غرفةٌ سيئة، بلا جدران..
وحيدةٌ، معزولةٌ تنام بين نهرين،
لكنها بلا ماءٍ، يضربها الجفاف.
جلدٌ متيبّسٌ أكلته التجاعيدُ والأيام،
امرأةٌ تبلغ من العمر آلاف السنين..
عجوز، تيبّست بالدهر مفاصلها،
لم يبقَ منها سوى ثديٍ خاوٍ
يُرضِع الأشجارَ حداداً بعد حداد،
حتى صار الدمُ رماداً هيمن على كل البلاد،
ولوّن الحياةَ بالسواد.
غرفةٌ متوحشة، جعلت كلّ من فيها طريداً،
هائماً في العراء..
دوّختني، سلبتني كينونتي،
ورَمَتني وحيداً، طريداً في الغابات،
أحتمي بالريح، عارياً بلا أجنحة،
أتلقّى الضرباتِ تلو الضربات،
أَدخل حرباً بعد حرب،
وبلا أملٍ أستقبل الأموات.
هكذا علّمتني أن أكون: مبتهجاً بين القبور!
غرفةٌ حادة، غشّاشةٌ، خداعة..
بخيلةٌ لم تسقني سوى الدم،
لا تعرف غير الدم؛
دمٌ في الليل، دمٌ في النهار،
دمٌ في النار، وآخرُ في الرماد..
دمٌ يتدفق، يتفجرُ كالعيون،
ومن شدّة غزارته،
احمرّت وجنةُ العالم حدّ الاحتراق!
غرفةٌ كاظِمة، مصابةٌ بالجذام،
لم يزرها خاطرٌ، ولم تأتها حمامة،
لا غصنٌ ولا شجرة..
عاريةٌ غارقة إلى رأسها في الدم.
لا رجاءَ بفُلكٍ ولا نوحٍ ينقذها،
لا سيّارةٌ تمرّ بها، ولا قوافلُ تهديها،
لا بئرَ، ولا إخوةَ لها،
لا ذئبَ يأكلها، ولا يعقوبَ يبكيها،
ولا ربَّ يفسّر كيف أكل الطيرُ من رأسها..
وكيف عاش!
كلُّ الأنبياء الذين مرّوا عليها،
لم يتركوا فيها سوى مراقدَ ومقاماتٍ
تفرّقُ بين المرءِ وزوجه!
كأنها بُنيت بحسرةِ أُمٍّ بَغُوم،
أو بلوعةِ أبٍ أنجبَ من الأسى ولداً..
ثم مات.
غرفةٌ بائسة
مبنيةٌ بالخرافاتِ والأساطيرِ والأدعية،
لا تتحرك صوبَ الله..
لغتها فؤوسٌ تحفر في القلوب،
لا تدنو لوجه الله، ولا وجهُ الله يدنو إليها.
غرفةٌ يابسة، مصابةٌ بالفقرِ والجوع،
لا شيء فيها غيرُ التقرّح والجروح،
لا ندى، لا ماء..
كلُّ ما فيها شياطينُ لا تنسى غايتها،
وفيها مقابرُ لا تُعدّ ولا تُحصى،
وقلوبٌ من حديدٍ لا يصدأ، ولا تغيبُ أحلامه!
غرفةٌ حمراء..
لم تكشف سرَّ ارتباطها بالسواد،
لم تخبرنا كيف نامت بأحشائها الجرذان،
كيف خُلقت فيها حشراتٌ من خليةٍ واحدة،
وكيف انشطرت فيها أشجارٌ لملايين الغابات!
غرفةٌ قلقةٌ جداً،
لا نومَ فيها ولا أمان،
لا أحلامَ سوى كوابيسَ تلعبُ النردَ فوق الجفون.
لا لغةَ نقيسُ بمحرارها رجفةَ الصوت،
لا هواءَ في الرئتين،
لا شهيقَ سوى القيح، ولا زفيرَ سوى القديد.
لا أجنّةَ تُظهر البراءةَ غير الوحوش،
لا رضيعَ فيها يلفّه ثوبٌ نظيف،
لا أطفال، لا صبيان، لا فتيان، لا رجال، لا شيوخ..
