ليس هناك مفهوم ثابت - كمعطى وحيد أوحد - صالح في معطياته ودلالاته لكل زمان ومكان, فالمفاهيم هي عادة تاريخيّة ونسبيّة بامتياز, فالثبات في المحصلة يعني أيضا نفياً لتاريخيّة جوهر ودلالات المفهوم, أي نفي لقوانين حركة وتطور وتبدل الظاهرة في الزمان والمكان.
حقيقة إن المفهوم في جوهره ودلالاته مرتبط بتاريخ نشأته وسيرورة هذه النشأة وصيرورتها, أي هو مرتبط بمشكلات (الصراع والتفاعل الاجتماعي) التي كانت قائمة عند نشوئه, وبالرؤى والأفكار التي تعاملت معه عند هذا النشوء. إي إن المفهوم ابن بيئته التاريخيّة بكل ما تحمله هذه البيئة من مستويات اقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة, هو نسبي. وهذا ما ينطبق في الحقيقة على مفهوم المجتمع المدني.
يأتي مفهوم المجتمع المدني وفق هذه المعطيات على أنه: تحالف أو مجموعة من التحالفات الاجتماعيّة التضامنيّة مثل: نقابة, حزب, منظمة, جمعية خيريّة, أو اجتماعيّة, أو ثقافيّة ... الخ, لها أهدافها ومصادر تمويلها وطموحاتها ومصالحها المحددة بناء على طبيعة مكوناتها الاجتماعيّة و(حواملها الاجتماعيّة ) من جهة, وعلى طبيعة المشكلات الماديّة والفكريّة, أي ( حالات الصراع والتفاعل الاجتماعي والأيديولوجي ) التي تعيشها هذه البنية الاجتماعيّة أو تلك في المرحلة التاريخيّة المحددة أيضاً من جهة ثانية. وهذا ما يؤكد عندنا أن المجتمع المدني صيغ تفرض شكل وجوهر كل صيغة المرحلة التاريخيّة المعيشة.
تجليات المجتمع المدني في عالمنا العربي :
إن من يتابع المقدمات الأوليّة لأشكال المجتمع المدني في دول العالم الثالث ومنه الوطن العربي تاريخيّاً, يجد أن هذه المقدمات كانت في بدايتها ذات طابع أخلاقي وديني تتمتع بصفة المجتمع الأهلي, حيث كانت المنظمات (الخيريّة) تعمل على مساعدة الفقراء والمحتاجين, وقد لعبت الجوامع ودور العبادة بشكل عام دوراَ هاماً في هذا الاتجاه, ثم أخذت توجهات المجتمع الأهلي هذا فيما بعد تعمل على خلق الأجواء المناسبة لهؤلاء الفقراء كي يعتمدوا على أنفسهم بعد أن تؤمن لهم سبل اكتساب المهارات العمليّة والخبرات والتدريب وفرص العمل. أما في المرحلة اللاحقة, فقد راحت منظمات المجتمع الأهلي تعمل على التأثير في الرأي العام والبنية الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة للمجتمع, بغية تغير الواقع وفقا لرغبة وطموح وأهداف ومكونات ومصادر التمويل لهذه المنظمة أو تلك. وفي السنوات الأخيرة أخذت في الواقع تتزايد حدة نشاط منظمات المجتمع الأهلي, ويتركز نشاطها في الجوانب السياسيّة أكثر من الجوانب الاجتماعيّة والثقافيّة بغية السماح للموطن بالمشاركة بشكل أوسع في المجال السياسي للبلاد, وفي إدارة شؤون مجتمعه.
بيد أن ما دفع منظمات المجتمع الأهلي في هذه الدول إلى تصعيد نشاطها السياسي وبدء تحولها إلى منظمات مجتمع مدني وحتى دولة مدنيّة, هو رفع سقف مطالبها, بسبب ردود فعل الإدارة ألأمريكيّة تجاه العالم الإسلامي ومنه العالم العربي, بعد حوادث /11/ أيلول / 2001, حيث راحت هذه الإدارة تمارس ضغطها على حكومات هذه الدول من أجل تحقيق إصلاحات في بنيتها الثقافيّة والسياسيّة, وبخاصة في مسألة توسيع الهامش الديمقراطي وحريّة الرأي وإيجاد تحولات في طبيعة الأنظمة السياسيّة, ولم تتوان أمريكا مع أوربا في تقديم كل الدعم السياسي والمادي والمعنوي للقوى والمنظمات التي حملت أو تبنت شعارات التغيير والإصلاح وبخاصة الأيديولوجي والسياسي منه الموافق لمشروع الديمقراطيّة الأمريكية. الأمر الذي أدخل العديد من منظمات المجتمع المدني في مواجهة مباشرة مع الدولة أو القوى الحاكمة في هذه الدولة أو تلك, فأصبحت العلاقة بين الطرفين في نطاق هذه الموجهة علاقة تصادميّة بدلا من أن تكون مدخلاَ لعلاقة تضامنيّة تصالحيّه تعمل على تنظيم الدولة والمجتمع المدني معا, وخلق الأسس المتينة للمواطنة وممارسة الديمقراطيّة.
إن النظر في معطيات المجتمع المدني ودوره وفق هذا التصور يشير إلى أن مشروع المجتمع المدني في معظم تجلياته في هذه المرحلة, جاء وكأنه نتاج مواقف أيديولوجيّة معزولة عن قاعها الاجتماعي, في الوقت الذي هو من نتاج ميدان الوجود الاجتماعي بكل مكوناته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة, وفي حالات تفاعل هذه المكونات. أي هو نتاج ميدان المجال الحيوي لنشاط الإنسان (الفرد والمجتمع) أثناء أنتاج الخيرات الماديّة والمعنويّة تاريخيّا, وليس نتاج مواقف إراديّة أو ذاتيّه تحركها رؤى فكريّة أو سياسويّة مفارقة للواقع.
