متواطئاً مع الصمت
كمَن يعبر مدينةً
أطفأت نوافذها دفعةً واحدة
ولم تترك للضّوء
سوى حمل الأسماء التي انقرضت
و لم يعد أحد ينادي بها.
بعض الجُمل
حين تخرج من القلب
لا تعود إليه ببراءة
لذلك تركتُ فمي
حارساً على بوابةٍ
لا يدخلها أحد
أراقبُ الكلمات
وهي تشيخُ في العتمةِ
حتى صار الصمتُ
أكثر فصاحةً مني.
كم مرةٍ أردت أن أقول:
أنا مُتعب...
ثم توجَستُ
أن يسمع التعب نفسه
فينهض مطالباً
بحقه في البكاء.
وكم مرةٍ
كان في صدري
طائرٌ يضرب جناحيه
بجدار ضلوعي
ثم يعود مكسوراً
كأنه أدرك أن بعض الأقفاص
تُبنى من الخوف.
متواطئاً مع الصمت
أخفيت خيباتي
تحت معطف الأيام
ومضيت.
لم أسأل الذين رحلوا
لماذا تركوا أبوابهم مفتوحة
ولا الذين بقوا
لماذا صار حضورهم
يشبه الغياب.
يجلس إلى جوارك طويلاً
ثم يرحل
دون أن يحمل معه شيئاً
سوى الكرسي
الذي كان يجلس عليه في قلبك.
الصمت يكبرُ
كشجرةٍ لا ثمر لها
لكنها تمنح الموتى ظلاً.
لم أعد أبحث عن الكلمات
بل عن المعنى المختبئ خلفها
عن اعتذارٍ تأخرَ
وعن قبلةٍ لم تأتِ
وعن إنسانٍ كنتُه ذات يوم
قبل أن تعلّمني الحياة
كيف أبتسم
في الأماكن التي كان ينبغي
أن أبكي فيها.
متواطئاً مع الصمت
أحاول ألا أجرح العالم
بما أعرفه عنه.
بعض الحقائق
لا تضيء الطريق
تطفئُ آخر مصباحٍ فيه
لذلك بقيت صامتاً
لأن في داخلي كلاماً
لو خرجَ
لتبعتهُ جنازاتٌ صغيرة
لأحلامٍ لم تعش
وأصوات الذين أحببتهم
وهم ينادونني
من الجهة الأخرى للذاكرة.
وحدي
أصغي إلى صمتي
كأنني أصغي إلى بحرٍ بعيد
في كل موجةٍ
يصلني صوتي القديم:
قل شيئاً.
فأجيبه:
ليس الآن...
فما زال في القلب من الكلام
ما يكفي
ليُبقي الصمتَ حيّاً.







التعليقات