مع إعلان حالة الطوارئ البيئية في العراق، يعود السؤال عن موقع البيئة في وعينا اليومي وفي عمل مؤسساتنا. فقد أعلنت وزيرة البيئة ووزيرة الثقافة والسياحة والآثار وكالةً السيدة سروة عبد الواحد، حالة الطوارئ خلال اجتماع عُقد برعاية النائب الأول لرئيس مجلس النواب، بالتزامن مع إطلاق منصة للرصد والاستجابة للبلاغات البيئية والدعوة إلى إعداد خطة تحدد الملفات الأكثر إلحاحاً. وهي خطوة تضع حجم المشكلة أمام الدولة والمجتمع وتستدعي عملاً يمتد من معالجة مصادر التلوث إلى بناء ثقافة تحدّ من تجددها.
تتكون الأزمات البيئية على مهل، ثم تظهر آثارها دفعة واحدة، يتراجع صفاء النهر وتتغير ملامح الأرض ويثقل الهواء على سكان المدن، فيما تستمر الممارسات التي أسهمت في ذلك لأنها باتت جزءاً مألوفاً من الحياة.
هنا تحتاج الإجراءات العاجلة (إن اتُّخذت) إلى معرفة تسندها في كل الأحوال، معرفة تجعل الإنسان مدركاً لأثر ما يفعله والمؤسسات قادرة على مراجعة طريقة عملها وصاحب القرار منتبهاً إلى كلفة قد لا تظهر إلا بعد سنوات.
ولعل "البصمة المائية" من أكثر المفاهيم قدرة على تقريب هذه الفكرة، فنحن نرى الماء الذي نستخدمه في البيت أو الحقل، لكننا لا نرى دائماً الماء الذي دخل في إنتاج طعامنا، لا نعرف إن إنتاج كيلوغرام واحد من الأرز يتطلب نحو ٢٥٠٠ لتر من المياه، ويصل ما يتطلبه إنتاج كيلوغرام من اللحم البقري إلى نحو ١٥ ألف لتر. وقد يُهدر أثناء تنظيف الأسنان ما يقارب ٣٠ لتراً إذا تُرك الصنبور مفتوحاً. تفتح هذه التفاصيل باباً لفهم أوسع: لكل ما نستهلكه أثر في الموارد، مثلما أن لطريقة إنتاجه والتخلص من مخلفاته أثراً في البيئة.
ومن هذا الباب تأخذ الثقافة البيئية معناها، إنها تبدأ بالسؤال عمّا يلائم مدننا قبل أن نبني وأرضنا ومياهنا قبل أن نزرع وعن أثر أنماط تربية الحيوانات والإنتاج قبل أن نتوسع فيها وعن مصير المخلفات قبل أن تختفي من أعيننا.
وهي تصل بين حياة الناس وصحة المكان الذي يعيشون فيه وبين حاضر الموارد وما ينبغي أن يبقى منها للأجيال المقبلة.
في العراق، تتصل هذه المسؤولية أيضاً بمدننا ومواقعنا السياحية والأثرية، فما يصيب البيئة المحيطة بها ينعكس على قيمتها وإمكان الانتفاع بها وعلى حياة المجتمعات القريبة منها.
ومن هنا جاءت أهمية حضور وزارة الثقافة والسياحة والآثار في اللجان المعنية بالملف البيئي والعمل على إدخال التغيرات المناخية والثقافة البيئية في مجال اهتمامها.
وقد قادت هذه القناعة، منذ سنوات، إلى مبادرة لتشكيل فريق مختص بالتغيرات المناخية في الوزارة شارك في معظم اللجان الوطنية المعنية بالبيئة كمساند رئيس لها، وإلى طرح كتاب «نكون أو لا نكون» سعياً إلى تقريب هذه القضية من القارئ.
كما أتاح العمل ضمن المبادرة الوطنية لتقليل الانبعاثات وترشيد استهلاك الطاقة ولا سيما في متابعة الهدف الثامن المعني بالتثقيف البيئي لعدد من الوزارات والمنظمات ، الذي بلغت نسبة إنجازه، وفق متابعة العمل حتى الآن، ١٠٠٪ ضمن خطة تمتد ست سنوات، ووصلت أنشطة التثقيف فيه إلى أكثر من نصف مليون طالب وموظف.
ولعل ما يمنح هذا الجهد قيمته هو انتقال المعرفة من قاعة التوعية إلى المدرسة والدائرة والبيت وأن يصبح أثرها ملموساً في السلوك وفي إدارة الموارد.
إن إعلان الطوارئ يقتضي سرعة في تشخيص مصادر التلوث ومعالجتها، وتنسيقاً بين مؤسسات الدولة وفق مسؤوليات واضحة، وإلى جانب ذلك، تحتاج الثقافة البيئية إلى عمل مستدام، تشارك فيه المدرسة والجامعة والإعلام والفنون والمؤسسات العامة.
فالعلاقة مع البيئة تتشكل كل يوم في القرارات الكبيرة كما في العادات الصغيرة، ومن مجموعها تتحدد ملامح الأرض التي سنعيش عليها، ومستقبلنا في الحياة لنكون أو لا نكون .







التعليقات