انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

وسادةٌ مطرَّزةٌ بأسماءِ الله الحُسنى

عبود الجابرى
عبود الجابرى

شاعر و أديب عراقي

3 دقائق للقراءة
66 مشاهدة
وسادةٌ مطرَّزةٌ بأسماءِ الله الحُسنى
مشاركة:

حينَ يسكنُ كلُّ شيءٍ

أضعُ رأسي على وسادةٍ

مطرَّزةٍ بأسماءِ اللهِ الحسنى،

غيرَ أنَّ  اللغةَ

 تتسرَّبُ من تجاويفِ جمجمتي

وتقطنُ جسدَ امرأةٍ أحبُّها؛

هي لغةٌ مخطوفةٌ قسرًا

من فمِ التاريخِ

ترتَسمُ بوضوحٍ بالغٍ

 في تضاريسِ الجغرافيا

كما لو أنَّها امرأةٌ مباركةٌ

تعبثُ بالقلبِ حينَ يقتربُ

وتُطلقُ عليه النارَ حينَ تَبتعدُ،

وأسوةً بكَتبَةِ التاريخِ

أحتفظُ بصورتِها الوحيدةِ

في جيوبِ الرياحِ

مخافةَ أن تلمسَها يدٌ غريبةٌ

أو تهدِّدَ ملامحَ وجهِها

حربٌ طارئةٌ،

أيُّها العاشقونَ المستجدّونَ

خذوا منِّي ما لا تعرفونَ،

خذوا دمعتي الطازجة،

فأنا أضعُ عينيَّ

على الحدِّ الفاصلِ

بينَ إشراقِها ونورِ صوتِها،

وكلَّما انكمشتِ الرؤيةُ

توقَّفتْ عينايَ

 عن التَّحديقِ بالشَّمسِ،

هل هو حِبرُ المؤرِّخينَ

أم خيانةُ دواةٍ تضيقُ ذرعًا

بتكرارِ الوقائعِ؟

كيفَ لي إذن أن أُريحَ أُذنيَّ

بالإنصاتِ إلى خطواتِها؟

وكيفَ أُقنعُ الصُمَّ

أنَّ ما أفعلهُ إنصاتٌ مقدَّسٌ

لأقدامٍ تحاكي نشيداً وطنيّاً

كنتُ أترنّمُ به في طابورِ المدرسةِ

أيُّها العازفونَ،

أما زالَ العالمُ الموحشُ

 شغوفًا ببقايا الموسيقى؟

وهل عليَّ الاعترافُ بفروسيةِ الغيابِ؟

مادام هناك ليلٌ يصهلُ

كما لو أنَّه حصانٌ متعبٌ،

أو أنَّ السائسَ العجوزَ

ينتزعُ مسمارًا صدئًا من حنجرته

أيَّتُها المدنُ القاسيةُ،

هل بقيَ من البلادِ

شيءٌ ينتظرُ عندَ البابِ؟

لكأنَّ البلادَ  لم تَعُد تعرفُ

كيفَ تقولُ وداعًا،

وكلَّما وضعتُ يدي في جَيبي

عثرتُ على خريطةٍ

مطويَّةٍ على اسمٍ واحدٍ

تُنكرُه الجِّهاتُ

وتزعمُ أنَّها لا تعرفُه

لذلكَ لم أعدْ أصدِّقُ

أنَّ للغريبِ وطنًا آخرَ

سوى امرأةٍ تومئُ لهُ منْ بَعيدٍ،

وأنَّ الغربةَ هي عرَّابُ الزمانِ؛

عرّابٌ يخطئُ دائماً في تسميةِ المكانِ،

وغربةٌ ما تلبثُ أن تغادرَ

تاركةً الغريبَ في أحضانِ طيوفهِ،

فترتبكُ الخرائطُ

ولا تعرفُ نهايةَ الطريقِ

هل للطرقِ نهاياتٌ ياحبيبتي؟

ما دمتِ تضعينَ قلبكِ

 في جيوبِ الصمتِ

دونَ أن تكلِّفي نفسَكِ وسعَها

في إيماءةٍ من بَعيدٍ؛

أو عناقٍ عن قُرب،

هل للصوتِ

أن يحملَ أوزارَ الجغرافيا

ويَغدو مَمرًّا ضيِّقًا

تعبرُ منهُ المساءاتُ إلى الأغاني؟

هل للكَتفِ أن تُسمِّي طفولةَ التعبِ

وشيخوخةَ الحبِّ؟

وهل هناكَ من بوسعِه

تسميةُ البيوتِ

دونَ أن يتعرَّفَ على مفاتيحِها؟

والمفاتيحُ قلوبٌ مجهولةٌ