حقيقة, إن القول, بأن المجتمع المدني هو شرط قيام الدولة الديمقراطيّة وضمان ترسيخ الحريات السياسيّة, وحقوق الإنسان المدنيّة وتجسيدها عمليّاً كما يطالب بها دعاة المجتمع المدني بعد حوادث /11/ أيلول / 2001/ , هو أمر فيه من التبسيط الكثير, وذلك لتجاهله بأن لا مضمون للمجتمع المدني خارج نطاق النشاط الحي والفاعل للإنسان داخل الوجود الاجتماعي. وإن الشعارات التي تأتي من خارج محيط هذا الوجود لن تحرك أصغر نبته في الأرض ما لم ترتبط بالممارسة من جهة, وتتوفر لها الظروف الموضوعيّة والذاتيّة المؤهلة لتجسيدها عبر الواقع من جهة ثانية.
لذلك أجد أن الذين يحصرون الدعوة إلى المجتمع الدولة المدنيين في النطاق السياسي فقط, إنما هم يتجاهلون الظروف الموضوعيّة والذاتيّة المؤهلة لاستيعاب هذه الدعوة من جهة, ويدعون لليّ عنق الواقع كي ينسجم معها من جهة أخرى, فمنظمات المجتمع المدني وفقا لتصورنا والمعطيات التي جئنا عليها أعلاه, هي تنشط في مجالات عدّة, وتحمل رؤى مختلفة ومتباينة لدورها, وتعتمد وسائل عمل وعلاقات مع الجمهور متنوعة من حيث المصالح والاحتياجات والمطامح والرؤى المجتمعية ومصادر التمويل وغير ذلك.
إذن, إن المجتمع المدني في نهاية المطاف ووفق هذا التنوع والاختلاف في التكوين والأهداف والتمويل والطموح والمكونات الاجتماعيّة, يأتي بناء على حالة التكوين المعقد والمركب والمتباين للتشكيلة الاجتماعيّة الاقتصاديّة المحددة بكل بناها ومكوناتها وطبيعة آليّة عمل هذه المكونات ودرجة تقدمها وارتباطاتها الداخليّة والخارجيّة في أي مجتمع من المجتمعات .
على العموم, نستطيع القول بالنسبة لوطننا العربي لقد كانت هناك إرهاصات أوليّة لحياة ليبراليّة في الجانب الاقتصادي والسياسي في بعض الدول العربي, وكانت هناك بدايات أيضا لنواة مجتمع مدني في صيغته الليبراليّة في كل من سورية ومصر منذ بداية الخمسينيات, ثم في تونس والمغرب بعد هذه الفترة كما يقول (محمد عابد الجابري),(1). بيد أن هذه البدايات قد حوربت من قبل الغرب الاستعماري ولم تلق منه الرعاية والاهتمام, لقد شكلت هذه البدايات نقطة انطلاق آنذاك لحركات وطنية شعر الغرب أن نشاطها الاقتصادي سيهدد مصالحه إذا ما نما وتطور, لذلك ضيق الخناق عليها كما أشرنا أعلاه وبخاصة تلك التي كانت تبشر بالتصنيع والإصلاح الزراعي, والتي يمكن أن تؤسس ليس لمجتمع مدني فحسب بل لدولة مدنيّة, الأمر الذي دفع الغرب إلى تبني قوى سياسيّة إما ذات توجهات انقلابيّة عسكريّة, ودفعها إلى تحريك الانقلابات العسكريّة باستمرار لزعزعة الوضع القائم في المجتمع وخلق عدم الاستقرار, كما جرى في انقلابات سورية أيام ( حسني الزعيم والشيشكلي والحناوي) على سبيل المثال لا الحصر, أو السعي لجلب قيادات تقليديّة ذات توجهات أو مرجعيات عشائريّة أو قبليّة أو طائفيّة كما هو سائد الآن في العديد من الأقطار العربية, وكذا الحال كان مع بعض القوى العسكريّة الوطنيّة التي استطاعت الوصول إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكريّة أو شبه العسكريّة بمساندة جماهيريّة وأحزاب ديمقراطيّة قوريّة, والتي كانت تطمح لتطوير مجتمعاتها, (مصر عبر الناصر) على سبيل المثال لا الحصر أيضا, إذ راح كل من الغرب وأمريكا يعملان على إجهاض هذه الحركات وإسقاطها, تارة عن طريق محاصرتها اقتصاديّاُ وسياسيّاً, وتارة عن طريق الاحتلال المباشر, وتارة عن طريق تبني قوى سياسيّة محليّة أو مهاجرة أخذت من شعارات المجتمع المدني (الديمقراطيّة , وحقوق الإنسان , ودولة القانون ... الخ) حصان طروادة لتهديد هذه الأنظمة التي ترفض الخضوع لرغبات ومصالح الرأسمال الاحتكاري العالمي, في الوقت الذي نجد فيه أنظمة عربيّة تفتقد حتى إلى وجود دستور وضعي للبلاد تعتبر ديمقراطيّة, ويقدم لها كل الدعم من أجل بقائها واستمرارها في الحكم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
1- - مساءلة مفهوم "المجتمع المدني"!- محمد عابد الجابري. راجع موقع:







التعليقات