سؤال هزني عندما سألني ولدي الذي يأتي بالمرتبة قبل الأخيرة: ما الذي يدور في ذهنه؟
لقد أربكني.. أخافني.. ربما أراد الاطلاع على ما يدور في ذهنه أو... لا أدري!
سألني: الانتحار جبن أم شجاعة؟
لا بد أن أتحدث معه، أن أكون أكثر صراحةً. أخذت نفساً عميقاً.. وقلت:
يصل الانتحار إلى الإنسان في حالات خارجة عن إرادته، بعد أن يكون قد وصل إلى مرحلة كره الحياة وفقدان الإحساس بها، وبعد أن يكون قد انتهى عنده كل شعور أو إحساس بالأمل.
أنا لا أرى الانتحار شجاعة أبداً.. لأن الإنسان عندما يقدم على إنهاء حياته، إنما اختار الشيء الخاطئ، لأنه يظن أن براحة جسده سترتاح روحه.
أما من وجهة النظر الاجتماعية، فالانتحار هو الهروب بحد ذاته من الواقع مهما كان أليماً. ومهما كان الواقع مراً، على الإنسان أن يحافظ على قوته للانتصار على الألم، لا أن يهرب منه ويستسلم.
ووجهة النظر الدينية، لا تسامح أو مغفرة، إنما الانتحار جريمة. إن الله سبحانه وتعالى منحك الحياة والروح ولا يحق لك أن تنهي حياتك أو حتى أن تتصرف بجسدك فتؤذي نفسك. هو خالقك وهو الذي يميتك.
لو تصورنا الحالة التي يمر بها الشخص والتي تجعله يتخذ قرار الانتحار بكل شجاعة، لأدركنا كم من الظروف والعوامل القاسية التي تحيط بهذا الشخص لتدعه ينهي حياته ويترك وراءه الكثير من التساؤلات التي لن تنتهي أبداً.
البعض يعتبر الانتحار شجاعة، وأن القرار في قمة الشجاعة إذا لم تحاوله وتعرفه فهو يقفل عقلك، يدفعك نحوه بقوة ويجعلك تسأل نفسك ماذا يحدث إذا أنا حاولت الانتحار؟
في حقبة السبعينيات كان الكثير من الشباب يقرأ الكتب الوجودية والسوداوية المنتشرة بكثرة آنذاك على الأرصفة وفي المكتبات، للكاتب ديكارت، سارتر، البرتو مورافيا، البير كامو وآخرون. هؤلاء خلقوا جيلاً فوضوياً أو انطوائياً يجلس في الأماكن المعتمة، وكانت الحركة الهيبية نشطة آنذاك مما جعل البعض ينتحر والآخر يفكر بالانتحار.
كان لي صديقاً لاقى حتفه بعد أن أخذ اليأس منه مأخذه، كان موته محبطاً لي أن أترك قراءة هذه الكتب وأن أندمج بالمجتمع.
هناك مشاهير انتحروا بعد أن يئسوا من الحياة، أمثال الروائي الأمريكي ارنست همنغواي الذي حاز بروايته الرائعة (الشيخ والبحر) جائزة نوبل للآداب. لكن همنغواي وجد نفسه وحيداً في آخر حياته رغم شهرته الواسعة.
كذلك الفنان الهولندي (فان كوخ) الذي بيعت لوحاته بعد وفاته بملايين الدولارات مثل لوحة عباد الشمس، أراد أن يضع حداً للشقاء النفسي الذي كان يعانيه.
نشاهد المشاهير.. الابتسامات العريضة تعلو وجوههم وقد ارتدوا أفخر ما أنتجته بيوت الأزياء، وعيون المعجبين لا تكف عن مطاردتهم، السيارات الفارهة والبيوت الكبيرة وأرصدة في البنوك.. ثم تصيبك الدهشة عندما تعلم أن كثيراً من المشاهير مصاب باكتئاب مزمن وقلق وأمراض نفسية عدة تؤدي بكثير منهم إلى نهايات مأساوية.
في العالم العربي هناك الكثير من الأسماء التي أنهت حياتها بالانتحار، عدد كثير من النساء الشهيرات يملكن المال والجاه لاقين نفس النهاية.
كان هذا أحد الدروس التي قدمتها إلى ولدي الذي اعتلت الابتسامة وجهه قائلاً: إن الانتحار جبن وليس شجاعة، مما جعلني أطمئن عليه..








التعليقات