قَميصي الأبيضُ لا يؤرِّخُ لشيءٍ،
إنْ هوَ إلّا قميصٌ قديمٌ
قصيرُ الأكمامِ
لا يصلحُ شاهداً على الزمنِ،
عثرتُ عليهِ مصادفةً
بينَ قمصاني المهملةِ
وأردتُ أن أكونَ مرئيّاً
لمرّةٍ واحدةٍ على الأقلِّ
فارتديتُهُ وجلستُ أمامَ الكاميرا،
لم أكنْ أعرفُ
أنَّ للبياضِ هذه القدرةَ
على إيقاظِ ما ينامُ في العتمةِ،
حتّى أنَّ حبيبتي
لم تقلْ شيئاً عن القميصِ
لكنَّها حدّثتني
عن امرأةٍ في مكانٍ بعيدٍ
تُفرطُ في إغلاقِ النوافذِ
وتتركُ البابَ مفتوحاً
لمن لا تعرفُهمْ،
وعن عصفورٍ مريضٍ
يخطئُ كلَّ مرّةٍ
في اختيارِ شرفتِهِ،
حدّثتني كذلكَ
عن أشياءَ لا تخصُّني،
لكنّها وضعتْها أمامي
كما تُوضَعُ المرايا
لاصطيادِ صورةِ رجلٍ متّهمٍ،
ومنذُ تلكَ اللحظةِ
فهمتُ أنَّ البياضَ
لا يمكنُ أن يكونَ بريئاً دائماً
وعرفتُ أنَّ الأبيضَ
لونُ الأكفانِ حينَ تنتهي الحكايةُ،
ولونُ الراياتِ
حينَ يعجزُ المتحاربونَ
عن مواصلةِ خساراتِهمْ،
ولونُ الورقةِ حين لا تَجدُ
ما تكتبُهُ عن صاحبِها،
ولونُ الجدارِ حينَ يُخفي
كلَّ ما عُلِّقَ عليهِ ذاتَ يومٍ،
لم أُدركْ أبداً أنَّ قميصاً واحداً
يمكنُ أن تكونَ لهُ مصادفةً
كلُّ هذه الأشياءِ في آنٍ واحدٍ
فخلعتُهُ وأحرقتُ صورتي،
لم أُحرقْ كلَّ ما فيها
فالصورُ لا تحترقُ كلُّها،
ثمّةَ شيءٌ منها يبقى عالقاً
في عيونِ مَنْ يَرَوْنَها،
وعدتُ إلى قمصاني الداكنةِ
إلى اللونِ الذي لا يوقظُ أحداً
ولا يتركُ للظنونِ
مساحةً كافيةً للجلوسِ،
فالنجاةُ يلزمُها لونٌ واحدٌ
لا يلفتُ انتباهَ أحدٍ
النجاةُ أن تتركَ الأبيضَ
في خزانةِ الغائبينَ،
فلستَ بحاجةٍ ما دمتَ حيّاً
إلى كفنٍ آخرَ،
كفنٍ يكونُ دونَ أن تعرفَ
ناصعَ البياضِ
لكنَّهُ على مقاسِ صورتِكَ.







التعليقات