انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

يدٌ أخرى للكتابة

حميد الساعدي
حميد الساعدي

شاعر و أديب عراقي

6 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
يدٌ أخرى للكتابة
مشاركة:

يكتب كما لو أنّ اللغة خُلقت لتكون طيناً بين يديه، يشكّلها كما يشاء، ويعيد إليها روحها كلما خذلت الآخرين.

لم يكن كاتباً عادياً، بل كان يسكن الكلمات كما يسكن بيتاً قديماً يعرف زواياه المعتمة، ويعرف أين يضع المصابيح حين يشتدّ الليل.

يقول دائماً:

"الكتابة ليست وصفاً للحياة، الكتابة محاولة لتأجيل موتها."

لكن الحياة، في يومٍ واحد، قررت أن تردّ عليه بجملةٍ أقسى من كل ما كتب.

له ولد. بكره. ليس مجرد امتدادٍ بيولوجي، إنما امتدادٌ للمعنى.

يراه يمشي في البيت كما لو أنّ الزمن عاد خطوةً إلى الوراء، ليصحّح خطأً قديمًا، أو ليمنحه فرصةً ثانية ليكون أباً أفضل مما كان أبوه معه.

الولد لم يكن كثير الكلام، لكنه يحمل في صمته طمأنينةً غريبة، كأنّه يعرف أشياء لا تُقال.

يُحضّر الشاي لأبيه دون أن يُطلب منه، يترك له الملاحظات الصغيرة، يسرق منه ابتساماتٍ متعبة، ويعيدها إليه مضاعفة.

الأب يكتب ويشعر أنّ هناك عينين تقرآن من خلفه، تراقبان، تفهمان، وربما تصدّقان أكثر مما ينبغي.

ذلك الصباح، كان الضوء خفيفاً، كأنه يخشى أن يوقظ شيئاً نائماً في العينين المتعَبَتين.

خرج الابن مبكراً، كما يفعل حين يسبق النهار إلى عمله في صيانة الأعطال الكهربائية. ترك على الطاولة ورقةً صغيرة، بخطٍ متعجّل:

"لا تترك النص ناقصاً اليوم. لديّ شعور أنّك ستكتب شيئاً يشبهك."

قرأ الأب الورقة. ابتسم.

لكن الابتسامة قصيرة، كأنها لم تجد مكاناً طويلاً لتستقر فيه.

وضع الورقة بين صفحات دفتره، كأنّه يخشى أن تضيع البشارة إن بقيت في العلن.

جلس. بدأ يكتب. الكلمات تتدفّق بسهولةٍ غير معتادة، كأنّ النص يعرف طريقه دون أن يستأذنه.

كتب عن النجاة، عن الإنسان الذي يخرج من الحريق وفي يده شيءٌ من الضوء، عن الفقد الذي يُعلّمنا كيف نُمسك بالحياة أكثر.

لم يعلم أنّ الفقد، في تلك اللحظة، يكتب نصّه الخاص، بعيداً عنه، وبقلمٍ أكثر قسوة.

في مكانٍ آخر، كان الابن يقف فوق سُلّمٍ معدني، يمسك بسلكٍ عارٍ من العزل، يحاول إصلاح عطبٍ صغير.

العالم، في تلك اللحظة، بدا عادياً جداً: صوت العمال، ضجيج الآلات، حرارة النهار. ثم حدثت الشرارة. لم تكن كبيرة. لم تملأ المكان بالضوء، لكنها كافية لتفصل بين "كان" و"لم يعد". سقط. والصمت الذي تلا السقوط، أثقل من أي ضجيج.

رنّ الهاتف. في البداية، تجاهله الأب. كان غارقاً في جملةٍ شعر أنّها ستُنقذه من شيءٍ لا يعرفه بعد. الرنين عاد. ثم عاد مرةً أخرى. كأنه يصرّ، كأنه يحمل خبراً لا يقبل التأجيل.

رفع السماعة.

- "ألو؟"

صوتٌ غريب، متردّد، كأنه يخشى أن يكون حقيقياً:

- "حضرتك والد…؟"

توقّف الزمن.

تلك الجملة، بتكوينها البسيط، كافية لتفتح باباً من الرعب في داخله.

 "نعم… ماذا حدث؟"

الصمت الذي تلا السؤال، أطول من اللازم.

"صار حادث… صعقة كهربائية… هو الآن…"

ثم سقطت الكلمات، واحدةً تلو الأخرى، لكن الأب لم يلتقطها، يسمعها، نعم، لكنّ المعنى لم يصل. كأن اللغة، فجأة، خانته. كأن الكلمات التي كانت تطيعه، قررت أن تنتقم.