نحملُها كما يحملُ المؤرِّخونَ

لُقْيَةً من مدينةٍ مهجورةٍ

وحينَ وضعتِ يدَكِ فوقَ يدي

تناهى إلى سمعي

صوتٌ خافتٌ

يشبهُ بابًا يؤدِّبُ مفاصلَهُ

لم تقولي شيئًا، لكنَّ الأشياءَ

عادتْ إلى أسمائِها:

المطرُ إلى غيمته،

والطريقُ إلى قدميهِ،

واللَّيلُ الذي كانَ يصهلُ

التحفَ الصمتَ

ليُصغيَ إلى قلبِكِ

وأنتِ تقرأين اسمي مكتوبًا

بحروفٍ بارزةٍ

على لوحةِ الإعلاناتِ،

حتَّى اللغة  المختطفةُ قسراً

من فمِ التاريخِ

صارتْ تمشي حافيةً على لساني،

لغةٌ رؤومٌ

لم تكنْ تبحثُ عن وطنٍ،

لكنَّها أوسعتِ الصمتَ بحثًا

عسى أن تعثر على فمٍ لا يخونُها،

ما جعلني أتوقَّفُ قليلًا

كلَّما كتبتُ كلمةً

لكِ

أو عنكِ،

مثلَ جنديٍّ وحيدٍ

يبحثُ في الأرضِ الحرامِ

عن ناجٍ من الحربِ

ليقبِّلهُ،

لكنَّني كنتُ مكرهًا

على كتابةِ مفردةِ الغيابِ،

فطلعتِ عليَّ من مشرقِ الأرضِ

وحينَ كتبتُ كلمةَ المنفى

تلعثمَ قلبُكِ،

وحينَ كتبتُ "أحبُّكِ"

وضعتِ يدَكِ على قلبي

كما لو كنتِ مضطرَّةً

لتصحيحِ خطأٍ لغويٍّ في حياتي

بينما شرعتُ بتأجيلِ الأحاديثِ

مع سنواتي العجولةِ،

وتركتُ للتاريخِ

أن يكتبَ ما يشاءُ

عن امرأةٍ تخترعُ جنديّاً رقيقاً

وتكتبُ قلبهُ اليتيمَ

 في ألواحِ الحروبِ.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٠ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ورق عاجل
شعر

ورق عاجل

كانا صديقين لكن احمد في السر يكتب تقارير يومية عن طالب لصالح الأمن العام تقارير مقتضبة يرفعها على قصاصات ورق عاجل إلى الجالسين حول المكاتب خلف كروشهم: في الساعة الثامنة صباحا تثاءب طالب بطريقة معادية للحزب والثورة في الثامنة إلا خمس أنهى فطورا أعدته أمه بمهارة مشكوك بمصدرها في الثامنة وخمس دقائق…

· 1 د
من تحت ماء الابسوم أنظر الى لا شيء
شعر

من تحت ماء الابسوم أنظر الى لا شيء

ملتحمان ما يتبع الظلال ما يذكرك انك فراغ آخر ما يتحرك مع المفتاح والمصور الهادئ شديد التركيز شديد الالتزام صائد الفحم الجائع الذي يتحسس الدوي بصورته التي تستطيع القفز بين قطرات الصوت يحرس البواب سره المتلون صفوف غير كأسية تحتفظ بالهواء لسيروم يطفو على الجلد لضوء يعبئ عروقي لسرب التعرق نسج ما يحفره…

· 1 د
عزلة الملح والصولجان
شعر

عزلة الملح والصولجان

فقط.. في حيز النَفسِ الواحد، لم يكن ذوبانًا، بل كان محوًا كاملًا للحدود. تغمرني كشلالٍ سريّ، لكن غيابك المفاجئ يرتدُّ عليَّ كارتداد النبوءات الكاذبة؛ هذيانٌ مالحٌ يملأ الحلق، وغثيانٌ ينهش الطمأنينة. أنا لستُ مجرد عاشقة، أنا البحرُ الذي جفَّ من فرط التحديق في الأفق، الروحُ التي ترتدي جسدها كقفطانٍ…

· 1 د