حينَ يسكنُ كلُّ شيءٍ
أضعُ رأسي على وسادةٍ
مطرَّزةٍ بأسماءِ اللهِ الحسنى،
غيرَ أنَّ اللغةَ
تتسرَّبُ من تجاويفِ جمجمتي
وتقطنُ جسدَ امرأةٍ أحبُّها؛
هي لغةٌ مخطوفةٌ قسرًا
من فمِ التاريخِ
ترتَسمُ بوضوحٍ بالغٍ
في تضاريسِ الجغرافيا
كما لو أنَّها امرأةٌ مباركةٌ
تعبثُ بالقلبِ حينَ يقتربُ
وتُطلقُ عليه النارَ حينَ تَبتعدُ،
وأسوةً بكَتبَةِ التاريخِ
أحتفظُ بصورتِها الوحيدةِ
في جيوبِ الرياحِ
مخافةَ أن تلمسَها يدٌ غريبةٌ
أو تهدِّدَ ملامحَ وجهِها
حربٌ طارئةٌ،
أيُّها العاشقونَ المستجدّونَ
خذوا منِّي ما لا تعرفونَ،
خذوا دمعتي الطازجة،
فأنا أضعُ عينيَّ
على الحدِّ الفاصلِ
بينَ إشراقِها ونورِ صوتِها،
وكلَّما انكمشتِ الرؤيةُ
توقَّفتْ عينايَ
عن التَّحديقِ بالشَّمسِ،
هل هو حِبرُ المؤرِّخينَ
أم خيانةُ دواةٍ تضيقُ ذرعًا
بتكرارِ الوقائعِ؟
كيفَ لي إذن أن أُريحَ أُذنيَّ
بالإنصاتِ إلى خطواتِها؟
وكيفَ أُقنعُ الصُمَّ
أنَّ ما أفعلهُ إنصاتٌ مقدَّسٌ
لأقدامٍ تحاكي نشيداً وطنيّاً
كنتُ أترنّمُ به في طابورِ المدرسةِ
أيُّها العازفونَ،
أما زالَ العالمُ الموحشُ
شغوفًا ببقايا الموسيقى؟
وهل عليَّ الاعترافُ بفروسيةِ الغيابِ؟
مادام هناك ليلٌ يصهلُ
كما لو أنَّه حصانٌ متعبٌ،
أو أنَّ السائسَ العجوزَ
ينتزعُ مسمارًا صدئًا من حنجرته
أيَّتُها المدنُ القاسيةُ،
هل بقيَ من البلادِ
شيءٌ ينتظرُ عندَ البابِ؟
لكأنَّ البلادَ لم تَعُد تعرفُ
كيفَ تقولُ وداعًا،
وكلَّما وضعتُ يدي في جَيبي
عثرتُ على خريطةٍ
مطويَّةٍ على اسمٍ واحدٍ
تُنكرُه الجِّهاتُ
وتزعمُ أنَّها لا تعرفُه
لذلكَ لم أعدْ أصدِّقُ
أنَّ للغريبِ وطنًا آخرَ
سوى امرأةٍ تومئُ لهُ منْ بَعيدٍ،
وأنَّ الغربةَ هي عرَّابُ الزمانِ؛
عرّابٌ يخطئُ دائماً في تسميةِ المكانِ،
وغربةٌ ما تلبثُ أن تغادرَ
تاركةً الغريبَ في أحضانِ طيوفهِ،
فترتبكُ الخرائطُ
ولا تعرفُ نهايةَ الطريقِ
هل للطرقِ نهاياتٌ ياحبيبتي؟
ما دمتِ تضعينَ قلبكِ
في جيوبِ الصمتِ
دونَ أن تكلِّفي نفسَكِ وسعَها
في إيماءةٍ من بَعيدٍ؛
أو عناقٍ عن قُرب،
هل للصوتِ
أن يحملَ أوزارَ الجغرافيا
ويَغدو مَمرًّا ضيِّقًا
تعبرُ منهُ المساءاتُ إلى الأغاني؟
هل للكَتفِ أن تُسمِّي طفولةَ التعبِ
وشيخوخةَ الحبِّ؟
وهل هناكَ من بوسعِه
تسميةُ البيوتِ
دونَ أن يتعرَّفَ على مفاتيحِها؟
والمفاتيحُ قلوبٌ مجهولةٌ
نحملُها كما يحملُ المؤرِّخونَ
لُقْيَةً من مدينةٍ مهجورةٍ
وحينَ وضعتِ يدَكِ فوقَ يدي
تناهى إلى سمعي
صوتٌ خافتٌ
يشبهُ بابًا يؤدِّبُ مفاصلَهُ
لم تقولي شيئًا، لكنَّ الأشياءَ
عادتْ إلى أسمائِها:
المطرُ إلى غيمته،
والطريقُ إلى قدميهِ،
واللَّيلُ الذي كانَ يصهلُ
التحفَ الصمتَ
ليُصغيَ إلى قلبِكِ
وأنتِ تقرأين اسمي مكتوبًا
بحروفٍ بارزةٍ
على لوحةِ الإعلاناتِ،
حتَّى اللغة المختطفةُ قسراً
من فمِ التاريخِ
صارتْ تمشي حافيةً على لساني،
لغةٌ رؤومٌ
لم تكنْ تبحثُ عن وطنٍ،
لكنَّها أوسعتِ الصمتَ بحثًا
عسى أن تعثر على فمٍ لا يخونُها،
ما جعلني أتوقَّفُ قليلًا
كلَّما كتبتُ كلمةً
لكِ
أو عنكِ،
مثلَ جنديٍّ وحيدٍ
يبحثُ في الأرضِ الحرامِ
عن ناجٍ من الحربِ
ليقبِّلهُ،
لكنَّني كنتُ مكرهًا
على كتابةِ مفردةِ الغيابِ،
فطلعتِ عليَّ من مشرقِ الأرضِ
وحينَ كتبتُ كلمةَ المنفى
تلعثمَ قلبُكِ،
وحينَ كتبتُ "أحبُّكِ"
وضعتِ يدَكِ على قلبي
كما لو كنتِ مضطرَّةً
لتصحيحِ خطأٍ لغويٍّ في حياتي
بينما شرعتُ بتأجيلِ الأحاديثِ
مع سنواتي العجولةِ،
وتركتُ للتاريخِ
أن يكتبَ ما يشاءُ
عن امرأةٍ تخترعُ جنديّاً رقيقاً
وتكتبُ قلبهُ اليتيمَ
في ألواحِ الحروبِ.







التعليقات