في الطريق إلى المستشفى، لم يتذكّر كيف قاد السيارة.

الإشارات تمرّ، الناس يعبرون، المدينة تمارس حياتها كأن شيئاً لم يحدث، وداخله، كل شيء ينهار بصمت. يردّد جملةً واحدة، دون أن يعرف لماذا:

"لا… ليس الآن…ليس هو…ليس بهذه الطريقة…"

الجملة لم تكن دعاءً، ولا إنكاراً، بل محاولة يائسة لتأجيل الحقيقة.

في المستشفى، الضوء قاسٍ. أبيض، بارد، بلا رحمة. سألوه عن اسمه. عن علاقته بالمصاب. أجاب ببطء، كأنه يتعلّم الكلام من جديد.

قادوه إلى الغرفة. رأى ابنه. لم يكن هناك دم. لا جروح واضحة. فقط سكونٌ كامل، غير قابل للتفسير.

اقترب. نظر إلى وجهه. يشبه النائم… لكن النوم، كما يعرف، يمكن كسره. مدّ يده. لمس جبينه. البرودة كانت الحقيقة الوحيدة.

"قم…"

قالها بهدوءٍ غريب.

"تأخرت عن الغداء اليوم."

لم يتحرّك. جلس الأب. وضع يده على صدره. انتظر نبضة. لم تأتِ.

في تلك اللحظة، شعر أنّ قلبه هو الذي توقف، لا قلب الابن.

عاد إلى البيت. ذلك المكان الذي كان يضيق بهما أحياناً، صار فجأةً واسعاً إلى حدّ الاختناق. كل شيء في مكانه، لكن لا شيء في مكانه.

الحذاء عند الباب. الكتاب على الطاولة. الكوب الذي برد فيه الشاي. جلس أمام مكتبه. فتح الدفتر. الصفحة البيضاء لم تكن بيضاء.

مليئةً بما لا يُقال.

كتب:

"اليوم، مات ابني."

نظر إلى الجملة. شعر أنها خيانة. كيف يمكن لجملةٍ قصيرة أن تحمل هذا الثقل؟

مزّق الصفحة. كتب: "ابني…"

توقّف. الفعل لم يأتِ. لم يستطع أن يقول "مات". ولم يستطع أن يقول "يعيش". أغلق الدفتر.

في الأيام التالية، صار يعيش كمن يمشي داخل حلمٍ ثقيل. الناس يأتون، يذهبون، يتحدثون، يواسون.

هو يسمع، لكنه لا يُصغي. يعرف كل ما يقولونه. كتب مثله من قبل.

لكن الكلمات، حين تُقال لك، لا تعني ما تعنيه حين كتبتها.

في الليل، البيت يتكلّم. ليس بصوتٍ واضح، بل بإيحاءات:

خطوةٍ هنا، حركةٍ هناك، ظلٍّ يمرّ سريعاً. ينهض، يفتح الباب، ينظر في الممرّ. لا أحد. لكنه متأكد أنّه سمع شيئاً.

مرّةً، جلس أمام سرير ابنه. لم يغيّر الغرفة. لم يلمس الأشياء. كأنّه يخشى أن يمحو الأثر الأخير.

قال بصوتٍ منخفض:

"كنت أريد أن أكتب لك كتاباً…"

صمت.

"ليس عنك… بل لك.

عن الأشياء التي لم أستطع أن أقولها وأنا أراك تكبر."

تنفّس بعمق.

"كنت أظن أن الوقت طويل."

ضحك. ضحكة قصيرة، مكسورة.

"يبدو أنني كنت أكتب عن الحياة… دون أن أفهمها."

الهواجس بدأت تتكاثر. لم تعد مجرد أفكار، بل أصوات خافتة، تسكن رأسه. صوتٌ يقول:

"لو أنك طلبت منه أن يبقى…"

آخر يردّ:

"لو أنه تأخّر خمس دقائق…"

وثالث، أكثر قسوة:

"كنت تكتب عن النجاة… أين كانت نجاته؟"

يحاول إسكاتها. لكنها تعود، كل مرة، بشكلٍ أشد. صار يخاف من الصمت. لأن الصمت يفتح الباب لهذه الأصوات. لكنه أيضاً صار يخاف من الضجيج. لأن الضجيج يذكّره بأن العالم مستمر.

بعد أسابيع، عاد إلى الكتابة. ليس لأنه شُفي، بل لأنه لم يعد يحتمل ألا يكتب. جلس. فتح الدفتر. ظلّ طويلاً ينظر إلى الصفحة. ثم كتب:

"ابني لم يمت.

هو فقط غيّر مكانه."