وحدها الريحُ
تنفخ في الصدورِ ناياتٍ من الحزن!
وحدها الفوضى
تسنّ سننَ الغابات،
وحدها الحروبُ
تنجبُ جنوداً وقادةً منفوخين بالهيليوم؛
يتعملقون ساعةً، ويتقزمون سنين،
يستغلون الوقتَ الضائعَ بين الجرحِ والسكين،
ليكتبوا على الحيطان سيرةَ شعبٍ جريح.
غرفةٌ مثقّبةٌ..
أزرقٌ جلدُها، أحمرُ ماؤها، وليلُها غراب،
لا كرسيَّ فيها ولا خشب،
غاباتٌ فوق غابات..
لا سحرَ ولا عصا تشقّ بحراً،
ولا فرعون يمنح الناسَ هدنةَ الحياة!
لا يماماتِ تنوح بوجه الجفاف،
لا غيماتِ تبشّر بالأمطار،
لا شجرَ يمدّ للأفواه ثماراً،
ولا نجّار يصنع طاولة، ولا نبيَّ يستدير نحوها.
غرفةٌ حرباء..
تحاول أن تفترشَ الوجدَ بظلٍّ حقود،
تحاول أن تقسمَ الناسَ سادةً وعبيداً،
وتحاول أن تزرعَ الحدائقَ بالأشواك!
غرفةٌ هابطة..
عجيبةٌ تسمّي نفسها بلادَ الوحوش!
لا جبالَ فيها ولا وديان،
لا غيوم، لا آبار، لا ماء، لا ضوء،
ولا السماءُ تفيض بالنجوم..
لا برق، لا رعد، لا درب، ولا نور،
لا ثورةَ تغيّر الأحوال،
لا أُلفة، لا انسجام،
ولا محبةَ تمنح العريانَ دفءَ المكان.
غرفةٌ ظالمة..
ظلمةٌ لا نورَ فيها، لا هواء، لا كهرباء،
لا بابَ ولا شبّاك،
لا شمس، لا أقمار،
لا شعراء، لا حكماء، ولا أنبياء.
لا كتبَ تحكي قصصَ الغابرين،
لا قرآنَ في غار،
لا توراةَ ولا إنجيلَ في متحف،
لا متحفَ يخبر الروّادَ عن آخر الأبطال،
لا زمانَ فيه صراع،
لا نوافذَ تسعى إلى نور،
لا نورَ يسعى للوضوح،
لا وضوحَ يُعلّم الشارحَ معنى الغموض،
ولا غموضَ يفسّر أبوابَ الكلام!
لا جرائد، لا مجلات، لا إعلان، لا إشهار..
كلُّ شيءٍ تعلّق بكربٍ وبلاء.
غرفةٌ ساقطة..
بلا أمل، بلا عمل،
سهواً سقطت في السقوط!
لا حرية، لا إرادة، لا حقّ،
لا مراتبَ تدفع الباطلَ خارج الأقنان،
لا عدلَ يستقيم،
لا مساعدات، لا نخوة،
لا جديةَ تزرع "الأُفَّ" في البستان،
لا عطفَ مكتوبٌ على باب،
ولا همسَ يهادن الجيران!
غرفةٌ متآكلة..
فيها قاتلٌ ومقتول، وغربانٌ وعرجان،
وملايينُ العثرات..
لا صديقَ في الكفّ يرافق صديقاً،
لا حبيبَ في القلب يعاشر حبيباً،
لا شقيقَ الدمِ يقرّب عكّاز شقيق،
لا أُمّاً تجاذب الدمعَ الحنون،
لا أباً يُخرس هذا العواء،
ولا موسى بالعصا يرمي..
غرفةٌ يائسة..
لا شيء فيها غير اليائس والخائف،
غير الدبّابة والصواريخ،
لا شيء فيها مطلقا،
لا شيء سوى نصفِ إنسان..
ينتحِرُ كلما راودته فكرةُ الحياة!
جغرافيا الفوضى

آخر تحديث: ٣٠ تموز ٢٠٢٦ في ٠٤:١١ م






التعليقات