشرين على كتابِ (جماليات المكان) للفيلسوف الفرنسي كاستون باشلار والذي ترجمه بحرفية عالية غالب هَلَسا وحتى اليوم وأنا أجعله كتابي المُفضَّل. فعندما استقيت أهميةَ المكان في الشِّعر وضرورته في السَّرد، ومنه عرفت الشّعرية بأعلى درجات…

· 5 د
التشكيل الفلسفي للنصّ
فكر

التشكيل الفلسفي للنصّ

كتابة: من الممكن أن نكون في منطقة المفاهيم السلبية، ويكون للظنّ السلبي نتائج تؤدّي إلى جدليّة لغويّة من جهةٍ، وإلى جدليّة الأشياء من جهةٍ ثانية. والربط الذي يحضر بين التفكير الفلسفي في حالاته السلبيّة مع الأشياء، هو قائمة التسلط على المنافذ التي تخرج عن فلسفة الحِجاج كداعمة أولى للغة الحِجاجية…

· 10 د
حين يعود كلكامش وعنترة إلى الكتابة المعاصرة...

استلهامٌ للماضي أم هروبٌ من الحاضر؟
فكر

حين يعود كلكامش وعنترة إلى الكتابة المعاصرة... استلهامٌ للماضي أم هروبٌ من الحاضر؟

منذ آلاف السنين، لم يغادر كلكامش أسوار مدينة أوروك حقًا، ولم يمت عنترة بن شداد عند نهاية معاركه في الصحراء العربية. كلاهما ما زال يعيش بيننا، لكن بصورة مختلفة. لم يعد يحمل سيفًا أو يقود جيشًا، بل صار يسكن صفحات الروايات، وقصائد الشعر، والنصوص المسرحية، وحتى بعض الأعمال السينمائية. كل جيل يعيد…

· 4 د