توقّف.

قرأ الجملة. لم تكن محاولةً للتخفيف. كانت محاولةً للفهم.

تابع:

"كان يعيش في الغرفة المجاورة، والآن يعيش في داخلي. في كل جملةٍ أكتبها، في كل صمتٍ أعجز عنه."

ارتجفت يده. لكنه لم يتوقف. كتب عن الألم، كما هو، دون استعارات. عن الفراغ الذي لا يُملأ. عن اللغة التي تخون صاحبها حين يحتاجها أكثر. كتب:

"أنا الذي كنت أؤمن أن الكتابة تنقذ…أكتشف الآن أنها لا تفعل. هي فقط تؤجّل الغرق."

صار يكتب كل يوم. ليس ليُبدع، بل ليبقى.

اكتشف أن الكتابة لم تعد خلاصاً، بل نوعاً من الاعتراف المستمر.

في كل نص، كان الابن حاضراً. ليس كشخص، بل كظلٍّ، كرجفةٍ في السطر، كفراغٍ بين الكلمات.

كان يشعر أحياناً أنّه يكتب له، وأحياناً أنّه يكتب به. وفي لحظاتٍ نادرة، كان يشعر أن الابن هو الذي يكتب، وهو مجرد يد.

في ليلةٍ طويلة، جلس يراجع ما كتب. قرأ بصوتٍ عالٍ. صوته مكسور، لكنه واضح.

حين انتهى، نظر إلى الكرسي الفارغ.

"هذه المرة… لم أكذب."

صمت.

"لكنني كنت أتمنى أن أظل كاذباً…لو أن ذلك يعني أنك ما زلت هنا."

أغلق الدفتر. وضعه على الطاولة. أطفأ الضوء.

في الظلام، لم يكن وحيداً. هناك شيءٌ يشبه الحضور. ليس جسداً، ولا صوتاً، بل إحساسٌ خفيف، كأن أحدهم يجلس بقربه. لم يفتح عينيه.

قال بهدوء:

"هل قرأت ما كتبت؟"

الصمت لم يكن خالياً هذه المرة.

ابتسم. للمرة الأولى منذ أسابيع، الابتسامة أطول. لم يعد يؤمن أن اللغة قادرة على تفسير كل شيء. لكنه أدرك شيئاً آخر:

أن بعض الألم لا يُفهم… بل يُعاش. وأن الكتابة، في أقسى حالاتها، ليست إنقاذاً، ولا تفسيراً، بل مجرد محاولةٍ لأن تقول:

"أنا ما زلت هنا…رغم كل شيء."

مشاركة:

آخر تحديث: ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٥٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

ثَبَاتُ الرِّمَالِ
سرد

ثَبَاتُ الرِّمَالِ

صَاحِبُ العَيْنَيْنِ العَسَلِيَّتَيْنِ، وَالطُّولِ المَمْشُوقِ، وَالفِكْرِ الثَّاقِبِ... إِذَا تَكَلَّمَ جَعَلَكَ تَتَلَقَّفُ كَلِمَاتِهِ خَشْيَةَ أَنْ تَنْسَابَ مَعَ الهَوَاءِ فَلَا تَعُودَ. هُوَ "أَحْمَدُ". جَلَسَ "أَحْمَدُ" عَلَى تَلَّةٍ فِي صَحْرَاءَ تَمْتَدُّ عَلَى مَدِّ البَصَرِ. لَيْلُهَا…

· 3 د
لعنة الظل والوحدة
سرد

لعنة الظل والوحدة

حائرةٌ كطائرٍ نسي وجهته، لا يدري أضاع الطريق، أم أن السماء لم تعد تتّسع لجناحيه. أجلس على الأرض، والجدران تندفع نحوي ببطءٍ مخيف، كأن الغرفة تضيق بما أحمله في صدري. أُلصق جسدي بالأرض، فأشعر بدفئها، وأتساءل: أيمكن للجماد أن يكون أكثر رحمةً من البشر؟ حتى ذلك العنكبوت القابع في الزاوية يبدو كأنه جاء…

· 2 د
حين ينجلي الضباب
سرد

حين ينجلي الضباب

حين ينجلي الضباب سبقت الشائعات قدوم تلك العائلة الدخيلة إلى القرية الوديعة، الغافية على ضفة الهدوء والسلام، حيث تناقلت ألسن الناس بمرارة أخبار سمعتها المشينة. لكنّ تلك الحكايات كلَّها ذرتها الرياح أمام الابتسامة المشرقة على وجه الفتاة التي تسكن مع والديها في ذلك البيت الكبير. وفي أعماقه، انبرى…

· 7 د