حين أقرأ كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، أفكر أحيانا في الناس الذين عاشوا في ذلك الزمن، وفي الحكايات التي تناقلوها والمجالس التي كانوا يجتمعون فيها. كيف استطاع هذا الرجل أن يجمع كل تلك الأخبار عن الشعراء والمغنين، وأن ينقل إلينا تفاصيل عن حياتهم وعلاقاتهم وما كان يدور بينهم؟ لقد مضت قرون طويلة، ومع ذلك ما زلنا نقرأ أخبارهم ونتعرف على شيء من حياتهم، وكأنهم لم يغادروا الدنيا منذ زمن بعيد.
وعندما أضع الكتاب جانبا وأذهب إلى المقهى، أجد نفسي أمام عالم آخر، مختلف في شكله، لكنه يشبه ذلك العالم في شيء ما. أجلس بين الناس وأستمع إلى أحاديثهم، فأجد من يتحدث عن العمل، ومن يشكو من الأسعار، ومن يناقش السياسة، ومن يستعيد ذكريات قديمة. كل واحد يحمل معه شيئا يريد أن يقوله، حتى وإن بدا حديثه عاديا لا يستحق الانتباه.
في مقاهي باتنة، مثلا، قد يجلس موظف يتحدث عن راتبه وما بقي منه بعد دفع المصاريف، ويجلس إلى جانبه شاب لا يكاد يخفي حيرته بشأن مستقبله. وعلى طاولة أخرى، تجد رجلا يتحدث عن أيام مضت، ويقارن بين ما عاشه في شبابه وما يراه اليوم. وقد يختلف اثنان في موضوع بسيط، ثم يرتفع صوتهما قليلا، قبل أن يعودا إلى الحديث وكأن شيئا لم يحدث. هذه هي حياة الناس، بتفاصيلها الصغيرة التي لا نجدها دائما في الكتب والتقارير.
وأنا أجلس بينهم، لا أكتفي بالنظر إلى فنجان قهوتي، بل أحاول أن ألتقط بعض ما يدور حولي. أحيانا أسمع عبارة تبقى في ذهني حتى بعد أن أغادر المكان، وأحيانا يلفت انتباهي حديث يكشف لي كيف يفكر الناس في أمر يشغلهم جميعا. وقد أجد نفسي أفكر في رجل ظل طوال الجلسة يستمع ولا يتكلم إلا قليلا. أنظر إلى وجهه وأتساءل، ترى كم حكاية يحمل هذا الرجل؟ وكم مشكلة يخفيها وراء ذلك الهدوء؟ ربما لديه ما يقوله، لكنه لا يجد الشخص الذي يستطيع أن يتحدث إليه، وربما تعود أن يحتفظ بأموره لنفسه.
لا أعرف حكايات هؤلاء جميعا، ولا أريد أن أختلق لهم قصصا لم يعيشوها. لكنني أعرف أن لكل واحد منهم حياة لا تظهر للآخرين كاملة، وأن ما نسمعه في دقائق قد يكون جزءا صغيرا من تجربة طويلة. لهذا أجد في الجلوس بين الناس فرصة لفهمهم أكثر، ولرؤية أشياء قد لا ننتبه إليها ونحن منشغلون بحياتنا الخاصة.
الأصفهاني كان يجمع أخبار عصره، وأنا أحاول أن أدوّن شيئا من أخبار عصري. لا أقارن نفسي به، ولا أزعم أن ما أكتبه يشبه ما أنجزه، لكنني أتوقف عند الفكرة نفسها. هناك إنسان عاش قبلنا بقرون، اهتم بما يقوله الناس وما يحدث بينهم، فترك لنا كتابا نقرأه اليوم. وأنا أعيش وسط شعبي، أسمع حديثه وأرى انشغالاته، وأشعر أن هذه التفاصيل تستحق أن تجد طريقها إلى الكتابة.
قد يرى البعض أن أحاديث المقاهي لا تتجاوز الكلام العابر، وأن الناس يكررون الشكاوى نفسها كل يوم. لكنني أرى أن تكرار الحديث عن العمل والسكن والمستقبل ليس أمرا بلا معنى، فحين يعود الناس إلى الموضوع نفسه، فذلك يعني أنه ما زال يشغلهم. وقد تكون عبارة بسيطة قالها رجل وهو يحتسي قهوته أصدق في التعبير عن شعوره من كلام طويل مكتوب بلغة رسمية.
ومع ذلك، لا أريد أن أكتب عن شعبي وكأن حياته كلها معاناة، فهناك أيضا من يضحك من قلبه، ومن يروي نكتة فينسى الجالسون حوله همومهم للحظات، ومن يتحدث عن نجاح ابنه أو زواج ابنته بفخر واضح. وهناك من يساعد صديقا في محنة، أو يقف إلى جانب شخص يحتاج إلى من يسمعه. هذه الأمور تحدث أمامنا كل يوم، وقد تمر من دون أن نمنحها الاهتمام الذي تستحقه.
ربما لا يلتفت أحد إلى ما أدوّنه، وربما تبقى كتاباتي بين صفحات لا يقرأها إلا عدد قليل من الناس. لكنني أجد متعة في أن أكتب عن الحياة التي أراها بنفسي، لا عن حياة أتخيلها من بعيد. أريد أن أقترب من الإنسان كما هو، بأخطائه وأحلامه وتناقضاته، وأن أترك في كتاباتي أثرا من الكلام الذي سمعته والوجوه التي عرفتها.
وحين أعود مرة أخرى إلى كتاب الأغاني، أفهم أن الكتب لا تحفظ أسماء المشاهير وحدهم، وإنما قد تحفظ لنا صورة عن مجتمع كامل، عن عاداته وأفكاره وعلاقاته. فخلف كل خبر إنسان، وخلف كل حكاية زمن عاشه أصحابه بكل ما فيه.
الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي. هو كتب عن مجالس الأمس، وأنا أكتب عن مقاهي اليوم. وبين كتابه وفنجان قهوتي مسافة طويلة من الزمن، لكنني أشعر أن هناك شيئا يجمعنا، وهو الاهتمام بالناس وما يقولونه وما يعيشونه. فقد يأتي يوم يقرأ فيه شخص ما كتبت، فيتعرف على شيء من حياة الجزائريين في هذا الزمن، ويكتشف كيف كانوا يتحدثون ويحلمون ويختلفون، وكيف كانت تشغلهم أمور قد تبدو لنا اليوم عادية، لكنها كانت بالنسبة إليهم جزءا من حياتهم اليومية.
الأصفهاني دوّن عصره وأنا أدوّن شعبي

آخر تحديث: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٢ م






التعليقات